لبنان: نصرالله يبرّد الجبهة مع البطريرك بعد هبوب رياح ساخنة في وجه حزب الله

سعد الياس
حجم الخط
0

يحاول حزب الله نقل ملف التحقيق إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الممسوك سياسياً لغاية الالتفاف على القاضي البيطار وتغيير وجهة التحقيقات ومنع ملاحقة الوزراء النواب أمام المجلس العدلي.

بيروت-»القدس العربي»: ما أشبه اليوم بالأمس. فبعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005 وبدء الاستعدادات لإنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان، شكّك حزب الله بهذه المحكمة وعطّل انعقاد مجلس النواب لمنع النواب من الموافقة على قانون إنشاء هذه المحكمة التي وصفها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله بأنها «مسيّسة» وتهدف إلى ضرب المقاومة.
واليوم بعد أكثر من 15 سنة على الخلاف حول المحكمة الدولية وما سُمّي الشهود الزور، يعود السيناريو ذاته مع قضية انفجار مرفأ بيروت التي يوجّه فيها بعضهم أصابع اتهام إلى حزب الله بعلاقته بنيترات الأمونيوم في المرفأ والتغطية على وجودها طيلة هذه السنوات، والتي يعلي فيها السيد نصرالله الصوت مشككاً بالمحقق العدلي القاضي طارق البيطار وبأنه «مسيّس». والدور الذي لعبه حزب الله لتعطيل انعقاد المجلس النيابي قبل سنوات لمنع قيام المحكمة الدولية، يلعب دوراً مماثلاً له في هذه الأيام بهدف نقل ملف التحقيق من يد المحقق العدلي إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الممسوك سياسياً لغاية الالتفاف على القاضي البيطار وتغيير وجهة التحقيقات ومنع ملاحقة الوزراء النواب أمام المجلس العدلي.
لكن الكتل المعارضة لتوجّه حزب الله، وخصوصاً القوات اللبنانية واللقاء الديمقراطي ومن منطلقات أخرى التيار الوطني الحر، نجحوا هم هذه المرة في تعطيل انعقاد الجلسة النيابية ومنع تنفيذ مخطط الحزب. أما «تيار المستقبل» الذي حاول تمييز نفسه عن حزب الله بعد الحملة الإعلامية التي طالت النواب الموقّعين على «عريضة الاتهام» أمام المجلس الأعلى من خلال إطلاق عريضة نيابية لتعليق المواد الدستورية المتعلقة برفع الحصانات عن الجميع من رئيس الجمهورية إلى الوزراء والنواب والقادة الأمنيين، فوجد نفسه محرجاً أمام أهالي ضحايا المرفأ من جهة وأمام جمهوره الذي لا يرضى أن يشارك في جلسة نيابية تنفّذ ما يرغب فيه حزب الله، ولذلك أقتصر الحضور من قبله على 4 نواب فقط ما أزعج الرئيس نبيه بري.
والشبه القائم بين الأمس واليوم لا يقتصر على موضوع التحقيق في اغتيال الحريري وتفجير مرفأ بيروت، بل يتعدّاه إلى موقف بكركي من مشروع حزب الله. فالبطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير كان تخوّف وهو في سًدّة البطريركية من تنفيذ الحزب انقلاباً في لبنان، وتحدث مراراً عن أن «لبنان ساحة متروكة» وعن «تمييز في تعاطي السلطة بين الموالاة والمعارضة» فتقرّب أولئك وتتغاضى عما ارتكبوه فتعفو عمن ترضى عنه، وتقسو على من تغضب عليه. وكما البطريرك صفير كذلك البطريرك الراعي الذي أطلّ مراراً وحذّر من الاستقواء بالسلاح ومن إجبارنا على الذهاب إلى حروب. وآخر اطلالة للبطريرك الراعي كانت الأحد الفائت عندما طالب «الجيش اللبناني بالتنسيق مع القوات الدولية بمنع إطلاق الصواريخ من الجنوب ليس حرصاً على إسرائيل بل حرصاً على سلامة لبنان».
وإذا كانت الحملة القاسية التي استهدفت البطريرك الماروني من قبل جمهور حزب الله ارتدّت على الحزب سلباً، وأظهرت تضامن مكوّنات لبنانية مع سيّد بكركي وفي طليعتها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري وحتى رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره، فإن الأمين العام لحزب الله الذي حملت إطلالته الأخيرة تحذيرات وتهديدات مبطّنة بعد حادثة اعتراض راجمة الصواريخ في شويّا، تنصّل من الجملة التي استهدفت البطريرك، وقال في مجلس عاشوراء «إن الاختلاف في الرأي مع الآخر لا يعني الذهاب نحو التهجّم عليه، فالانتقاد شيء والهجوم شيء آخر». وأعلن نصرالله رفضه «لغة الشتائم» داعياً جمهور المقاومة إلى عدم الانخراط في الرد على الشتيمة بمثلها وعدم الاشتراك في أي إساءات للأشخاص من مقامات وغير مقامات.
ولعلّ استدراك نصرالله وتوضيحه المسألة ناتج من خشيته من أن تؤدي الحملة على البطريرك إلى اشتباك طائفي تحرج حزب الله من جهة وتحرج حليفه رئيس الجمهورية والتيار العوني من جهة ثانية، كما تؤدي إلى تظهير حجم التعاطف مع موقع البطريركية المارونية وهو ما دلّت عليه المواقف السياسية التي صدرت عن أحزاب وشخصيات من غير الطائفة المسيحية وفي طليعتها جنبلاط والحريري، حيث كان موقفهما معبّراً بوضوح عن رفض توجيه الاتهامات بالعمالة وعن رفض استخدام الجنوب منصّة متقدمة للاشتباك الإيراني الإسرائيلي.
أكثر من ذلك، فإن ما آلت إليه الأوضاع الحياتية المزرية من انقطاع للكهرباء وتقنين للمولّدات الخاصة وغلاء السلع الغذائية وارتفاع سعر الدولار جعلت حتى أبناء الجنوب الذين يُفترض بهم أن يكونوا البيئة الحاضنة للمقاومة يرفعون الصوت احتجاجاً على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، وبلغ الأمر بإحدى الإعلاميات في منطقة النبطية إلى الردّ على أحد المشايخ الشيعة الذي قال «منطقنا يقول: لنتطفئ كل بيوتنا وتضيء مجالس عاشوراء لأنها النور الحقيقي لحياتنا».
إذاً، يُلاحَظ أن الاعتراض على حالة حزب الله ليس محصوراً بالبيئة المسيحية ولو كان البطريرك والأحزاب المسيحية هم الذين يشكّلون رأس حربة أكثر من غيرهم ضد الحزب وسلاحه، من هنا تُفهَم محاولة أمين عام حزب الله احتواء ما حصل أخيراً في شويا وخلدة وتبريد الجبهة مع بكركي بغية تقطيع هذه المرحلة وسدّ الباب مؤقتاً أمام هبوب رياح سياسية ساخنة لن تكون في مصلحة الحزب راهناً ولا تخدم مشروعه الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية