حكومة الحريري تكرار للحكومات السابقة التي دخلت في متاهة الحصص وتوزيع الحقائب والتي تظاهر ضدّها لبنانيون وطالبوا برحيلها.
بيروت-“القدس العربي”: في انتظار ولادة حكومة الرئيس سعد الحريري الثالثة في عهد الرئيس ميشال عون، فقد بدا أن التشكيلة الحالية وخصوصاً ما يتعلّق بالحصة المسيحية وتوزيع الحقائب لم تكن موضوع تشاور فعلي بين الحريري وبعض الكتل أو الأحزاب المسيحية. وإذا كانت المشاورات اقتصرت شكلياً بين الحريري وكل من “تكتّل لبنان القوي” و”تكتل الجمهورية القوية” في خلال الاستشارات غير الملزمة في مجلس النواب، فإن أي لقاء آخر لم يُسجّل بين الحريري وكل من التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية اللذين يمثّلان أكبر حزبين مسيحيين على غرار تمثيل حركة أمل وحزب الله للشيعة أو الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الديمقراطي اللبناني للدروز، الأمر الذي دفع بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى التوجّه للحريري بالقول “لا تضع المسيحيين وراء ظهرك” مذكّراً بما كان يردّده الحريري الأب “البلد لا يمشي من دون المسيحيين”.
والواقع أن رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وإن غاب عن مشهد المشاورات إلا أنه ممثّل برئيس الجمهورية الشريك في تأليف الحكومة والذي يطلعه على كل شاردة وواردة في عملية التشكيل والأسماء والحصة المسيحية، إلا أن رئيس حزب القوات سمير جعجع غائب عن مشهد المشاورات كلياً ولا يشاوره الحريري في الحصة المسيحية ولا يطلعه عليها رئيس الجمهورية.
وإذا كانت القوات أخرجت نفسها من الحكومة السابقة واقترحت خروج كل الأحزاب من الحكومة المرتقبة، غير أن الوقائع تفيد أن القوى السياسية ليست بعيدة عن تسمية وزرائها الاختصاصيين غير الحزبيين بالتنسيق مع الحريري. وهذا هو عملياً الواقع مع الثنائي الشيعي الذي بات شريكاً قسرياً في التأليف إلى جانب عون والحريري وإلا لا تبصر الحكومة النور، وقد نجح في التمسّك بحقيبة المال للشيعة وفي فرض رغباته على مجريات التأليف، مثلما نجح الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من خلال رفع سقفه السياسي في حفظ حصة درزية من خلال حقيبة وازنة في حكومة من 18 وزيراً أو حقيبتين في حكومة عشرينية. أما الحصة السنّية فيقرّرها الحريري بنفسه مع إعطاء وزير للرئيس نجيب ميقاتي.
وفي ضوء هذه المعطيات، تكون حكومة الحريري الثالثة أشبه بحكومة حسان دياب ثانية مع فارق أن رئيسها هو الممثّل الأقوى للطائفة السنّية، وتكون هذه الحكومة تكراراً للحكومات السابقة التي دخلت في متاهة الحصص وتوزيع الحقائب والتي تظاهر ضدّها لبنانيون وطالبوا برحيلها وتشكيل حكومات مستقلّة وقادرة على تطبيق الإصلاحات ومعالجة الهدر والفساد.
وكان البطريرك الراعي قال للحريري في عظته أيضاً “إحذر الاتفاقيات الثنائية السرّية والوعود لأنها تحمل في طيّاتها بذور خلافات ونزاعات على حساب نجاح الحكومة”. ولكن يبدو أنه لم يؤخذ بنصيحة البطريرك بل عادت المحاصصة من بابها العريض وعادت القوى السياسية للتأثير في إختيار الوزراء ما يعني استنساخاً لتجربة الحكومات السابقة.
وبحسب المطّلعين لم تكن دعوة البطريرك للحريري إلا من باب المحبة والتقدير لوطنيته واعتداله ومن باب دعم جهوده بتأليف الحكومة بعيداً عن أي بدع وأعراف غير دستورية ولحثّه على عدم إضعاف نفسه بتسويات من هنا أو هناك. وقد أعقب هذه الدعوة إيفاد الحريري شخصية إلى بكركي للقاء الراعي واطلاعه على مجريات تأليف الحكومة.
وأبلغ البطريرك موفد الحريري أنه كان سعيداً بعودته إلى رئاسة الحكومة، وأنه ينتظر منه تشكيل حكومة وفقاً للدستور تحقّق تطلعات اللبنانيين التوّاقين إلى حلول وإصلاحات وتعيد إعمار بيروت المدمّرة، لا حكومة يتم في تأليفها مخالفة الدستور ولاسيما لجهة الخضوع لمطلب طائفي كإعطاء حقيبة المال للثنائي الشيعي أو مخالفة ما نصّت عليه المبادرة الفرنسية لجهة حكومة مستقلة من اختصاصيين. وفي وقت لم يشأ البطريرك الدخول في تفاصيل التشكيلة الحكومية اكتفى بالاشارة إلى أن الانقاذ لا يكون بأدوات الانهيار وبالوقوع في مستنقع المصالح.
ومن المعروف أن علاقة جيدة تربط آل الحريري ببكركي منذ قرّر الرئيس رفيق الحريري الانفتاح على البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بعد نداء المطارنة الموارنة الشهير في 20 ايلول/سبتمبر عام 2000 الذي دعا إلى جلاء الجيش السوري عن لبنان، سائلاً “هل من الضروري أن يبقى الجيش السوري مرابطاً في محيط القصر الجمهوري رمز الشرعية؟”.
وجاء هذا الانفتاح بعد إدارة الظهر للمسيحيين في حقبة الوصاية السورية وإضعاف حضورهم السياسي في الدولة بعد نفي العماد ميشال عون وسَجن الدكتور سمير جعجع، والسير في الانتخابات النيابية عام 1992 على الرغم من المقاطعة المسيحية غير المسبوقة للانتخابات.
وبعد اغتيال الحريري الأب نزل البطريرك صفير إلى دارة قريطم ووقفت الأحزاب والتيارات المسيحية جنباً إلى جنب مع عائلة الحريري وكانت ثورة 14 آذار/مارس الوطنية الجامعة. غير أن التحالف الرباعي الذي نشأ على الفور عام 2005 مع الثنائي الشيعي والحزب التقدمي الاشتراكي وخوض الانتخابات بقانون انتخابي وضعه اللواء غازي كنعان لا يحقّق صحة التمثيل المسيحي، دفع البطريرك صفير إلى مساندة عون الذي حصد المقاعد المسيحية في جبل لبنان وزحلة وشكّل “تسونامي” أزعج خصومه السياسيين.
وعلى الرغم من ذلك بقي حزبا القوات اللبنانية والكتائب إلى جانب سعد الحريري على حساب حضورهما النيابي الضعيف، وأبدى جعجع استعداده لارسال عناصر من القوات لفكّ الحصار عن السراي الحكومي الذي كان يشغله الرئيس فؤاد السنيورة بعد حركة 7 ايار/مايو التي نفّذها حزب الله عام 2008. وتمّ خوض انتخابات 2019 معاً بين الحريري والأحزاب المسيحية وربحتها قوى 14 آذار وشكّلت أغلبية نيابية من دون أن تتمكّن من ممارسة الحكم بسبب وهج سلاح حزب الله، وجرى الانقلاب على الحريري وتطيير حكومته قبل دخوله للقاء الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.
إلا أنه كما في كل مرة يعقد الحريري التسويات مع فريق 8 آذار على حساب حلفائه الذين قال عنهم يوماً “لا يفرّقني عنهم إلا الموت”. وهكذا تمّت التسوية على انتخاب العماد عون رئيساً المدعوم من حزب الله بعدما كان راغباً في ترشيح رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية وتخلّى عن دعم جعجع. وذهب الحريري في التسوية مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بعيداً، الأمر الذي أغضب جعجع الذي امتنع بعد استقالة وزرائه من الحكومة عن تسمية الحريري مرة أولى ثم مرة ثانية، معتبراً أن لا قدرة للحريري على الحكم وعلى تحقيق البرنامج الإصلاحي في ظل المنظومة الحالية المحكومة وسلاح حزب الله وبعد الفشل المتمادي للطبقة السياسية. وكان جعجع وقبل ثورة تشرين الأول/أكتوبر أول من دعا في 2 أيلول/سبتمبر 2019 في اللقاء الحواري الاقتصادي في بعبدا بتأليف حكومة مستقلّة من اختصاصيين والذهاب إلى انتخابات نيابية مبكّرة.
غير أن عدم تسمية القوات للحريري أوجدت ندوباً في العلاقة بين معراب وبيت الوسط، وبعضهم يتحدّث عن غياب للثقة المتبادلة يدخل من ضمنها اختلاف وجهة نظر الفريقين إلى قانون الانتخاب الحالي. فهذا القانون يتفق كل من الحريري وبري وجنبلاط على تغييره لتكون دوائره الانتخابية أوسع ويضمن صحة التمثيل، فيما القوات والتيار العوني يتفقان على أن هذا القانون القائم على نظام الاقتراع النسبي في 15 دائرة انتخابية مع صوت تفضيلي يؤمّن صحة التمثيل المسيحي ويرفضان تغييره وتكبير الدوائر، معربين عن اعتقادهم بأن الدوائر الكبرى ستكون فيها الغلبة للأكثرية العددية وليس للتعددية، ومن يطالبون بها إنما يريدون تكبير كتلهم على حساب صحة التمثيل.
من هنا قد تُفهَم دعوة البطريرك الراعي إلى الرئيس الحريري لعدم وضع المسيحيين وراء ظهره، لأنهم كما قال “لا يساومون على لبنان وطنهم الوحيد والأوحد الذي ضحّوا كثيراً في سبيله وما زالوا يضحّون” فلمَن يعطي الحريري صوته التفضيلي؟