بيروت – «القدس العربي»: قبل يوم واحد على موعد جلسة مجلس الوزراء المخصصة لبحث حصرية السلاح، لم تتظهر نتيجة واضحة للمشاورات التي جرت في الكواليس والتي ستستمر حتى موعد انعقاد الجلسة سعياً لتمرير بند حصرية السلاح بيد الدولة من دون تسجيل اعتراض من قبل “حزب الله” على وضع جدول زمني لتسليم السلاح إلى الجيش اللبناني، وعدم حصول مواجهة بين وزراء “الثنائي الشيعي” من جهة وبين وزراء “القوات اللبنانية” والكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي وبنسبة أقل مع وزراء رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ووزراء رئيس الحكومة نواف سلام من جهة أخرى.
وتفيد معلومات عن اتصالات جارية للتوصل إلى صيغة تلبي المطلوب داخلياً وخارجياً ولا تلقى معارضة “حزب الله” ولا تحرجه بالمشاركة في الجلسة، ويتحدث البعض عن اقتراح يقضي بالتأكيد على حصرية السلاح تحت سقف البيان الوزاري وخطاب القسم، وإحالة الأمر إلى المجلس الأعلى للدفاع الذي يضم قيادة الجيش لاستكمال الاجراءات التنفيذية بما فيها وضع مهلة زمنية ما يعني تأجيلاً مرحلياً لتسليم السلاح. واللافت أن حملة سياسية وإعلامية سبقت جلسة مجلس الوزراء من قبل أسماء محسوبة على بيئة “حزب الله” طالت رئيس الجمهورية وطالبته بحسن استخدام ألفاظه عندما يريد التوجه إلى بيئة المقاومة.
«لن نخضع للشروط الإسرائيلية»
وفي إطار المواقف من الجلسة، رأى عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي فياض “أن منسوب القلق يرتفع في هذه الأيام لدى الناس، وتضج وسائل الإعلام بالسيناريوهات يميناً وشمالاً، كما أن التصريحات التي يطلقها الإسرائيليون وحلفاؤهم الأمريكيون، والحلفاء المحليون للأمريكيين، إنما يراد منها كلها ان تصب في إطار الضغط على السلطة اللبنانية كعهد وحكومة، وعلى الرأي العام اللبناني، وعلى قيادة المقاومة، كي تخضع للمطالب والشروط الإسرائيلية التي يطرحها الأمريكي”.
وأوضح فياض “أننا لا ننكر حجم المخاطر ولا مقدار الضغوط ولا جدية التهديدات التي يتعرض لها البلد، ولكن يجب أن نكون متنبهين تماماً إلى أن أسوأ السيناريوهات، هو نجاح الإسرائيلي والأمريكي، في تحويل القضية من كونها مشكلة لبنانية إسرائيلية إلى كونها مشكلة لبنانية لبنانية، ليقف الإسرائيلي عندها متفرجاً على صراعاتنا وانقساماتنا، ولهذا يجب أن يمتلك اللبنانيون الروية والحكمة في إدارة هذا الملف، والشجاعة والثبات والصلابة في مواجهة التهديدات والضغوطات، لأنه كلما كان الموقف اللبناني موحداً أو منسقاً، كنا أقدر على مواجهة الضغوط وتحصين الداخل”.
وأشار فياض إلى “أن الإسرائيلي يريد أن يتصادم اللبنانيون ببعضهم البعض، ونحن حريصون على أن يتفاهم اللبنانيون مع بعضهم البعض”، لافتاً إلى “أن الجانب اللبناني قد أبلغ الوسيط الأمريكي بالموقف اللبناني، وهو لم يتلق جواباً لغاية اللحظة، والموقف يقوم على أن الإسرائيلي يجب ان يلتزم ابتداءً بوقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي التي احتلها، فهذه هي الخطوة الأولى التي لا يمكن تجاوزها في أي مسار معالجة، لأنه وبكل صراحة ووضوح، لا شيء يوحي أو يضمن أو يؤشر لنية الإسرائيلي الانسحاب من التلال الخمس أو إيقاف الأعمال العدائية مهما تكن الالتزامات اللبنانية، علماً أنه من زاوية موجبات تفاهم وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فإن لبنان قام بما يجب أن يقوم به”.
وأضاف فياض: “لقد أبلغ وزير مال العدو الإسرائيلي “سموتريتش” قبل يومين في لقائه مع مستوطني الشمال، أن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي اللبنانية، ولن تسمح بإعادة إعمار القرى اللبنانية الأمامية وعودة السكان إليها، فهذا هو الموقف الرسمي الإسرائيلي، وما لا يريد أن يعلنه “نتنياهو” يعلنه “سموتريتش”، ولهذا عندما يطالب الوسيط الأمريكي الحكومة اللبنانية بترجمة المبادئ والكلمات إلى أفعال، ماذا حول الموقف الإسرائيلي، الذي لم يلتزم مطلقاً، لا على مستوى المبادئ والكلمات، ولا على مستوى الأفعال، الأمر الذي يجعل من أي التزام لبناني، تنازلاً مجانياً دون أي مقابل ودون أي ضمانات”.
وختم بالتشديد “على ضرورة أن يثبت الموقف اللبناني عند التراتبية التي وردت في كلام فخامة الرئيس، من ناحية أولوية وقف الأعمال العدائية والانسحاب من أرضنا من قبل العدو الإسرائيلي، قبل أي بحثٍ آخر”.
قبلان: مشورة بري
من جهته، وجّه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة وطنية جاء فيها :”الحقيقة منذ نصف قرن تؤكد أن المقاومة والدفاع عن سيادة لبنان لا ينفصلان، وما نحتاجه الآن خرائط منظومة دفاع وطني تستفيد من كل قدرات لبنان لا شطبها وسحبها من هياكل قدرتها العميقة التي أثبتت نجاحها الإستراتيجي لدرجة أن الجيش الإسرائيلي عجز عن التثبيت بقرية أمامية واحدة أو احتلال بلدة حدودية مثل الخيام، واللحظة للمصارحة لا المغالبة، ولا للإنقسام ولا للخصومة الوطنية ولا للثأر ولا لإضعاف واقع لبنان وكشفه”.
وقال “اللحظة لحماية لبنان لا كتابة شروط استسلامه، على أن واقع التجربة التاريخية يؤكد أن الشراكة بين الجيش والمقاومة ضرورة بقائية للبنان، وتحت هذا العنوان لا يمكن القبول بتمرير أي موقف أو قرار يعطي العدوان الإسرائيلي أي أفضلية، والقضية ليست طائفة أو حزب أو تيار بل قدرة لبنان على البقاء، وبصوت عالي: لبنان بوضع استثنائي، والمنطقة بوضع استثنائي، والمخاطر وجودية واستثنائية، وحماية البلد استثنائية ووسائلها استثنائية. وما لا يصح بالأمور العادية يصبح من أوجب الواجبات بالظروف الإستثنائية، وطبيعة التهديدات الإسرائيلية ونوعيتها تلزمنا بتكوين استراتيجية دفاعية تليق بإمكانات الدفاع الوطني وتنوعه أمام قوة عدوانية مدعومة من أكبر قوة بالعالم، ولا يمكن قتال إسرائيل بقوة مكشوفة أو قدرات ضعيفة وإلا طار البلد، ونموذج جنوب النهر بعد اتفاق وقف النار ونقل الضامن الأمني يؤكد ما أقول بالصميم”.
واضاف المفتي قبلان “يوم الثلاثاء سيكون لبنان كله بين يدي الحكومة وأي خطأ بموضوع سلاح المقاومة سيضع رأس لبنان بيد إسرائيل ويدفع نحو كارثة وطنية، والتاريخ يقول لنا: نزع القوة يعني الإستسلام، وعليه فإن مناقشة وضعية سلاح المقاومة يمر فقط بالسياسة الدفاعية للبنان، ووظيفة الحكومة مراكمة الدفاع الوطني لا انتزاع القوة الوطنية أو إضعافها”. وختم “لمن يهمه أمر لبنان أقول: الرئيس نبيه بري قامة تاريخية مقاوِمة وأساس تكويني بالعصر الإستقلالي الجديد ورمز إنقاذ وطني مشهود، وأي تجاوز لمشورة الرئيس نبيه بري بجلسة الحكومة يوم الثلاثاء هو تجاوز للبنان ودفع للبلد نحو الإنتحار، واللحظة للعقلاء بهذا البلد وسط شرق أوسط تبتلعه الأزمات الوجودية والخرائط الأميركية الدموية، وتقدير المخاطر وتأمين القدرات الداخلية وحفظ الوحدة الوطنية بهذه اللحظات المصيرية بمثابة ضرورة وجودية للبنان”.
جعجع: منطق «الحزب»
في المقابل، اعتبر رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع “أن الطريق الذي نسير فيه حالياً هو الطريق السليم الا ان المشكلة هي أن هناك فريقاً أو حزباً في لبنان وليس طائفة أبداً، اسمه “حزب الله”، يتّبع منطقاً مغايراً تماماً، ويتحدث بلغة لا يفهمها الآخرون، كما أنه بدوره لا يفهم لغة معظم اللبنانيين”، موضحاً “هذه ليست وجهة نظر “القوات” فقط، بل إن 75% من اللبنانيين لا يريدون هذا الواقع المفروض”. واشار إلى “أن حزب الله، بعد أن أخّر لبنان مئة عام إلى الوراء، يعيد إلى الذاكرة التصريح الإسرائيلي القديم الذي قال فيه مسؤولون إسرائيليون إنهم يريدون إعادة لبنان ثلاثين أو خمسين سنة إلى الوراء في حال تعرضوا لأي أذى من الأراضي اللبنانية”، واستطرد جعجع أنه “لو كان باستطاعته التصريح آنذاك لقال للإسرائيليين: لا تتعبوا أنفسكم، فلدينا حزب الله وقد أعادنا مئة سنة إلى الوراء. فحزب الله، بوجوده وطريقة تصرّفه، أعاد لبنان فعلياً إلى الوراء مئة سنة، إن لم يكن أكثر”, ورفض “الذريعة القائلة إن حزب الله لا يستطيع التخلي عن سلاحه طالما أن إسرائيل ما زالت موجودة في الجنوب”، معتبراً “أن هذه الحجة تضرب نفسها بنفسها، لأن إسرائيل إنما جاءت إلى الجنوب بسبب السلاح والحروب التي خاضها الحزب”.
وفي موقف يعبّر عن تصلّب أحد الوزراء في الحكومة، كتب وزير العدل عادل نصار المسمى من حزب الكتائب عبر منصة “اكس”: “اذا إختار حزب الله الإنتحار برفض تسليم سلاحه، فلن يُسمح له بأن يجر لبنان والشعب اللبناني معه”.
البعريني: أوهام القوة
واللافت أن الموقف الداعي إلى حصرية السلاح لم يعد يقتصر على المكونين المسيحي والدرزي بل ايضاً المكوّن السني، وفي هذا المجال رأى عضو تكتل “الاعتدال الوطني” النائب وليد البعريني “أن ساعة الحقيقة تقترب وعلى لبنان أن يكون على قدر كاف من الجرأة والوطنية لمواجهة الأمور”. وتوجّه البعريني الذي كان عضواً في كتلة “المستقبل” التي يرأسها الرئيس سعد الحريري إلى “حزب الله” بالقول “انتم اليوم تتحملون مسؤولية حماية لبنان بقراركم أو تدميره بسلاحكم، تتحملون مسؤولية السلام فيه أو الحرب، فالامور رهن موقفكم، فإما أن يكون قراركم الدولة واما السلاح”، معتبراً “أن التحايل عبر تعابير فضفاضة عن التزاوج بين السلاح لخدمة الدولة لم يعد ينفع.”
وأضاف “بات هذا السلاح عبئًا على لبنان، ولا يجوز لكم الاستمرار بالمكابرة، وتسليم السلاح ليس ضعفًا بل عين العقل والحكمة، ليس إهانة بل دليل على حس وطني وحس بالمسؤولية. اخرجوا من اوهام القوة التي أوصلتكم وأوصلتنا إلى ما نحن فيه، عودوا إلى منطق لبناني وطني وتخلصوا من أي ارتباط اقليمي وخارجي. فإما ان تتخذوا الموقف الصحيح وإما أن تغامروا مرة جديدة بلبنان، وهذه المرة ستكون مغامرتكم أشبه بالانتحار، وهو ما يرفضه كل اللبنانيين”. وختم البعريني: “اليوم لا أحد يدعوكم إلى تسليم السلاح لاسرائيل كما تقولون في خطاباتكم، بل الدعوة لبناء دولة، وهنا يأتي خطاب رئيس الجمهورية ليشكل البوصلة الحقيقية لانقاذ البلد.”
وكان النائب فيصل كرامي أيّد بدوره حصرية السلاح بيد الدولة، كذلك فعل نجل رئيس “تيار المردة” النائب طوني فرنجية الذي أكد “أن هذا الموضوع بالتحديد يجب أن يكون بيد رئيس الجمهورية جوزف عون، الذي لنا كل الثقة بحكمته وصبره لإيجاد الحل المناسب ولأخذ لبنان إلى برّ الأمان”، قائلاً “فلبنان لا يحتاج إلى طرح موضوع السلاح كوقود لإشعال الفتنة، ولا يمكن لأي طرف المزايدة على الآخر بوطنيته وسيادته، فجميعنا لبنانيون ولبنان خيارنا الوحيد”. وقال “ما نحن بحاجة إليه هو حصر السلاح بيد الدولة والجيش وإعادة تكوين الجيش بدءاً من واقع العسكريين إلى العتاد والسلاح، ما يمكّن هذه المؤسسة فعلاً من حماية لبنان وحدوده مع إسرائيل، كما حمايته من كل المخاطر الممكنة”.
توازياً، لم تُحسَم بعد البلبلة التي سادت في بيروت حول إنتهاء مهمة الموفد الأمريكي توم برّاك وعودة الموفدة مورغان أورتاغوس خصوصاً أن أي موقف أمريكي رسمي لم يصدر ليؤكد أو لينفي ما أشيع، في الوقت الذي يستعد فيه السفير ميشال عيسى اللبناني الأصل للمجيء إلى لبنان لتسلم مهامه.