لبنان: قضية توقيف المطران موسى الحاج نحو مواجهة بين البطريركية المارونية والقضاء الذي يرفض تنحية عقيقي

سعد الياس
حجم الخط
0

البطريركية المارونية بين خوض معركة تثبيت حصانة الأساقفة… ومواجهة تصفية حسابات سياسية والاستغلال الإسرائيلي للأزمة

بيروت ـ «القدس العربي»: طغت قضية توقيف النائب البطريركي في حيفا والأراضي المقدسة والمملكة الهاشمية المطران موسى الحاج هذا الأسبوع على ما عداها من ملفات بعد مصادرة أموال ومساعدات وأدوية حملها من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى عائلات مسيحية ودرزية في لبنان مصدرها لبنانيون فارون من لبنان بعد التحرير عام 2000 ومتهمون بالعمالة لإسرائيل.

وفي وقت تتجه الأنظار إلى الحشد الشعبي الذي دُعي إليه في الديمان اليوم الأحد وما سيعلنه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وما سيفعله الفاتيكان، فإن محاولات للتهدئة سبقت هذه الاطلالة للتخفيف من حجم التوتر والخطاب، إذ استقبل رئيس الجمهورية ميشال عون المطران موسى الحاج واطلع منه على ملابسات ما حصل معه عند معبر الناقورة واعداً بمعالجة الأمور، وموعزاً لوزير العدل هنري خوري لزيارة الراعي والبحث معه في مطالبه ولاسيما تنحية مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالانابة القاضي فادي عقيقي ومحاسبته بعدما خالف قرار سلفه القاضي فادي صوّان الذي صدر في أيار/مايو من هذا العام وقضى بعدم اختصاص وصلاحية المحكمة العسكرية في التحقيق مع المطران الحاج الذي يتمتع بحصانة لا يمكن تجاوزها ويمتلك جواز سفر من الفاتيكان.
غير أن القضية تبدو سائرة إلى مواجهة بين البطريركية المارونية والقضاء اللبناني الذي يرفض بإيحاء من حزب الله تلبية طلب الديمان بتنحية القاضي عقيقي على اعتبار أنه طبّق القانون فيما تنصّل وزير العدل من أي صلاحية لتنيحة عقيقي، ما يعني أن المسألة ستشهد شد حبال على الرغم من أن القضاء العسكري تراجع خطوة إلى الوراء من خلال إعلان القاضي عقيقي أنه لم يستدع المطران الحاج إلى المحكمة العسكرية، علماً كما ذكر مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو أبو كسم لـ «القدس العربي» أن «ليس من اختصاص المحكمة العسكرية أو القضاء العسكري ملاحقة أسقف مسيحي سنداً للمادة 1060 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الصادرة عن الفاتيكان عام 1990 والتي أصبحت نافذة في لبنان منذ عام 1991 وبموجب هذا القانون، يُمنح البابا فقط حق محاكمة الأساقفة الملاحقين بقضايا جزائية».
وفي وقت يرفض أبو كسم الاتهامات التي طالت راعي الأبرشية، يذكّر «بأن حوالي 7 آلاف ماروني يعيشون في فلسطين بينهم نحو 3500 يقطنون في حيفا إضافة إلى أن الموارنة يُعتبرون من أقدم سكان الناصرة حيث يعيش فيها حوالي ألف نسمة إضافة إلى عائلات تسكن في القدس وعكا. والمطران موسى الحاج كسائرِ المطارنةِ الذين سبقوه يلتزم توجيهاتِ البطريركية المارونية ورسالةَ حاضرةِ الفاتيكان، ويحرِص دائمًا على القيامِ بدورِه بروح إنسانية للتخفيف من عذابات اللبنانيين ولاسيما في هذه الأزمة الخانقة التي يمر فيها لبنان وتختفي فيها الأدوية». ويلفت إلى «أن المطران الحاج كما أسلافه لطالما شكّلوا صلة وصل بين أفراد العائلة الواحدة التي تفرّقت على طرفي الحدود منذ أن تم طرد عائلات فلسطينية ووصل منها المئات إلى المخيمات في لبنان».
ويقول الأب أبو كسم لـ«القدس العربي»: «ما كنا نعتقد أنه يُمكن أن نصل إلى زمنٍ في جمهوريةِ لبنان الكبير يَتِمّ فيه التعرّض لمطران من دون وجه حق وخلافًا للأصول والأعراف ومن دون أي اعتبارِ لمقامِه ورسالتِه، وهذا التصرف لم يحدث منذ زمن الولاة في القرون السابقة، وإذا كان البعض يعتقد أنه يبعث برسالة سياسية إلى صاحب الغبطة البطريرك الراعي، فإن غبطته باق على ثوابته ومواقفه الوطنية ولن تثنيه عنها أي ضغوط».
ويتلاقى كلام مدير المركز الكاثوليكي مع ما يقوله خصوم العهد من أن هناك اختباء وراء القانون لتصفية حسابات سياسية وتحديداً مع البطريرك الذي بدأ يحدّد مواقف حاسمة من الاستحقاق الرئاسي ويعطي مواصفات لرئيس الجمهورية لا تعجب محور الممانعة ولا تنطبق على كثير من المرشحين المتداولة أسماؤهم وفي طليعتهم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي ما انفك يرفع شعار حماية حقوق المسيحيين، في وقت لجأ مناصروه إلى التصويب على البطريركية وعلى المطران بطريقة ذكّرت باستهدافهم للبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير في أواخر عام 1989.
ويستغرب خصوم العهد، الذي يتهمونه بتعطيل التشكيلات القضائية حماية لبعض القضاة المحسوبين عليه وفي طليعتهم غادة عون، كيف لا يسري تطبيق القانون على التهريب عبر الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا الذي يتم تحت أنظار الأجهزة الأمنية؟ وكيف يتم إدخال الصواريخ والمسيّرات من دون حسيب أو رقيب؟ وكيف جرى إدخال نيترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت بتغطية قضائية إلى أن فجّرت ثلث العاصمة؟ وأين تطبيق القانون على تجار المخدرات والكبتاغون أو الذين في حقهم مذكرات توقيف في جرائم الاغتيال بدءاً من الرئيس رفيق الحريري وقيادات 14 آذار/مارس؟ ولماذا تعطيل التحقيق العدلي في انفجار المرفأ؟ ويسأل هؤلاء «هل بات مطران يفعل الخير في عهد جهنّم مجرماً ومتعاملاً مع إسرائيل وكل أولئك ملائكة وقديسين لا تجوز ملاحقتهم ولاسيما في عهد الرئيس القوي؟!».
ولا يستبعد الخصوم أن يكون الملف الذي جرى تركيبه للمطران الحاج يهدف إلى الربط بين تنحية القاضي عقيقي عن ملفه وتنحية المحقق العدلي القاضي طارق البيطار عن ملف تفجير مرفأ بيروت، علماً أن عقيقي كانت له سوابق شهدت على انحيازه وتسييسه الملفات أبرزها في أحداث الطيونة حيث استدعى إلى التحقيق فقط رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من دون أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، فيما البيطار تميّز بحياديته والتزامه الأصول القانونية رغم اتهامات حزب الله له بالتسييس. وما يعزّز الاعتقاد بتركيب الملف هو تغريدة للمستشار السابق لرئيس الجمهورية جان عزيز في 1 تموز/يوليو الحالي مما ورد فيها: «ملف عم يُختلق قضائياً ضد شخصية روحية بعيدة كلياً عن الإعلام والسجالات. الهدف الضغط على مرجعية روحية بتوقيت معين، ويطلع الدجال اللي ركّب الملف ويعمل بطل».
يبقى أن نتيجة المواجهة التي تخوضها البطريركية المارونية إما أن تقطع الطريق على حزب الله وحلفائه باستخدام مؤسسات الدولة وخصوصاً القضاء لتصفية الحسابات السياسية ومحاربة الخصوم، وإما أن تفشل في تحقيق أهدافها وتستمر هيمنة الحزب وسياسة الاستقواء التي يفرضها على الوضع اللبناني برمّته خصوصاً إذا تلكأت في الوقوف إلى جانبها مكوّنات اساسية خوفاً من اتهامها بالدفاع عن الاستغلال الإسرائيلي للأزمة اللبنانية ولتهريب الأموال لمآرب سياسية وتخريبية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية