لغة المحبين: أصداء في شعر السياب

عبد‭ ‬الواحد‭ ‬لؤلؤة
حجم الخط
3

في بعض الكتابات النقدية المعاصرة اهتمام خاص بنواحي تأثر السياب ببعض الشعر العالمي، وخصوصاً أعمال شكسبير وإليوت، وبعض الشعر الفرنسي، في الصور والاستعارات، التي طورها جميعا لتناسب الثقافة العربية، والصور العراقية، والبصرية على الخصوص.

أتناول هنا أمثلة من لغة المحبين، وبعض أمثلة من لغة العاشقين، في اثنتين من قصائد السياب الكبرى: “أنشودة المطر” و”الأسلحة والأطفال” ففي الأولى أصداء من لغة العاشقين، كما في لغة “روميو وجولييت” في مسرحية شكسبير بهذا الاسم، وبخاصة في مشهد الوداع عند شرفة دار العاشقة، في ليلة ظلامها يغشي حديقة قصر آل كابيوليت فحديث جولييت يظهرها أشد عشقاً واندفاعاً يناسب عمرها الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة. ولا يقصّر عن شدة عشق روميو الذي لا يزيد عمره كثيراً عن عمر جولييت. والكلام بين الإثنين غزلٌ متبادل، يغطي عليه اضطرار روميو إلى الهرب تحت جنح الظلام، قبل أن يكتشف آل كابيوليت أنه من آل مونتكيو وبين الاثنتين عداوة لجوجة قد تؤدي إلى مقتل العاشق، لو أمسكوا به. وتتطور المسرحية لنرى أن العاشقين على الرغم منهما، قد تسببا في موتهما معاً، ولم يؤد موت العاشقين الفاجع على اصطلاح الأمور بين الأسرتين الكبيرتين، كما لم يفِد الندم، ولاتَ حين مندَم!

التقط السياب من هذه المسرحية لغة العاشقين، وخوف روميو كما التقط صور الليل والحديقة، والفرق بين صوت القُبرة التي تؤذن بطلوع الصباح، وصوت البلبل الذي يغرد في الليل، ويغري العاشق أن يطيل البقاء تحت شرفةِ قصر العاشقة ـ المعشوقة. لكن السياب طور لغة الغزل المتبادل فجعله في قصيدته غزلاً من جانب العاشق الخائف أن تكتشفه السلطة، فهو يهمّ بالهروب. وهذا ليس بعيدا عن أجواء قصيدته “فرار عام 1953” (الديوان 1971، ص 201) فرار من السلطة التي تلاحقه بتهمة سياسية.

لم ينقل السياب من مشهد الشرفة الغزل المتبادل، لأن “أنشودة المطر” معنية بهم أكبر من الهم الشخصي بين عاشقين. فهي قصيدة سياسية ـ اجتماعية، ترى في “كل قطرة تراق من دم العبيد، فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد… في عالم الغد الفتي واهب الحياة”.

من غزل العاشق في مسرحية شكسبير من تحت الشرفة العالية، يخاطب السياب المعشوقة، وهي زوجته في هذه الحال، بغزل بصيغة المثنى، الذي تقصر عنه أية لغة أوروبية حديثة: كيف ننقل إلى أية لغة أوروبية: “وعينان قال الله كونا فكانتا/فعولان بالألباب ما تفعل الخمر” العاشق هنا يخاطب المعشوقة بلغة غزل بصراوية: “عيناكِ غابتا نخيل ساعة السحَر”. فهما غابتا نخيل خضراوين. والافتتان بالعيون الخضر كان هوى الشعراء والشباب في خمسينات القرن الماضي، وأحسب أن سببه شيوع أغنية إيطالية أو إسبانية، قد تكون من شعر ماشادو أو لوركا فلم أعُد أذكر، لكن الغزل بالعيون الخُضر كان سمةَ الخمسينات، مثلما كانت أغنية أسمهان “يا لعينيكِ ويا  لي/من تسابيح خيالي” وهي الأغنية التي كانت “تنثال من مقهى” كما يذكر السياب، ولعله مقهى “إبراهيم عرب” في عشار البصرة!

وشرفة قصر جولييت جعلها السياب “شُرفتان” للحفاظ على صيغة المثنى: عيناكِ. و”غاب عنهما القمر” هو ليل حديقة قصر جولييت و”عيناكِ حين تبسمان تورق الكروم” خضرة العينين ما تزال. “وترقص الأضواء كالأقمار في نهر” هذا التماع العينين الخضراوين، لكنه في صورة المياه البصراوية، حيث المجذاف يرجّ الماء الذي ينزلق عليه “البلاّم” الذي يخرج مبكراً ليصطاد رزقَه من السمك وأية صورة أكثر بصراوية من هذه؟

هكذا أفاد السياب من موقف العاشق الذي يحاذر الهروب، فطوره من موقف شخصي العاشق، إلى موقف أوسع من الهم الشخصي لشاعر يودع الحبيبة هرباً. من السلطة في العراق، طلباً للنجاة عبر أمواج الخليج، التي يرى فيها البروق “تمسح سواحل العراق بالنجوم والمحار/كأنها تهم بالشروق/فيسحبُ الليل عليها من دمٍ دثار”. لكنه ينتهي إلى الحلم “بعالم الغدِ الفتي واهب الحياة”. هكذا تنتهي قصيدة إليوت الكبرى “الأرض اليباب” بهطول المطر، وترديد “سلام، سلام، سلام”. وتنتهي “أنشودة المطر” بعبارة “ويهطل المطر”.

وفي قصيدة “الأسلحة والأطفال” (الديوان 1971، ص 563 ـ 591) تنتشر ظلال من الشعر الإنكليزي على امتداد القصيدة الطويلة بأقسامها الثمانية. هنا تضمينات واقتباسات وإشارات إلى شكسبير (مسرحية ماكبث) ومن (مسرحية روميو وجولييت) ومن شعر إيدث ستويل. وكل ذلك في إطار إنساني شامل، بلغة المحبين: محبة الأم لوليدها، محبة السندباد لبلده الذي قرر العودة اليه بعد طول امتياح البحور، محبة الأب العائد إلى داره مساء بعد نهار كفاح في سبيل العيش، محبة الأطفال عموماً: “عصافير؟ أم صبيةٌ تمرح؟” لكن هذا الحب الإنساني يتهدده جشع تجار الحرب لقتل “أطفال كورية البائسين، وعمال مرسيليا الجائعين، وأبناء بغداد والآخرين” فالشاعر يريد “سلاماً على العالم الأرحب”.

ضروب الحب البشري هنا مرحلة من مراحل العشق، قد لا يصل إلى عشق روميو وجولييت، لكنه حب هو الجذر من العشق. والصور هنا محلية، عراقية جداً. فهذه العصافيرـ الصبية التي تمرح، “أقدامها العارية، محار يصلصل في ساقية” من سواقي نهر بويب في جيكور، قرية الشاعر. وأصواتهم إذ يمرحون هي “هسهسةُ الخبز في يوم عيد” “وكم من أب آيب في المساء، إلى الدار من سعيه الباكر” هي صورة الأب الفلاّح العائد مساءً إلى داره، صورة من قصيدة توماس كراي بعنوان “مرثية في مقبرة ريفية” حيث يستقبله أطفاله. لكن صور الأطفال هنا صور عراقية، لأطفال “همُ في الصباح/خطى خافقات على السُلّمِ/وأيدٍ على أوجه النوم/يدغدغها في مزاح!”. وخفق العصافير في هذه القرية الجنوبية، “فيها صدى قبلة الأم تلقى بنيها” وتريد البقاء معهم في ليل القرية، فإن الصباح ما زال بعيداً، لأن ذلك الصوت ليس صوت القُبّرة، تُعلن الصباح، بل هو البلبل. استحضار رغبة روميو بالبقاء مع جولييت. هذا الوضع الودود الهادئ الآمن يقلبه نداء تاجر الحروب الذي يدور بين البيوت، يشتري الحديد العتيق ليجعل منه رصاصاً لقتل براءة الأطفال. فلم تعد العصافير صبية تمرح، لأن “أعمارها في يد الطاغية” تاجر الحديد لصنع رصاص لموت جديد. إزاء مسعى تاجر الحديد لصنع رصاص لموت العصافير التي تمرح “من يملأ الدار عند الغروب” و “من يُفهم الأرض أن الصغار/يضيقون بالحفرة الباردة” تسأل إيدث ستويل ويسأل معها الشاعر السياب: في غياب الأطفال “من سيتبع الغيمة الشاردة؟ ويلهو بلقط المحار؟ من سوف “يؤنس الأم في كل دار؟” تجار الحروب طغاة “يريدون ألا تُيتم الحياة مداها”. وهم “لا يُبصرون/على الشاطئ الآسيوي البعيد/سوى أن سوقاً يُباع الحديد/وتُستهلك الريح والنار فيها: تذرّ العطايا على فاتحيها” تجار الحروب هؤلاء أشبه بغيمةٍ داجية” سعى مكبثٌ تحتها في احتراس/لقتل النُعاس…/لقتل النعاس البريء”. بشاعة ما يريد تجار الحروب فعله، بقتل براءة الأطفال دونه بشاعة ما فعله مكبث في مسرحية شكسبير بهذا الاسم، إذ سعى تحت جنح ظلام الليل إلى قتل الملك دَنكن ضيفه في تلك الليلة، والملك إنسان بريء، لكن قتله غيلة بتحريض من ليدي مكبث هو صورة الجشع في السعي نحو السلطة، مثل جشع تجار الحروب نحو كسب الأموال من صناعة السلاح ولو عن طريق قتل النعاس البريء لأطفال على امتداد العالم، لكي لا تبقى العصافير صبيةً تمرحُ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية