تتداول الأوساط السياسية والإعلامية العالمية على أعلى المستويات قضية مصير شركة إسرائيلية لتقصي المعلومات السيبرانية من الهواتف المحمولة والكمبيوترات لكبار السياسيين والمسؤولين في القطاع الاقتصادي والمالي في العالم ولعدد من الإعلاميين الناقدين للأنظمة غير الديمقراطية.
اسم الشركة هو «بيغاسوس ـ إن.إس.أو» ومؤسساها هما الإسرائيليان شاليف هوليو وصديقه الذي تدرب معه في الجيش الإسرائيلي عُمري لافي. وهذه الشركة قدمت في السنوات الأخيرة خدمات استخبارية لوزارة الدفاع الإسرائيلية ولجهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي «الموساد» وتبعت توجيهاتهما مع أن مالكيها أكدا كونها شركة خاصة تسعى كغيرها لتحقيق الأرباح عبر نشاطاتها التنصتية المتطورة تكنولوجياً التي «تقدمها لدول وشخصيات قيادية تكافح الإرهاب في العالم».
غير أن الصحافي والصحافية الفرنسيين لوران ريشار وساندرين ريغو أصدرا مؤخراً كتاباً بعنوان «بيغاسوس» استندا لجمع المعلومات الواردة فيه على مجهود كبير بُذل في تكنولوجيا المعلومات من «مؤسسة العفو الدولية» وعدد من كبار محرري وخبراء هذه التكنولوجيا في صحف عالمية منها «واشنطن بوست» (الأمريكية) و«الغارديان» (البريطانية) و«لوموند» (الفرنسية) راقبوا نشاطات هذه الشركة ودحضوا ادعاءاتها بأنها شركة تجارية عادية (حسب قول المؤلفين) وأثبتوا بانها اخترقت هواتف محمولة لرؤساء جمهورية من الفرنسي ايمانويل ماكرون وبعض أركان نظامه، ووزراء في دول مختلفة وصحافيين مدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين سياسيين لأنظمة قمعية أو قادة في حقل الاقتصاد والمال.
وتسببت عمليات شركة بيغاسوس (بنظر مؤلفي الكتاب) في اغتيال أو اعتقال عدد من الصحافيين في الشرق الأوسط والعالم العربي وأمريكا اللاتينية (خصوصاً المكسيك) وآسيا وأفريقيا، إذ انه خلافاً لما ادعاه شاليف هوليو في مقابلة أجرتها معه صحيفة إقليمية في عام 2019 فإن زبائن الشركة كانوا في معظمهم من مسؤولين أمنيين وقادة أنظمة يسعون للتخلص من خصومهم ويناسب المشرفين على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التعاون سعياً لتوقيفهم أو اعتقالهم لأهداف سياسية، وان هذه الأجهزة استخدمت تقنية بيغاسوس كسلاح سري لتنفيذ سياساتها الصهيونية ولإرضاء حلفائها ودفعهم للتعاون معها بحجة مكافحة الإرهاب والأعداء الإقليميين في مناطقهم.
ومن اللافت ما ورد في الصفحة (50) عن مقابلة أجراها في عام 2019 الصحافي الإسرائيلي رونين برغمان مع مؤسس الشركة شاليف هوليو حول الدور الذي يمكن ان تكون لعبته مؤسسته في تسهيل عملية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا، حيث يقول هوليو إن: «مؤسسة (إن.إس.أو) التي تملك تقنية (بيغاسوس) تدعم الخير في عالم يسوده الشر. في الأشهر الستة الماضية، نجحت مؤسستنا في إفشال عدد من العمليات الإرهابية الضخمة في أوروبا بينها تفجير سيارات مفخخة وعمليات تفجير انتحاري. لقد أنقذنا أرواح الآلاف من الأبرياء، وهذا بفضل العاملين المهرة في شركتنا في هرتسليا». كما يقول هوليو في مقابلة مع الصحافي الألماني كاي بيرمان من صحيفة «دي زيت» الألمانية إن «شركة إن.إس.أو مالكة بيغاسوس لم توفر خدماتها لأي جهة إلا بعد حصولها على إذن من وزارة الدفاع الإسرائيلية، وانها دائماً عرفت هوية زبائنها والجهات التي تُستخدم بيغاسوس ضدها، وكيف وأين تم هذا الاستخدام». (ص106 و107).
وقد ورط هوليو نفسه في هذا القول حسب ما ورد في الكتاب، ثم طلب من الصحافي الألماني لاحقاً عدم نشر القسم المتعلق بمعرفة الشركة كيف وأين تُستخدم التقنية المباعة للزبائن، ربما لأن ذلك قد يورط «إن.إس.أو» توريطاً أكبر في عملية مراقبة جمال خاشقجي قبل اغتياله ومراقبة خطيبته خديجة جينكز ومحاميها وعبد الله أحد أبناء جمال بعد اغتياله، ومحاولة اختراق هاتف المسؤول التركي البارز ياسين اقطاي صديق الرئيس رجب طيب اردوغان، والذي كان من المفترض ان يتصل به جمال في حال شعوره بتعرضه للخطر. (ص 199).
وكانت الأجهزة الأمنية التركية أبلغت اقطاي بضرورة القيام باستبدال هاتفه المراقب، فيما سلمت خديجة جينكز هاتفها المحمول لمجموعة الاستقصاء التكنولوجي «سيكيوريتي لاب» المتحالفة والعاملة مع مؤلفي الكتاب ومع منظمة «أمنستي انترناشونال» التي كانت بدورها تحقق في عملية اغتيال خاشقجي.
ويؤكد المؤلفان بان مجموعتهما «فوربدن ستوريز» بدأت صغيرة ثم صارت تضم أكثر من ثمانين باحثاً من صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان واختصاصيين في تكنولوجيا المعلومات من سائر أنحاء العالم، وهدفها كان الكشف عن عمليات بيغاسوس الملتوية والتي تبين بانها تراقب خمسين ألف هاتف خليوي في العالم، بينها عدد كبير يملكه صحافيون بعضهم تعرضوا للقمع أو للاغتيال أو للسجن التعسفي من جانب زبائن بيغاسوس في الدول القمعية.
وقد انضمت الصحافية البارزة دانا بريست في صحيفة «واشنطن بوست» إلى فريق البحث عن خفايا قضية اغتيال خاشقجي وعن دور بيغاسوس ومراقبتها في تسهيل هذه العملية والتغطية عليها، وسافرت بنفسها إلى إسطنبول برفقة الفريق للحصول على المزيد من الوقائع والمعلومات علماً انها كانت قد التقت خاشقجي شخصياً في البحرين عام 2013 وتذكرت انه «كان لبقاً ولطيفاً وحذراً ومحباً لوطنه المملكة العربية السعودية خصوصاً خلال عمله كمستشار إعلامي للسفير السعودي السابق في واشنطن الأمير تركي الفيصل، وانه (بنظر المؤلفين) انتقد، خلال كتابته مقالاته في صفحة الرأي في صحيفة الواشنطن بوست، توجهات النظام السعودي الجديدة في مرحلة دقيقة ما دفع ببعض المسؤولين الأمنيين السعوديين آنذاك لوضعه تحت مراقبة بيغاسوس ورصد ومراقبة تحركاته. وقد أثبتت التحاليل التكنولوجية التشريحية للهواتف المحمولة للمقربين من خاشقجي من أصدقاء وأقارب له وجود مثل هذه المراقبة المتواصلة له على أثر اخضاعها للفحوص بعد الاغتيال» (ص 199).
ويؤكد الكتاب بان بيغاسوس اخترقت أيضاً الهاتف الخليوي للزوجة السابقة الثانية لخاشقجي وهي مضيفة طيران ولدت في مصر واسمها حنان. (ص 200ـ201).
أما بالنسبة إلى اختراق هاتف الرئيس الفرنسي ماكرون، فقد تم عبر زبائن بيغاسوس في المغرب. وقد تشاور فريق العمل المناوئ لبيغاسوس، وبينهم الكاتبان ورفاقهما، حول خيار متابعة تلك القضية إعلامياً، ولكنهم فضلوا الاستمرار في اعتماد السرية والتحفظ لأن فضحها إعلامياً ربما كان سيؤثر سلباً على عملياتهم الأخرى إذ قد تطلب السلطات الفرنسية الكثير من المعلومات وقد تفرض تزويدها بلوائح الأسماء المراقبة التي بحوزتهم، ولكنهم برغم ذلك أبلغوا الأجهزة المختصة في فرنسا بضرورة الاهتمام والنظر في الموضوع، وتبين انه متعلق بملكية المغرب أو غيرها لمنطقة الصحراء الغربية والموقف الفرنسي في هذا الموضوع المعقد. (ص 213).
ويذكر المؤلفان ان الزبون الذي استخدم بيغاسوس لمراقبة الرئيس ماكرون ووزرائه كان في الوقت ذاته يطلب من الشركة مراقبة هواتف الملك المغربي محمد السادس وشخصيات مغربية في الدائرة المحيطة به والسفير الأمريكي في المغرب ووالد زوجة الملك وهواتف قادة أفريقيين آخرين خلال زيارة ماكرون لأفريقيا. (ص214).
ويتطرق الكاتبان إلى زيارة قام بها بنيامين نتنياهو إلى آذربيجان في أيار (مايو) 2021 وقال فيها لمسؤوليها: «ان بلدكم لديه ورقة تعامل مفتوحة من حكومتنا للاستفادة من الصناعة الدفاعية والتقنيات الإسرائيلية ومنتجاتها، وليس سراً أمر وجود تعاون استخباري بين دولتينا في هذا المجال منذ سنوات». (ص 246). ووردَ نتنياهو ذلك في مؤتمر صحافي علني في العاصمة باكو. ويُلمح الكاتبان بان نتنياهو قد يكون عرضَ على المغرب ودول عربية وشرق أوسطية وعالمية أخرى مشاريع تعاون استخباري مشابهة لما عرضه في باكو في ما توفره شركة بيغاسوس.
حالياً، وبعدما انفضحت خلفية بيغاسوس في عام 2019 واضطر أصحابها إلى الإفلاس ثم بيعها لشركة اسمها «نوفالبينا» التي تعرضت بدورها لأزمة مالية خانقة واضطرت إلى الإقفال، قامت بعض الدول الشرق أوسطية ومنها العربية بشراء التقنيات والتعاقد مع الخبراء في «إن.إس.أو» للاستمرار في ممارسة عملياتها، وأسسوا شركات خاصة بهم وهي تعمل في الحقل نفسه ولكن تحت أسماء مختلفة (حسب ما ذكره المؤلفان) فيما استمرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في ممارسة أعمال تجسس مشابهة لما فعلته سابقاً ولكن تحت غطاء مختلف وعناوين أخرى.
وقد استاء شاليف هوليو من المصير الذي آلت إليه شركته التي تذرّع بانها ما كانت تُقدم خدماتها إلا للدول «الديمقراطية المكافحة للإرهاب في العالم والمنطقة» ولدول تواجه الخطر الإيراني في جبهة موحدة ضد «تجاوزات إيران» بينما كانت الشركة بنظر خصومها وناقديها وسيلة استخبارية لإسرائيل ومطية ذكية لاستقطاب التعاون والتطبيع مع بعض الدول العربية الغنية وسلاحاً سرياً فاعلاً.
واعتبر شاليف ان مجموعة داعمي هذا الكتاب، والمجموعات المتعاونة معها من منظمة العفو الدولية وكبار التقنيين فيها وشلة من الصحافيين الدوليين في الصحف العالمية، قد شاركوا في: «مؤامرة معادية للسامية ضد إسرائيل لكشف تقنياتها الأمنية، وهدفهم كان إلحاق الضرر بشركات تكنولوجيا (السايبر) فيها. وقد فعلوا ذلك بسبب دعمهم للفلسطينيين ولحركة «بي.دي.إس» الفلسطينية التي تدعو إلى مقاطعة المواد والبضائع الإسرائيلية التي هي حركة تؤيدها إعلامياً بعض القنوات التلفزيونية العربية وداعميها، وبينها قناة الجزيرة». (ص295). كما أشار إلى: «وجود ممولين دوليين للحملة التي نُفذت ضد شركته، وبينهم الثري الأوروبي الشرقي الأصل جورج سوروس، الذي يسعى إلى بث الفرقة والفوضى في الشرق الأوسط». (ص 295).
وقال أحد مالكي «إن.إس.أو» السابقين لجهة مقربة من المؤلفين بانه: «تلقى عرضاً من دولة خليجية عربية قيمته مئتا مليون دولار في مقابل استخدام تقنيات شركته لمدة عامين، بعدما أصبح من المتعذر عليها العمل المباشر المرخص به في المنطقة العربية». (ص 301).
Laurent Richard and Sandrine Rigaud: PEGASUS
Macmillan, LOndon 2023
318 pages.