تبدو الحكومة في سباق مع الوقت لوقف الانهيار وترك إنطباع إيجابي لدى الناس من خلال الوتيرة السريعة لإنجاز البيان الوزاري وإنهاء عملية التسليم والتسلم في الوزارات.
بيروت-»القدس العربي»: تنطلق حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تحمل شعار «معاً للإنقاذ» إلى العمل ومواجهة التحديات بعد نيلها الثقة المضمونة من مجلس النواب يوم غد الاثنين. وتبدو هذه الحكومة في سباق مع الوقت لوقف الانهيار وترك إنطباع إيجابي لدى الناس من خلال الوتيرة السريعة لإنجاز البيان الوزاري وإنهاء عملية التسليم والتسلم في الوزارات، لإظهار جديتها في تحمّل المسؤولية وتعويض مرحلة الفراغ التي نتجت عن أطول فترة حكومية في تصريف الأعمال لحكومة حسات دياب.
ويسعى الرئيس ميقاتي للحفاظ على وتيرة العمل السريع وتوفير المناخات الملائمة لتحقيق إنتاجية حكومته، ومن هنا جاءت دعوته للوزراء للتركيز على العمل والإقلال من التصريحات والاطلالات الإعلامية التي قد تتسبّب في كثير من الأحيان بردود فعل سياسية أو باستهزاء من الناشطين كما حصل مع العديد من الوزراء على خلفية تحوّلهم إلى حكواتيين للقصص والروايات. وفي اعتقاد الرئيس ميقاتي أن لا فائدة من السجالات والدخول في أي مواجهات سياسية تنعكس سلباً على عمل الحكومة والتضامن الوزاري في ظل وجود فرصة للخروج من الأزمة المالية التي يمكن أن تنعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والحياتية. وقد جاء تصريح رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل من رئيس مجلس النواب نبيه بري في توقيت غير ملائم ليعيد نبش الخلافات السياسية التي لا طائل منها، عندما أعاد التركيز على مقولة «ما خلّونا» من خلال اتهامه بري بعرقلة حكم رئيس الجمهورية ميشال عون، ورد أوساط كتلة التنمية والتحرير بوصف باسيل بأنه «فاسق يتنبأ».
وهكذا، يرغب رئيس الحكومة في البدء بورشة عمل يتضافر فيها الجميع بدل أن يتم وضع العصي في الدواليب، مستفيداً من المواقف الدولية ومن المبادرة الفرنسية التي تبدي الاستعداد لتقديم كل مساعدة ممكنة في حال تطبيق الاصلاحات. ويسابق ميقاتي الوقت قبل حلول موعد الانتخابات النيابية حيث ستبدأ الحملات وشد العصب الانتخابي وما يتركه من تشنجات سياسية وطائفية. وعلى أجندة ميقاتي القيام بجولة عربية يبدأها من المملكة العربية السعودية. وإذا تمت هذه الزيارة إلى الرياض فهي تؤشر إلى احتمال فتح ثغرة في العلاقة اللبنانية السعودية في ظل إنزعاج سعودي من سقوط لبنان في الحضن الإيراني والصمت الرسمي بدءاً من رئاسة الجمهورية عن كيفية تجاهل حزب الله للدولة اللبنانية وسيادتها بدءاً من حمل السلاح داخل الأراضي اللبنانية مروراً بالقتال خارج الحدود وصولاً إلى إستقدام صهاريج النفط الإيراني علناً من خلال معابر غير شرعية من دون العبور على أي نقاط جمركية ومن دون أخذ أي إذن من السلطات الرسمية، ضارباً بعرض الحائط هيبة الدولة ومؤسساتها ليقول «أنا الدولة والدولة أنا».
وهذه الخطوة من قبل حزب الله ومن خلفه إيران، تعتبر التحدّي الأكبر لحكومة ميقاتي قبل نيلها الثقة بناء على بيان وزاري ملتبس حمل الكثير من الأفخاخ التي يمكن أن تنفجر في مرحلة لاحقة ومن بينها كيفية التعاطي مع خطة التعافي المالي والاقتصادي التي وضعتها حكومة حسان دياب التي يؤيدها الرئيس عون ويتحفّظ عليها الرئيس ميقاتي، وموضوع التفاوض مع صندوق النقد الدولي وإصلاح القطاع المصرفي أو إعادة هيكلته ومسألة إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والتدقيق الجنائي وموضوع إنشاء معامل الكهرباء ووضع معمل سلعاتا وتطورات ملف تفجير مرفأ بيروت في ضوء صدور مذكرات توقيف وإحضار بحق وزراء ورئيس حكومة سابق وما يرمز إليه موقع رئاسة الحكومة وشيطنة الطبقة السياسية من إستنفار سياسي وطائفي.
انطلاقاً من هذه النقاط الخلافية، يبرز التحدّي أمام رئيس حكومة «معاً للانقاذ» الذي يجيد تدوير الزوايا وتخطي الألغام ويريد الإفادة من الظروف الدولية والإقليمية المؤاتية لتحقيق ما يصبو إليه في البيان الوزاري من وقف للانهيار وتصحيح لعلاقات لبنان العربية، معوّلاً على انفتاحه على كل الأطراف وعلى علاقته الجيدة خارجياً لاستقطاب الدعم ونقل الوضع الحالي المتأزم من مكان إلى آخر، بعيداً عن أسلوب الكيد والنكايات الذي عطّل الدولة ومشاريعها في أكثر من محطة.
فهل سيسود التجانس بين أعضاء الحكومة لتحقيق الإنتاجية المرجوة في ظل وجود ثلاثة أثلاث داخل الحكومة؟ وهل يستطيع ميقاتي أن يوفّر البيئة الحاضنة لوقف الانهيار والصعود من الهاوية وسط ظروف سياسية ملائمة بدل سياسة تصفية الحسابات؟
يدرك الرئيس ميقاتي أن الألم عميق والأمل كبير والحِمل ثقيل، وهو من أجل نجاح برنامج الحكومة يدعو إلى تضافر جهود كل القوى لضمان صفاء الجو السياسي وسيادة الإيجابية والأمل بما يحفّز الاستثمارات الجديدة وتوفير إمكانيات النهوض الاقتصادي والتعافي كي يعود لبنان بلداً تحلو الحياة فيه. وعندما يعتلي ميقاتي منبر المجلس النيابي ليتلو البيان الوزاري لحكومته أمام مجلس النواب، سيشدّد على «أن الظرف يحتّم مقاربات استثنائية للمعالجة المطلوبة، فلبنان في خضم أزمة اقتصادية واجتماعية ومالية ومعيشية خانقة بلغ الوطن فيها مشارف الانهيار الكامل، ولم يشهد لها مثيلاً في تاريخه الحديث. وإزاء الأزمة الحادة التي يعيشها لبنان وما رافقها من انهيار العملة الوطنية وارتفاع كبير في أسعار السلع، يجد غالبية اللبنانيين أنفسهم في حال غربة عن المواقف والسجالات السياسية ولا يعنيهم سوى معالجة مشكلاتهم الطارئة وتأمين قوتهم اليومي».