«لن تغوص وحيداً» تحدي الإعاقة برؤية سينمائية لبطل مُتفائل

ليست كثيرة هي الأفلام التي تنتجها سلطنة عُمان وتنافس بها في احتفالات رسمية بالقاهرة ضمن مجموعة أفلام أخرى مصرية وعربية ، الفرصة سنحت مؤخراً للإبداع السينمائي العُماني لدخول التجربة واختبار القُدرات من خلال المُلتقى الأول للسينما السياحية الذي تسابق فيه عدداً من الأفلام المُختارة التي تحمل الصبغة السياحية المُباشرة وتُعلن عن ذلك في المحتوى والشكل حاملة رسالة ضمنية مهمة مفادها أن السينما يُمكن أن تُحقق ما تعجز عن تحقيقه الكيانات السياحية الكُبرى في الترويج وتعزيز الدخل القومي لكثير من الدول .
لن تغوص وحيداً
فيلم لن تغوص وحيداً للمخرج فهد الميمني ، أحد الأفلام البارزة التي طرحت مفهوماً إنسانياً قوياً يرتبط بالفكرة الأساسية لعملية الترويج السياحي لدولة سلطنة عُمان التي تتميز بجمال الطبيعة الجغرافية والسواحل البحرية الحاوية للكنوز الغاطسة تحت الماء من شُعب مرجانية وأنواع فريدة من أسماك الزينة . في أقل من عشرة دقائق تمكن المخرج من تكثيف الصور والمعاني والدلالات الدافعة إلى التأمل والتفكير في قصة بطل الفيلم الذي تعلم فن الغوص بمجهود ذاتي وبتشجيع من صديقة الذي يمتلك ذات الهواية .
وعبر الرحلة القصيرة زمنياً والمُشبعة إبداعياً وفنياً استطاع المُتلقي أن يتتبع مراحل تفوق الصديقين في عملية الغوص ، ويكتسب إضافات كثيرة من المعارف والمعلومات حول مهنة الغوص بقوانينها وأصولها ، وما يُصادف الغواصين من مُشكلات وصعوبات ، وما تُعانيه البيئة البحرية العُمانية من مُشكلات تتمثل في عدم العناية بتطهير الأعماق في أماكن الغوص السياحية من النفايات والمُخلفات العالقة ببعض الصخور والمشوهة للصورة الجمالية للقاع البحري على بُعد عميق من سطح البحر .
وبقصد التوصية والدفاع عن المعالم السياحية الأجمل والأرقى استهدف الفيلم في بعض لقطاته ومشاهدة توضيح الصور السلبية لمعوقات الغوص والمخاطر التي يُمكن أن تواجه الغواصين المُحترفين والهواة وتحول دون تقدمهم في مجال البطولات والسباقات الدولية المهمة التي تتُرجم القُدرات الحقيقية وتميز المتفوقين وأصحاب المواهب في النشاط الرياضي النوعي المقصور على فئة قليلة من المُدربين والعالمين بأصول السباحة والغوص .
ظل مخرج الفيلم يستعرض برؤية بانورامية واسعة وذكية صوراً شتى للمناطق الأكثر جمالاً وجاذبية في السواحل العُمانية ، مُحافظاً في ذلك على رسالة فيلمه السياحية ومضمونها التوعوي ، مع تسليط الضوء على فنيات الغوص وتكنيكاته الاحترافية العالية ، بطريقة سردية مُبسطة كتمهيد للجزء الأهم من الفيلم وهو المُتعلق بقصة الغواص المُستخلص من حكايته العنوان « لن تغوص وحيداً « والمُتضمن للبُعد الإنساني للفكرة .
وفي نقلة مفاجئة وبقطع مُتعمد يشبه العُطل الفني ، يتم إظلام الشاشة فتبدو سوداء تماماً ، كإشارة لتحول خطير في الموضوع والرؤية والهدف والمسار الفني والنفسي برمته ، حيث تُضيء الشاشة بعد لحظات فتكشف عن مشهد مؤلم ومؤثر لأحد الغواصين الصديقين ، وهو البطل الرئيسي فنراه مبتور الساق ، يسبح في جدية ومهارة ويغوص بخفة وحرية فائقة في الحركة بلا أدنى عائق .
وفي مشهد مُفسر للمفاجأة يُدرك المُتلقي أن البطل تعرض لحادث سير فقد على أثره إحدى ساقية ومكث فترة طويلة في المُستشفى أجريت له خلالها عملية البتر وتلقى علاجه الطبي والنفسي بكفاءة عالية ، فعاد يُمارس رياضته المُفضلة غير مُكترث بما حدث له ، بل أنه أصبح أكثر إصراراً وعناداً مما كان علية قبل الإصابة .


وعلية مضى في مضمار التحدي يسابق الوقت ويُضاعف الجهد لاستعادة لياقته من جديد استعداداً لخوض غمار البطولات التي تنتظره .
ويحكي صديق البطل المُعجزة مع صوت الموسيقى الهادئ والمُتدفق في انسيابية ونعومه والمتوافق مع لون الأمواج الزرقاء وحالة الصفاء والنقاء ، كيف كان صديقه المُصاب يُطمئنه على نفسه ويُحفزه على ضرورة العودة بسرعة لاستكمال الرحلة في عرض البحر كما تعودا سوياً منذ ارتباطهما بهواية الغوص .
ويستفيض الصديق في الحكي بما يُناسب زمن الفيلم فيُعدد مآثر الغواص الذي لم يعرف اليأس ولم تساوره الشكوك في قُدراته المهارية والعضلية بعد أن زاد يقينه بأنه الإنسان المُناسب الذي جاء في موعده مع القدر ليُبدد فكرة الإحباط والفشل ويشطبهما تماماً من قاموس حياته بطرد الوساوس التي يُمكن أن تُطارده فتُفسد عليه حياته وهو الإنسان شديد التفاؤل قوي العزيمة سريع الاستيعاب للدروس القدرية المُستفادة من المحن والشدائد والمُلمات .
وتلمع شاشة العرض بألوان زاهية كناية عن انقشاع الغُمة وتجاوز الغواص البطل لأزمته بعد استمراره في نشاطه بكفاءة مُتناهية العظمة .
ويتنامى تدريجياً صوت الموسيقى مع نزول تتر النهاية أو البداية ولون الإضاءة المُبهج وتُسجل الحادثة في سجل البطولات الناصع وتوثق في واحد من الأفلام المهمة لتؤكد أن البطل أبداً لن يغوص وحيداً طالما لازمه الأمل وبقي بجانبه رفيقه المُخلص ليستكملا سوياً الرحلة والمسيرة .

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية