لماذا دعوه، وقطعوا عليه خلوته في مطبخه العامر، ولماذا اعتذروا له؟!
فللمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي صورة في المطبخ، وهو يعد وجبة مكتملة العناصر الغذائية، ليس معلوماً تماماً ما إذا كانت «سلاطة خضراء»، أم «أومليت» لوجود البيض بجواره، ولأننا لا نعرف تاريخ هذه الصورة، فنرجح أنها كانت للدعاية الانتخابية، عندما خاض الانتخابات قبل الثورة، وليس بعد الانقلاب، فالانتخابات الأخيرة لم يأخذها بجدية، وكان معلوماً أنها لاستكمال الشكل، ليقال إن الجنرال وصل للحكم عبر الصندوق، وليس منقلباً كما يقول أعداء النجاح!
ومهما كان تاريخ الصورة، فعندما قرأت أنه سيحل ضيفاً على برنامج «مع قصواء»، على قناة «سي بي سي»، لا أعرف لماذا رسم له خيالي سيناريو كاملاً؛ فقد دق جرس الهاتف، فمسح يديه في «فوطة المطبخ»، وذهب إلى حيث «العدة»، ولا أعرف لماذا تخيلته الهاتف الأرضي، مع أني لا أعتقد أن أحداً الآن يستخدم الهواتف الأرضية، ربما لإعطاء براح للسيناريو، فمشهد المسح في الفوطة والقيام من موقعه الأثير، سيعطي الأمر زخمه الدرامي.
ولا أعرف لماذا أربط دائماً بين هذه الصورة الدعائية، وبين الحال الدائم للمرشح الرئاسي السابق، فلا أتخيله سوى في المطبخ، خرج منه لحضور لقاء رأس السلطة، وخرج منه لمقابلة تلفزيونية مع ضياء رشوان، رئيس الحوار الوطني، والمذيع التلفزيوني، ورئيس الهيئة المصرية العامة للاستعلامات.. الخ الخ. ربما لأنني حاقد حقيقي على كل الرجال الذين بينهم وبين الطهي (عمار)، وقد هرمنا في غربتنا الأولى، وغربتنا الثانية، من أجل أن أكون مثله وفشلت، وقد ظللت شهوراً عدة أتعلم صناعة القهوة، فأنجح مرة وأفشل مرات، لكني على أي حال أطفحها، وإن فارت التزاما بقاعدة (وجع بطني ولا كب الطبيخ)، ووددت لو علمت الأمهات أن دخول المطبخ للأبناء الذكور قبل الإناث هو فرض عين، لا تكتمل التربية السليمة إلا به، لتكون خيبتنا درساً بليغاً لهن!
مذيعة المرحلة قصواء
أتخيل أن من اتصلت هاتفياً بالسياسي المعروف حمدين صباحي، مذيعة المرحلة «قصواء» شخصياً، والتي حلت محل منى الشاذلي، فلكل عهد مذيعته، دعك من «لميس الحديدي»، فهي عابرة للأنظمة. والاتصال باعتبار أن المذيعة أو المذيع الموظف الأعلى في أي برنامج في بلادنا، على العكس من المعمول به عالمياً، فإن لم تكن فيصل القاسم أو أحمد منصور، فقد لا تستشار في الضيف، ولو من باب أن الشورى معلمة، فهناك منتج المقابلات، وحتى فيصل القاسم أو أحمد منصور قد لا يتصلان بضيوفهم، ولهذا أشفق على الذين كلما خرجوا من برنامج كتبوا شكراً للمذيعة القديرة، التي استضافتهم، وأسئلتها الذكية التي طرحتها، وحضورها الدافئ، الذي تبدى كنجم في كبد السماء في ليلة مظلمة!
ولأنه حمدين، ولأنها سيدة الإعلام الأولى، فلا يمكن لي تصور أن من اتصل بالزعيم هو «المعد»، كما نقول في مصر، أو «المنتج»، كما يقال في غيرها، وعندما اعتذر عبد الفتاح السيسي للإطالة ذات اتصال هاتفي بأحد البرامج، وقال إنه يعتذر للمذيع وطاقم البرنامج لأنه «سهرهم»، وحدد «المنتج»، عندئذ شعر منتج في قناة معادية أنه تحت الميكروسكوب لأنه اعتقد أن التركيز كله على المذيع، ولئن يعرف الجنرال المصطلح؛ «المنتج»، وليس «المعد»، فكان طبيعياً، والحال كذلك، أن يهتف صاحبنا: «يا مراري»!
وإذ تم الاتفاق على الموعد المحدد، فقد أعلنت قصواء أنها تشرف بحلول السياسي الكبير حمدين صباحي ضيفاً على برنامجها مساء الأحد، وكذلك كتب السياسي الكبير حمدين صباحي. وليس مطلوباً طرح وما مناسبة هذه المقابلة، لأنه بعد عام من الدعوة للحوار الوطني، وولادته القيصرية المتعسرة، بدأت جلساته في الانعقاد، ومن الواضح أنهم سيناقشون قضايا كثيرة، لدرجة تطرقهم لنقاش لون بشرة خالدة الذكر المرحومة «كيلوباترا»، بعد فيلم عنها قال إنها سوداء، مما شغل القوم في القاهرة، وهم يصرون على أنها بيضاء وملفوفة القوام، والأمر يشغلهم ضمن انشغالهم بضرورة تحديد هوية مصر، بما يخالف عقيدة الإخوان المسلمين، فألا وأنهم يرون أن مصر إسلامية، فهم مع أنها فرعونية، في انتظار اعتماد الهيروغليفية لغة رسمية للبلاد، وفي مرحلة معينة، قد يدار الحوار الوطني بها!
رحم الله موتاكم
ولأن الحوار الوطني أُوكل كمهمة للجناح الناصري، في مكون 30 يونيو/حزيران (رحم الله موتاكم)، ولأن حمدين هو زعيم هذا الجناح، فكان الحوار الوطني هو فرصة لإعادة ظهوره، فلم يعد كما وصفه صديقه التاريخي زميلنا عبد الحليم قنديل، بالزعيم الموسمي، وذلك عندما قرر قنديل أن ينحاز للسيسي مرشحاً رئاسياً، ويتجاوز العلاقة التاريخية، والانتماء الأيديولوجي، وليس وحده من فعل من جماعة حمدين، فقد فعل ذلك كثيرون، من بينهم المخرج خالد يوسف، وهو ساعد حمدين الأيمن في الانتخابات الرئاسية بعد الثورة، وقال الفريق أحمد شفيق إن حمدين أرسله له بعد جولة الإعادة مع محمد مرسي، ليتحالف معه مقابل منصب نائب رئيس الجمهورية، وهو التصريح الذي أحدث ضجة كبرى، ومن باريس قال خالد يوسف إنه سيرد على الفريق بعد عودته للقاهرة، وتقريباً لم يعد حتى الآن!
وحتى لا يضيع القصد بسبب السرد، فقد عاد حمدين للأضواء بالدعوة للحوار الوطني، ومن هنا فليس مستغرباً أن يُستضاف في برنامج تلفزيوني، لكن المستغرب هو هذا الاعتذار، الذي قدمته لحمدين صباحي «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، المالكة لكل القنوات التلفزيونية الخاصة، عدا «صدى البلد»، و»تن»، بعدم استضافتها له، ليس فقط في قناة «سي بي سي»، أو في برنامج «مع قصواء»، ولكن (على شاشاتها)، هكذا في المطلق، وأنا أنقل من صفحة قصواء، والتي قالت إن حمدين وافق وتقبل الاعتذار (بصدر رحب)!
ما الذي يجعل الشركة المتحدة بكل هيلمانها تتصل للاعتذار، فهل هي من وجهت الدعوة؟ وهل استضافة الضيوف والاعتذار لهم يحتاج إلى تدخل المالك؟ ولك أن تتصور أن من يتصل بك لتشارك في برنامج «صباح الخير يا مصر»، هو وزير الإعلام، أو رئيس المجلس الأعلى للإعلام، أو أن يطلب محمد أبو العينين مالك قناة «صدى البلد» ضيوفاً لبرنامج عزة مصطفى، وهو أمر وإن هبط بقيمة المالك ليكون منتج مقابلات، فإنه يؤكد وجود نسق قمع الحريات الإعلامية يصل لأن تحديد الضيوف والاعتذار لهم من اختصاص سلطات عليا؟
خيال المؤلف
والسؤال الأهم، ولماذا الاعتذار عن عدم الاستضافة على (شاشتها) وإلغاء الدعوة المقدمة من الشركة (بحسب قصواء)، وما تصورناه من دق جرس الهاتف، ومسح اليد في قماشة المطبخ، والذهاب إلى حيث توجد عدة التليفون، ليجد على الخط قصواء، كل هذا من خيال المؤلف كاتب هذه السطور، والحقيقة أن صاحبة الدعوة والاعتذار عنها هي الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية!
وإذ (وافق)، و(تقبل) الاعتذار (بصدر رحب) كما تم ابلاغي (هكذا كتبت قصواء)، فما هي مبررات التراجع عن الاستضافة، بشكل دفع حمدين للموافقة وتقبل القرار بصدر رحب؟ فهل الشركة كانت مجرد وسيط، إذن من صاحب قرار إلغاء المقابلة؟
من المؤكد أنهم صنعوا معروفاً في حمدين بعدم استضافته على (شاشاتها) فلديه ما يشغله لاستكمال مهمة صناعة «الأومليت»، لكن لماذا الاعتذار، وماذا قيل له ليوافق عليه بصدر رحب، وليس على مضض؟!
في عهد الرئيس محمد مرسي تم الترويج أن حمدين عندما حل ضيفاً على برنامج «خيري رمضان» في «سي بي سي» أيضاً، أن الرئاسة أرسلت قوة من الحرس الجمهوري لمدينة الإنتاج الإعلامي لاعتقال حمدين، فأنهى اللقاء سريعاً، وكأن قوة الحرس الجمهوري، لا يمكنها اعتقاله من منزله، أو من مكان آخر؟ لكن في النهاية كانت هناك محاولة لصناعة قصة، فمال القوم وقد افتقدوا الخيال اللازم لصناعة تراجع مقبول؟!
لا بأس فماذا فعل بنا خيالنا وقد تخيلناه في المطبخ، وقصواء على الهاتف، وهو في طريقه للعدة، عدة التليفون وليس عدة من أيام أخر! زمن!
صحافي من مصر