توجيه إسرائيل ضربة لحزب الله في لبنان لن تكون على نسق حرب تموز، فالظروف مختلفة وحزب الله يعاني من أزمة اقتصادية في بيئته الحاضنة ومن عدم التفاف وطني حوله.
بيروت-“القدس العربي”: تستمر إسرائيل في استفزاز الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي توجيه الضربات تباعاً إليها، وبعد اغتيال العالِم النووي الإيراني محسن فخري زاده لم يعد سرّاً أن إسرائيل هي التي تقف وراء العديد من الحرائق والانفجارات في عدد من المنشآت المدنية والعسكرية في إيران، مستغلّة مرور النظام الإيراني بحالة من الضعف بسبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي نجمت عن فرض العقوبات الأمريكية وانهيار العملة.
وكما في إيران كذلك مع حزب الله في لبنان، لوحظ أن إسرائيل وسّعت في الأيام القليلة الماضية طلعاتها الجوية بشكل واضح، وحلّقت طائراتها الحربية فوق سطوح الضاحية الجنوبية على علو منخفض في محاولة لاستدراج حزب الله إلى أي ردّ واستكشاف جدّية تهديدات أمينه العام السيد حسن نصرالله المتكرّرة وخصوصاً بعد إرسال طائرة إسرائيلية مسيّرة إلى الضاحية “برفض السكوت على أي خرق لأنه يؤسس لمسار خطير ضد لبنان” متوعّداً “بأننا سنواجه الطائرات المسيّرة عندما تدخل سماء لبنان وسنعمل على إسقاطها” مثلما توعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه “إذا قتل أحد من إخواننا في سوريا سنردّ في لبنان وليس في مزارع شبعا”.
ويبدو أن حزب الله يمارس كما إيران “الصبر الاستراتيجي” إدراكاً منه أن الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات في ما تبقّى من ولاية دونالد ترامب وخصوصاً بعد إرسال قاذفات B52 إلى منطقة الشرق الأوسط المجهّزة بصواريخ خارقة للتحصينات. وسبق لنصرالله في آخر اطلالاته التلفزيونية أن دعا محور المقاومة ليكون على درجة عالية من الاستعداد لمواجهة أي خطر أو عدوان وردّ الصاع صاعين. غير أن أي ردّ لم يأت بعد، ويراهن كل من حزب الله وإيران على تغيير في السياسة الأمريكية بعد تسلّم الرئيس المنتخب جو بايدن وزوال نهج ترامب، اعتقاداً منهما أن بايدن لن يرفع سقف المواجهة كما هو الحال مع ترامب. وعلى هذا الأساس، يمارس حلفاء إيران سياسة تقطيع الوقت حتى تسلّم بايدن مقاليد الرئاسة، وتتجنّب طهران الردّ على الغارات الإسرائيلية التي تستهدف حرسها الثوري في سوريا أو التي استهدفت العالم النووي وقبله قائد فيلق القدس قاسم سليماني على يد القوات الأمريكية على الرغم من تداعيات عدم الردّ على صورة طهران وظهورها بمظهر الخائف أو الضعيف خلافاً للتصريحات النارية في المرحلة الماضية التي وصلت إلى حد التهديد بزوال إسرائيل.
ويعتقد البعض أن الدلالات ترتفع حول احتمال توجيه ضربة لإيران أو لأذرعها ومن بينها حزب الله في لبنان، مستندين إلى تكثيف الطلعات الجوية بشكل يومي في الأجواء اللبنانية امتداداً إلى مضيق هرمز، وإلى فتح الأجواء السعودية أمام الطائرات الإسرائيلية، وسحب نصف البعثة الدبلوماسية الأمريكية من العراق، وإجراء تعديلات في وزارة الدفاع الأمريكية.
وتخطّط إسرائيل على الأرجح ومعها ترامب إلى فرض أمر واقع جديد قبل تسلّم بايدن لمنعه من أي عودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. ولكن لم يتبيّن حتى الآن مسرح هذه الضربة وهل تكون في سوريا أم في لبنان أم في العراق أم في إيران بالذات، وهل بمقدور إيران إستيعاب هذه الضربة وممارسة مزيد من “الصبر الاستراتيجي” أم ستنزلق إلى مواجهة تفتح الباب أمام تصعيد دراماتيكي؟
في اعتقاد مطلعين أن توجيه أي ضربة لحزب الله في لبنان سيضعف أهم أوراق إيران العسكرية في المنطقة. وهذه الضربة لن تكون على نسق حرب تموز/يوليو 2006 فالظروف مختلفة وحزب الله يعاني من أزمة اقتصادية في بيئته الحاضنة ومن عدم التفاف وطني حوله. وقد تكون إسرائيل تسعى من خلال إضعاف حزب الله إلى الاستحصال على قرار جديد من مجلس الأمن الدولي لتنفيذ حَرفي للقرار 1701 أو للضغط لتطبيق القرار 1559 القاضي بنزع سلاح الميليشيات الذي لم يلتزم به الحزب، والذي يبقى سلاحه وصواريخه مهدداً للسلم والاستقرار في لبنان وعامل تهديد لإسرائيل ولعملية استخراج آمنة للنفط والغاز.
ولكن أي تداعيات ستكون لمثل هذه الحرب الجديدة التي ستضع لبنان على خط تماس مع الانهيار الكامل وعدم القدرة على النهوض بفعل الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة؟ وإذا كانت الدول الخليجية وعلى رأسها قطر والسعودية والكويت وقفت إلى جانب لبنان بعد عدوان 2006 وساهمت في إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية فمَن سيقف إلى جانب لبنان حالياً إذا بقي إنكفاء الدول الخليجية عن دعم لبنان؟ وهل يصحّ تحذير وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بأن لبنان معرّض للزوال؟