تشكيك نصرالله بالجيش وقيادته يعني أنه ليس في وارد وضع سلاحه تحت إمرة الجيش في حال قبوله البحث في الاستراتيجية الدفاعية وعدم طرحه الأمر كمسألة استيعابية وتقطيع للوقت.
بيروت ـ «القدس العربي»: لم تكد شرائح كبيرة من الشعب اللبناني تفرح بنتائج الانتخابات النيابية التي أتت بأكثرية جديدة لا يهيمن عليها حزب الله وبوجوه تغييرية، حتى شهد الوضع ارتفاعاً دراماتيكياً ومشبوهاً للدولار الأمريكي قياساً إلى الليرة اللبنانية بلغ مرتبة 37 ألف ليرة وهدّد بحصول انفجار اجتماعي، قبل أن يصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بياناً يعلن فيه أنه سيفتح الباب أمام بيع الدولار على سعر صيرفة أي بحدود 24 ألف ليرة اعتباراً من يوم الاثنين، ما جعل الدولار يتهاوى بسرعة ولو على حساب استنزاف الاحتياط الموجود في المصرف المركزي بهدف الحد من الارتطام السريع.
وتأتي هذه التطورات عشية جلسة انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب ونائب له وهيئة مكتب المجلس من دون أن تشكّل هذه الانتخابات فرصة كافية لاستعادة الثقة بالدولة أو لتغيير في النهج في خلال الأشهر الثلاثة المقبلة قبل تحوّل المجلس النيابي إلى هيئة ناخبة اعتباراً من شهر ايلول/سبتمبر مع بداية المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية.
وما بدّد الآمال بفرصة التغيير والانقاذ وانتظار موسم سياحي واعد في الصيف هي اطلالات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي ربط موضوع النقاش بسلاح الحزب ببقاء الدولة من خلال قوله «خللي يبقى دولة وبلد حتى تطالبنا بتسليم سلاحنا» مضيفاً «في البداية حلّوا قضية الدولار والليرة وأزمات البلد ليبقى جيش وتبقى دولة وبعدها تعالوا نناقش الاستراتيجية الدفاعية» وأكثر من ذلك ذهب نصرالله ليحذّر من «شيء خطير يُحضّر وقد يؤدي إلى انفجار في المنطقة».
وهكذا فإن نصرالله ركّز مرة جديدة على عدم قدرة الجيش والدولة على الصمود والمواجهة ليبرّر احتفاظه بسلاحه الذي يشكّل مادة انقسام بين القسم الأكبر من اللبنانيين وبين البيئة الحاضنة لهذا السلاح والمستفيدة منه والمستقوية به، وجاءت نتائج الانتخابات لتؤكد هذا الأمر ولعدم امتلاك الحزب الأكثرية من اللبنانيين التي تطمئن فقط إلى الجيش وتعتبره نواة الدولة الذي يحق له وحده أن يمتلك قرار الحرب والسلم وأن يبسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية ويتولى مسألة الدفاع عن الحدود سواء الجنوبية أو الشرقية أو الدفاع عن ثروات لبنان في البحر.
وكانت لافتة إشارة أمين عام حزب الله إلى انسجام بين المقاومة وقيادة الجيش في فترة التسعينات أي في فترة الوصاية السورية في مقابل اتهامه في اطلالتين سابقتين قيادة الجيش الحالية بإقامة علاقة مع السفارة الأمريكية في عوكر وتنسيقها مع ضباط أمريكيين. ويخفي هذا الكلام نية مبيّتة لدى الحزب تجاه الجيش الذي تصدّى لمتظاهري الثنائي الشيعي في الطيونة ومنعهم من استكمال غزوتهم في عين الرمانة. وإن تشكيك نصرالله بالجيش وبقيادته الحالية برئاسة العماد جوزف عون يعني أن أمين عام الحزب ليس في وارد وضع سلاحه تحت إمرة الجيش في حال قبوله البحث في الاستراتيجية الدفاعية وعدم طرحه الأمر كمسألة استيعابية وتقطيع للوقت.
وفي الأساس، ليس من عاقل يراهن على امكانية تسليم حزب الله سلاحه والتخلي عن مصدر قوته وهيمنته على القرار اللبناني وعلى الدولة، وهذا كان أحد الرهانات الفاشلة لقوى 14 آذار/مارس بعد انتفاضة الاستقلال عام 2005 قبل أن ينقلب حزب الله على مقررات الحوار عام 2006 وينفّذ اجتياحاً لبيروت ويقيم اعتصاماً في وسط بيروت لسنتين لفرض أجندته. أما الرسالة الأبرز التي أطلقها نصرالله فهي أن حزبه لم يكن منذ عام 1982 أقوى مما هو عليه اليوم، مع ما تحمل هذه الرسالة من معان مبطنة عشية البحث في تشكيل حكومة تريدها القوات اللبنانية والقوى التغييرية من دون مشاركة حزب الله، فيما يعتبر نصرالله أن مشاركة حزبه في الحكومة هو لحماية ظهر المقاومة.
وتنطلق القوات في رفضها المشاركة مع حزب الله في حكومة وحدة وطنية من اعتبار أن هذه الحكومات هي بمثابة «حكومة شوربة وطنية» وتشترط أن تحكم الأكثرية وتعارض الأقلية وإلا فليتحمّل الحزب ومعه العهد والتيار الوطني الحر مسؤولية الانهيار.
أما القوى التغييرية المناهضة لحزب الله فتعتبر أن الحزب غير قادر على منع الانهيار، وبالتالي فإن بيئته ستتأثر مثلها مثل باقي اللبنانيين ولن تتمكن بطاقة «سجاد» من تعويض تدهور الليرة اللبنانية والقدرة الشرائية. ويعتبر أحد الكوادر في هذه القوى أن على حزب الله الاختيار بين السيطرة على كل لبنان لبناء دولته أو الايمان بضرورة بناء دولة لبنان الرسالة، إذ لا يمكن أن ينجح منطق «دولتين في دولة».
وفي انتظار ما ستؤول إليه انتخابات رئيس المجلس ونائبه وهيئة المكتب وما سيرسو عليه شكل الحكومة المقبلة وإمكانية التوافق على التأليف، فإن حكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي مرشحة للاستمرار حتى نهاية العهد، وستكون الأشهر الخمسة المتبقية طويلة بحجم السنوات الخمس مع عدم استبعاد أن يكرّر الرئيس ميشال عون تجربة «التمرّد» والبقاء في قصر بعبدا استناداً إلى اجتهاد دستوري بعدم جواز تسليم صلاحياته إلى حكومة تصريف أعمال خصوصاً إذا كانت حظوظ صهره جبران باسيل في الوصول إلى الرئاسة غير متوافرة. وبدا أن الرئيس عون وصهره ماضيان في المحاولات لتصفية الحسابات قبل نهاية العهد ليس فقط مع الخصوم بل مع من كانوا وراء تعيينهم في مراكز قيادية حساسة كقائد الجيش العماد جوزف أو من اقترحوا التجديد لهم كحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إذ جرت محاولة رئاسية لإقالة كل من عون وسلامة في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء لكنها اصطدمت برفض الرئيس ميقاتي والتلويح بفرط الجلسة.