أبعد من الضمانات المعطاة للمسيحيين ثمة مَن يقول إن اعتماد الغالبية المطلقة أو نصاب النصف زائداً واحد طرح يخدم رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية في معركته الرئاسية.
بيروت ـ «القدس العربي»: أكثر ما لفت في الجلسة الخامسة لانتخاب رئيس الجمهورية في لبنان هو فتح معركة النصاب من قبل كل من نواب التغيير وكتلة الكتائب حيث تساجلوا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري حول تفسير المادة 49 من الدستور التي تحدّد كيفية انتخاب الرئيس بقولها في الفقرة الثانية «يُنتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي».
وقد اختلفت مقاربة كل من الرئيس بري ونواب التغيير والكتائب في قراءة مضمون هذه المادة، فالرئيس بري يعتبر أنها تنص على نصاب الثلثين في كل الدورات أي 86 نائباً فيما الآخرون يعتبرون أن لا ذكر لنصاب الثلثين في الدورة الثانية بل حديث عن الغالبية المطلقة أي 65 نائباً.
وانطلق نواب المعارضة في فتحهم لمعركة النصاب من خلفية الخروج من الحلقة المفرغة التي تحوّل جلسات الانتخاب في ظل تعطيل النصاب من قبل الثنائي الشيعي وحلفائه إلى جلسات فولكلورية وشكلية. ويعتبر هؤلاء النواب أن تطيير النصاب هو ورقة يستخدمها فريق 8 آذار لفرض التوافق على رئيس الجمهورية المقبل، لذلك هم ينوون الاستمرار في فتح هذا النقاش في محاولة لكسر هذا النمط، مستغربين ردة فعل الرئيس بري التي حاولت تهميش الأصوات الرافضة أو المتحفظة عن المضي في اعتماد نصاب الثلثين بعد الدورة الأولى من دون الاستناد إلى أي نص دستوري.
وقد أكدت مداخلات كل من رئيس الكتائب النائب سامي الجميّل وعضو كتلته النائب نديم الجميّل ومعهما النائب التغييري ملحم خلف أن «لا رفاهية لانتظار أي تسوية ومن الضروري استنباط حلول من المواد الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية» واقترح خلف «إبقاء جلسة الانتخاب مفتوحة ولو تطلب الأمر أياماً عدة، لانتخاب رئيس» فردً عليه الرئيس بري «ما بدي كتر الاستنباطات، عم تعطيني شي مش وارد، بلا محاضرات». وعندما سأله سامي الجميل «على أي مادة تستند دولة الرئيس لتحديد النصاب في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية؟» أجابه «مادة إجرها من الشباك».
وفي وقت اعتبر البعض جواب بري في إطار المزح أو التهكّم ولم يفهمه البعض، فإن المقصود يعود إلى حقبة الستينات في العدلية، وقد أطلق هذه العبارة أحد القضاة حين سأله محامي سيدة متهمة بالدعارة في سيارتها «وفق أي مادة تتهمها بالدعارة؟» فأجابه القاضي «بموجب مادة إجرها من الشباك». ومنذ ذلك الحين يستعمل البعض هذا المثل للدلالة على بديهية الاتهام.
وإزاء اتهام الرئيس بري نواب الكتائب بالمشاغبة، تولّت إذاعة «صوت لبنان» الرد على محاولاته إسكاتهم داخل الجلسة بقولها «لدولة الرئيس نقول هزلت. فإذا سبق وفرضت على البعض السكوت في حضرتك والخضوع لمشيئتك والرهبة من صوتك والنعم لأوامرك والتحية لقامتك والخوف من دولتك، فهذه ليست قاعدة يمكنك تعميمها». وأضافت «هذه المرة ضُبطت بالجرم المشهود بحالة الاستاذ المستقوي بمسطرته لا بقيمته، بالشرطة لا بالشرعة. فمهلاً راجع حساباتك واسحب كلامك واحترم مقامك، واقرأ بعمق الدستور ونص المواد 73 و74 و75 وروحيتها، وإذا عجزت أو تكاسلت أو إئتمرت في ادارة الجلسات، فإذهب واسترح وتمدّد ومدّد رجليك ونظرك ونظراتك من شبابيك دورك» وختمت «هذه المرة أخطأت في العنوان».
وقد اختلفت القراءة حول مؤشرات فتح معركة النصاب، فالبعض رأى أن التطورات قد لا تكون في مصلحة فريق 8 آذار خصوصاً إذا أصرّ النواب على انتخاب الرئيس من قِبل ثلثي الحاضرين لا عدد النواب ككل، ما يعني أن حظوظ معوض ستكون مرتفعة لاسيما في حال حصول تدخلات خارجية مع بعض النواب للتصويت له.
لكن البعض الآخر، اعتبر أن ما طرحه النائب ملحم خلف وتحديداً رئيس الكتائب سامي الجميّل ينمّ عن شعبوية وعن عدم دراية، لأن طرح الاكتفاء بالغالبية المطلقة من أعضاء المجلس وإن كان يسهّل عملية انتخاب الرئيس ويحول دون التعطيل واطالة أمد الفراغ الرئاسي، إلا أنه يعني انتقاصاً من الضمانات التي منحها المشرّع للمسيحيين. ويسأل هذا البعض «ماذا لو اجتمع 64 نائباً مسلماً ومعهم نائب مسيحي واحد مرشح لرئاسة الجمهورية وانتخبوه خلافاً لإرادة الغالبية المسيحية؟ وهل يدرك هؤلاء أن البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير كان اعتبر نصاب النصف زائداً واحد خطراً في انتخابات الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود؟». وهذا ما يفسّر قول الرئيس بري لرئيس الكتائب «بعدين بشوفك وبحكيك».
وأبعد من الضمانات المعطاة للمسيحيين في اعتماد نصاب الثلثين ثمة مَن يقول إن اعتماد الغالبية المطلقة أو نصاب النصف زائداً واحد طرح يخدم رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية في معركته الرئاسية لأن باستطاعته تكرار سيناريو انتخاب الرئس بري رئيساً للمجلس وكذلك نائبه الياس بو صعب.
ولا يبدو أن الرئيس بري في وارد التخلي عن نصاب الثلثين المعتمد منذ عام 1943 حيث في رأيه «لم تعقد أي جلسة إلا بتوافر نصاب الثلثين، ناهيك بمثلي انتخاب الرئيس الياس سركيس تحت القصف، وانتخاب الرئيس بشير الجميل تحت الاحتلال الاسرائيلي» وتمسّك بري بنصاب الثلثين ليس بسبب الأعراف أو السوابق أو للحفاظ على الضمانات للمسيحيين فحسب بل لأن نصاب الـ 86 نائباً يوفّر فرصة التفاوض من أجل الوصول إلى رئيس توافقي لا يشكّل تحدياً لأحد خصوصاً بعد موقف أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الذي قال «لا نريد رئيساً يحمي المقاومة أو يغطيها فهي ليست بحاجة إلى حماية إنما نريد رئيساً لا يطعن المقاومة في ظهرها».