الرئيس المكلف سجّل أول سابقة بتقديم تشكيلة بعد 24 ساعة على انتهاء الاستشارات النيابية رغبة في عدم استنزاف الوقت، ورأى أنها أفضل الممكن في هذه المرحلة.
بيروت ـ «القدس العربي»: ما شهده مسار تأليف الحكومة الجديدة من تسريب متعمّد للتشكيلة الحكومية التي وضعها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي بخط يده، وما يشهده هذا المسار من ملاحظات يضعها رئيس الجمهورية ميشال عون على التشكيلة، يؤكد أن العهد لم يغيّر عادته، وأن همّه الأول قبل نهاية الولاية هو كيفية ضمان تمثيله وتمثيل التيار الوطني الحر بطريقة وازنة وعدم اعتماد معايير استنسابية في طريقة استبدال الوزراء والمداورة في الحقائب إضافة إلى إجراء تعيينات إدارية يكون للتيار من خلالها سيطرة على مفاصل الدولة في السنوات المقبلة وفي طليعتها إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتعيين بديل عنه.
ومنذ اليوم الأول لتقديم التشكيلة تأكدت المقاربة السلبية لها من قبل رئاسة الجمهورية، قبل أن يُفتتح البازار ويسجّل عون في لقائه الثاني مع ميقاتي ملاحظاته ومواصفاته الرئاسية لحكومة قد تدير الشغور الرئاسي، وقد اقترح عون على ميقاتي 3 خيارات لتسهيل تشكيل الحكومة أولها توسيع الحكومة إلى 30 وزيراً لتضم 6 وزراء سياسيين، وثانيها تعديل في حكومة تصريف الأعمال واستبدال بعض الأسماء ولكن ضمن معايير التوازن، وثالثها بقاء حكومة تصريف الأعمال ولكن مع تفعيلها.
وإذا كان الرئيس المكلف سجّل أول سابقة من نوعها بتقديم تشكيلة بعد 24 ساعة على انتهاء الاستشارات النيابية رغبة في عدم استنزاف الوقت، فهو رأى أن التشكيلة المقترحة من قبله حافظت على التوزيعة القائمة في حكومة تصريف الأعمال وتضمّنت اختصاصيين ووجوهاً نيابية وهي حكومة أفضل الممكن في هذه المرحلة. وخلافاً لنظرة التيار العوني فقد حافظ ميقاتي على وزارات أساسية بيد التيار والعهد أبرزها الخارجية والعدل والدفاع، والتغيير الرئيسي الذي حصل طال حقيبة الطاقة التي نقلها من الوزير الأورثوذكسي وليد فياض إلى الوزير السنّي وليد سنو.
غير أن حساب حقل ميقاتي البارع في مناوراته التكتيكية لم يطابق حساب بيدر عون، فبعد حرب المستشارين بدأ الكباش وانطلقت التسريبات التي تتهم الرئيس المكلف بأنه قدّم تشكيلته بقصد عدم الموافقة عليها وهي مؤشر أولي إلى أنه لا يريد حكومة قبل نهاية ولاية الرئيس عون. وكالعادة، باشر العهد وتياره التسويق بأن الرئيس عون لن يوقّع على حكومة كيفما كان ولن يقبل بحكومة في آخر عهده تنتقص من هيبته ولا تراعي المعايير وتستهدف تمثيل تياره. واستغرب هؤلاء طريقة تعامل الرئيس المكلف مع الوزراء العونيين في آخر تشكيلة واقتصار المداورة على حقيبة الطاقة في وقت بقيت المال بيد الطائفة الشيعية، وتم احترام نتائج الانتخابات النيابية فقط في ما يتعلق بالوزير عصام شرف الدين المحسوب على الأمير طلال ارسلان فيما «تيار المردة» الذي لم ينل سوى نائب واحد تمّ الإبقاء على وزيريه في الحكومة وهما زياد مكاري وجوني قرم.
ووصل الأمر بفريق العهد حد اعتبار الرئيس ميقاتي ضمن جبهة واحدة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بهدف منع هذا العهد من تحقيق أي إنجاز في الأشهر الأربعة الأخيرة من الولاية وخصوصاً على صعيد ترسيم الحدود البحرية وإقالة حاكم مصرف لبنان والتدقيق الجنائي. واللافت أيضاً أن الفريق العوني أدرج استبدال وزير الطاقة بآخر ضمن رغبة أمريكية للسير بخطوات الترسيم وتسهيل استجرار الغاز والطاقة من مصر والأردن.
في المقابل، لا يوافق الرئيس المكلف على روايات الفريق الرئاسي ويرى أن المهلة ضيّقة والوضع الاقتصادي السيء لا يحتمل التأخير في وضع التشكيلة الحكومية التي لديها مهمة محددة وهي استكمال ما بدأته حكومة تصريف الأعمال من مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بهدف الانتقال إلى خطة التعافي. ويعتبر الرئيس المكلف أنه غير مضطر للموافقة على أي شروط يضعها عون وتياره في نهاية العهد، ويتصرّف بارتياح لأن التكليف في جيبه ولأنه باق ويمارس صلاحياته كرئيس حكومة تصريف الأعمال فيما العهد إلى أفول، وبالتالي لا داعي للقبول بأي تنازلات كتلك التي كان يُجبَر عليها الرئيس سعد الحريري.
انطلاقاً من هذه المعطيات، لا يبدو أن العهد بصدد التنازل اليوم عما لم يتنازل عنه منذ 5 سنوات، ويبدو أن الرئيس ميقاتي ليس في وارد تأليف حكومة لا تتناسب مع معاييره لما بعد نهاية العهد وإلا لا بأس في بقاء حكومة تصريف الأعمال التي يمسك ميقاتي بورقة توسيع أعمالها وإحياء جلسات مجلس الوزراء بعد انتقال صلاحيات رئاسة الجمهورية إليها إذا شغر موقع رئيس الجمهورية. مع العلم أن البعض يعتبر أن حكومة تصريف الأعمال في حال الإبقاء عليها هي غير جديرة بتحمّل المسؤولية في حال حصول فراغ رئاسي نظراً إلى تركيبتها السياسية وطغيان فريق 8 آذار عليها ولاحتمال تعطيل عملها من قبل اعتكاف وزراء التيار عن ممارسة مهامهم بطلب من باسيل. من هنا أتت دعوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي القوى السياسية إلى المشاركة في الحكومة لتعزيز شرعيتها وتحقيق توازن وطني في داخلها وبالتالي عدم انتظار تأليف حكومة في عهد جديد على اعتبار أن هذه القوى التي امتنعت عن المشاركة في آخر حكومات هذا العهد لن تشارك في عهد آيل إلى الرحيل.
ولئن كان أبرز المعنيين بالدعوة إلى المشاركة في الحكومة العتيدة هو حزب القوات اللبنانية، فإن رئيس الحزب سمير جعجع يعتبر «أن رئيس الجمهورية ميشال عون يريد حكومة لتعزيز موقع جبران باسيل فيها من خلال التعيينات المطلوبة للسيطرة على الدولة ولا يريد حكومة انقاذ» ويرى جعجع أن بعدم تسمية «تكتل الجمهورية القوية» السفير نواف سلام لتأليف الحكومة منع باسيل من ابتزاز الرئيس ميقاتي ومن تشكيل «حكومة معتورة».