تونس-«القدس العربي»: “دييغو ليس مهماً ما فعلته في حياتك، بل الأهم ما فعلته لحياتنا”، هكذا كتب عشاق الأسطورة الأرجنتينية على لافتة في بوينس آيريس، وهو يلخص كل المسألة. فما الذي فعله مارادونا لحياتهم؟
لمن يعشقون الأرجنتين، فاز لهم بكأس العالم للشباب في اليابان 1979 وبكأس العالم الكبرى في المكسيك 1986، أما من يعشقون الفن والمهارة فقدم لهم لمحات خالدة وسجل أهدافاً لا تُنسى، أما في جنوب إيطاليا فالذين يعشقون نابولي جعلهم يعيشون أزهى فترات حياتهم بالانتصارات والألقاب والأهداف التي أسكرهم بها لدرجة أنه جعل الأحياء في نابولي يبعثون برسالة للأموات هناك كتبوها على جدران مقبرة المدينة “لا تعلمون ما الذي فاتكم”! فهل يهم هؤلاء بعد ذلك ما تعاطاه مارادونا أو شربه؟ وهل يقلقهم صخب حياته الخاصة إذا حول حياتهم العامة إلى سلسلة من البهجة والأفراح؟ وهل يضايقهم لو سهر وهو يدخن أو يشرب الخمر إذا جعلهم يسهرون وهم يحتفلون بإنجازاته داخل المستطيل الأخضر؟
والقصة تلخصها بطريقة أخرى رسالة الأم الأرجنتينية التي كتبتها إليه عندما كان يعالج في المستشفى من إحدى أزماته الصحية الكثيرة، وجاء في تلك الرسالة التي نشرتها الصحف: “دييغو سأوقد شمعة من أجلك وأصلي لأجل شفائك وأدخل ذلك الصمت الطويل لعل الله يستجيب لي ولكل الأرجنتينيين الذين يحبونك بسبب مافعلته لنا، آه لو يدرك العالم ما الذي فعلته لنا، أكثر ما يزعجني أن يظن العالم أننا معشر الأرجنتينيين شعب من السذج كي نحب إلى درجة التقديس مدمناً ثرثاراً يملأه الغرور، فالأمر بالقطع ليس كذلك. في سنة 1986 كنا نرزح تحت طغيان الحكم العسكري ولم نكن نملك ما نأكله غير بعض الفتات، وكان الحزن يسيطر على حياتنا، لكنك جلبت لنا الفخر والفرح وجعلتنا نخرج إلى الشوارع كي نحتفل غير عابئين بأي شيء آخر، أنا لم أرَ زوجي طيلة حياته يبكي غير ثلاث مرات، مرة عندما أنجبت ابننا ناتشو ومرة عندما سجلت هدفك الخارق ضد إنكلترا والمرة الأخيرة عندما أبعدوك عن كأس العالم 1994. أما أبنائي الذين سمعوا عنك ولم يروك تلعب وتحقق لنا الانتصارات فيضعون صورك الكبيرة في غرفهم ولا يقبلون بأي كلمة مسيئة لك تصدر عن أي شخص. دييغو جلبت الفرح لحياتنا الحزينة”.
أما الأديب الأرجنتيني غوستافو برينستاين فيقول: “كل انتصارات الأرجنتين في العقود الأخيرة ترتبط باسم مارادونا وبشخصه إنه يمثلنا ويمثل جوهر أمتنا في الخير والشر”. فهل عرفتم لماذا غمر الأرجنتينيون والنابوليون مارادونا بكل هذا الحب في حياته وبعد مماته، ولماذا تقاطرت الألوف المؤلفة من أنصار ناديه القديم بوكا جونيورز ومعهم ألوف أخرى من أنصار خصمه الأزلي ريفر بليت حيث وحّدهم المصاب، بل لماذا حرص الحانوتي على فتح الغطاء والتقاط صورة “سيلفي” مع جثمان الراحل الكبير الذي عومل في تشييعه كما يُعامل رؤساء الدول؟ كان رئيساً منتخباً لجمهورية كرة القدم!