مشهد من «للحُب قصة أخيرة»
مُعظم أفلام المخرج والسيناريست رأفت الميهي أثارت أزمات، والقليل منها حظي بإعجاب الجمهور والنُقاد معاً، ولم تكن هذه المُعادلة الكيميائية المُتصلة بذوق العامة مُعتنى بها كثيراً من جانب المخرج الراحل، فقد كان مُغرماً بالفانتازيا كأسلوب خاص في التعبير السينمائي، وليس مهماً بالنسبة له أن تتفق كل الشرائح والفئات على إبداعه فقد كان يرى أن الاختلاف في وجهات النظر أمراً طبيعياً ومسألة دافعة للمُبدع الذي يقف على الجانب الآخر من الذوق الشعبي والرأي العام السائد.
في فيلمه «للحُب قصة أخيرة» الذي أنتج عام 1986 زادت حدة الخلاف بينه وبين المُعارضين لأسلوبه في طرح الأفكار والمُغالاة في إعمال العقل لاستنباط المعنى الضمني لما يُريد التعبير عنه فنياً وإبداعياً، ولأول مرة لم يأت الاعتراض من جانب الجمهور أو بعض النُقاد، وإنما تزعمت رقابة المُصنفات الفنية إبان عرض الفيلم تجارياً لأول مرة حركة الإصلاح مُتهمة الكاتب والمخرج بالتساهل في تصوير وعرض مشهد بعينه جمع بين النجمة الراحلة معالي زايد ويحيى الفخراني رأت الرقابة في حينه أنه خادش للحياء، ولم تسمح بعرض الفيلم جماهيرياً في دور السينما إلا بعد حذف المشهد المُثير، وكان ذلك مُستغرباً واستثنائياً في أفلام رأفت الميهي التي طالما اهتمت بالإثارة الذهنية أكثر من اهتمامها بإثارة الغرائز. لكن نزولاً على أحكام الرقابة وأوامرها، تم حذف المشهد محل الخلاف وعُرض الفيلم، ويا لها من مُفارقة لقد أقبل الجمهور الذي ظل بعيداً عن أفلام الميهي لفترة طويلة لغرابتها وصعوبة فهمها على الفيلم الجديد إقبالاً غير متوقع، وقيل آنذاك في تفسير ما حدث إن الإقبال جاء بفعل الضجة التي أثيرت حول المشهد الساخن بين معالي زايد ويحيى الفخراني، رغم حذفه، حيث أثارت الرقابة بقرارها المُشدد فضول الجمهور فتولدت لديه رغبة قوية في المُشاهدة.

رأفت الميهي
وسواء كان هذا السبب هو الدافع الحقيقي لرواج الفيلم، أو لم يكن فإن النتائج صبت في صالح رأفت الميهي، حيث تم كسر الحاجز بينه وبين عامة الجمهور، فأعيدت الثقة بينهم على خلفية ما رأوه من أحداث واقعية تحمل الكثير من التفاصيل الإنسانية، إذ حدث التفاعل السريع في استقبال الرسالة الضمنية للفيلم بوعي مُغاير وانطباع آخر عن الذي تم تكوينه، وترسخ لدى الأغلبية من المُتلقين على مدى سنوات.
الفيلم يروي حكاية فئة من المواطنين البسطاء يسكنون في جزيرة الوراق إحدى الضواحي القريبة من العاصمة القاهرة، هؤلاء يعانون من العزلة ويحصلون على احتياجاتهم الضرورية بصعوبة، ويمتهنون مهنا غريبة عن أهل البندر من بينها، مهنة صناعة الطوب والقمائن التي يرتزقون من بيعها والمُتاجرة بها. وبينما هم في الأصل معزولون وشبه منفيين نجدهم مأزومين أيضاً بفعل أشياء وحوادث أخرى، كغياب أحد أبناء الجزيرة واختفائه منذ فترة، دون الإحاطة بأسباب اختفائه أو معرفة أي أخبار عنه، كذلك أزمة المُدرس يحيى الفخراني الذي تزوج من معالي زايد على غير رغبة والدته تحية كاريوكا، وعدم قُدرته على الإنجاب لإصابته بعلة في القلب تُهدد حياته وتبعث القلق في نفس زوجته. كما أن هناك الطبيب عبد العزيز مخيون الذي يُقيم في الجزيرة مع أمه المريضة المُسنة ويترك زوجته وأبناءه يعيشون في مكان آخر لعدم وجود تكيف وانسجام بين زوجته وأمه، وهكذا جميع أهل الجزيرة كل يُعاني من مشكلة مُختلفة، كعبلة كامل الشخصية المثالية التي تعمل بإخلاص في بيت يحيى الفخراني ومعالي زايد مقابل أجر، بينما هي مُتزوجة من رجل انتهازي لص (أحمد راتب) يبحث في بيت جارته القبطية الطيبة عن تحويشة العُمر ليستولي عليها.
بهذه المُعطيات ووفق الإشكاليات الكثيرة التي يصعب حلها بالمنطق يتحول أهل الجزيرة إلى الخرافة ليحتموا بها من قسوة الحياة، آملين في أن يجد لهم الشيخ التلاوي المبروك حلاً لكل مشاكلهم المُستعصية، حيث عجزت حيلهم الطبيعية عن مواجهة ما يُعانون منه في ظل احتكام الأزمات وتفاقمها. وتتسارع وتيرة التصعيد الدرامي لإحداث التأثير التراجيدي المطلوب، فالمُدرس المُثقف الذي لم يكن يؤمن بالكرامات المزعومة لأصحاب المقامات، يذهب صاغراً ليجرب حظه هو الآخر مدفوعاً بنصائح زوجته التي تُريد له الشفاء من مرضه العُضال، والطبيب الذي يواجه الخرافة بالعلم يفشل في إقناع الناس بأن ما يعتقدون فيه محض خرافه وشعوذة، وتظل الحكايات مُتداولة في المكان النائي البعيد عن كرامات الشيخ الذي يُشفي من الأسقام ويُعيد الغائب ويرزق البنين والبنات للمحرومين من الإنجاب. وتأتي لحظة المواجهة الكبرى، إذ تُداهم قوات الأمن الجزيرة العائش أهلها على هامش الحياة، فتهدم المقام وتحيله إلى كومة من تُراب فينتظر المُريدون انتقام الشيخ فلا شيء يحدث ولا يُحرك المبروك ساكناً، إلا أن الاستفاقة من الوهم تأتي من نبأ موت المُدرس يحيى الفخراني، ذلك الرجل الذي لم يكترث يوماً لشيء ولم يُقم لمرضه وزناً، يموت فجأة فيُخيم الحزن على الجزيرة ويتغير لون الحياة فيها وتنزل تترات النهاية ويستقر المعنى الحقيقي بأن الحياة اختيار، لا وجود فيها لقوة غيبية إلا القوة الإلهية، أما التغيير فيحدث بيد البشر أنفسهم، فلا يُغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
كاتب مصري