لورا بايتس في «رجال يكرهون النساء»: مواقع الإنترنت التحريضية ضد النساء ساهمت في تصاعد جرائم ضدهن

سمير ناصيف
حجم الخط
0

يبدو أن قضية الاعتداء على النساء والفتيات أصبحت قضية على رأس الأولويات في سائر أنحاء العالم، وليس فقط في دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
هذا ما أكدته الاعتداءات الجنسية المتكررة التي تحدث في دول أوروبية كبريطانيا في الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى نظيراتها في دول آسيوية وأفريقية.
الكاتبة البريطانية المؤيدة بقوة لحقوق المرأة لورا بايتس كتبت مؤخراً كتاباً شديد الوقع والتأثير في هذا المجال بعنوان: «رجال يكرهون النساء» واكبَ عدداً من الاعتداءات على فتيات ونساء في بريطانيا، آخرها كان اعتداء جنسي قام به شرطي بريطاني على بريطانية في مقتبل عمرها (33 عاماً) مستخدماً صفته الأمنية بحيث أوقفها وارتكب فعلته الوحشية فيها وقتلها لاحقاً، علماً أن هذا الشرطي كانت له سوابق في التصرف المشين وبرغم ذلك لم يتم طرده من الشرطة بسببها أو رفض قبوله في السلك الأمني لدى تقدمه بطلب الانتساب.
الكاتبة لورا بايتس تتناول بشكل معمق تأثير مواقع الإنترنت المتطرفة التي يديرها رجال والتي تشجع الذكور المصابين بعقد نفسية أو المتأثرين بايديولوجيات عنصرية على القيام بمثل هذه الأعمال غير الإنسانية الاجرامية.
وترفض بايتس أن تنحدر إلى مستوى محللين ومحللات آخرين يعزون تكاثر مثل هذه الاعتداءات إلى الزيادة في عدد المهاجرين الأجانب إلى بريطانيا من أثنيات ومعتقدات مختلفة، برغم أن بعض هذه الاعتداءات إرتكبها مثل هؤلاء الأشخاص. وآخرها إعتداء جنسي نفذه سائق سيارة توصيل الطلبات إلى المنازل (من أصل الباني) على معلمةٍ من أصلٍ هندي، أيضاً في مقتبل عمرها ومن ثم قتلها.
المهم سوسيولوجيا في هذه الاعتداءات التي تكررت في الفترة الأخيرة في بريطانيا ودول أوروبية أخرى، وفي الهند، أنها تشير بان القضية ليست إحتقار النساء وحقوقهن فقط في بعض الدول الإسلامية وحرمانهن الحقوق المدنية والتعليمية تحت حجج دينية، بل ان هذه القضية الخطيرة تتعدى ذلك.
تقول بايتس في كتابها الذي نصحت بقراءته مجموعة من قادة الرأي العام النسوي والحقوقي والسياسي في بريطانيا، كالمحامية العالمية الليدي هيلينا كينيدي والقائدة العمالية شامي شاكراباتي وصحف ومؤسسات إعلامية بريطانية حرة بارزة، ان بعض مجموعات الرجال شكلوا ما يشبه «العصابات» التي تؤجج الرأي العام عموماً والرجال الفاشلين والضعفاء وأصحاب المشاكل في علاقاتهم مع النساء ضد «الجنس الثاني» (كما تسميه الكاتبة الفرنسية الراحلة سيمون دو دوفوار) وتلبسهن (عبر المواقع على الإنترنت) دوافع جنسية كامنة في شخصياتهن دفعتهن لارتداء الملابس المثيرة جنسياً لأنهن يرغبن في إثارة الرجال وليس لأي سبب طبيعي آخر.
وفي بعض الأحيان تدعو هذه المواقع على الإنترنت الرجال إلى الاعتداء الجنسي والجسدي العنيف على النساء لأن ذلك (في رأيهم) ما ترغب به أولئك النساء به.
ويندفع بعض هؤلاء الرجال المصابين بالأمراض النفسية والعقد إلى القيام باعتداءات قد تصل إلى حد ارتكاب جرائم القتل أثناء تنفيذ اعتداءاتهم.
وتتذرع بعض هذه المواقع، حسب ما تقول المؤلفة، بانه في بعض العقائد الشرقية والآسيوية الطابع، يُعتبر رفض المرأة المتزوجة إقامة علاقة جنسية مع زوجها، عندما يشعر بالحاجة لذلك، جريمة تستحقُ العقاب (ص 72 و73).
وتشير بايتس إلى أن بعض الشخصيات السياسية البارزة في المجتمعات الغربية أصبحت تخشى الظهور علناً مع سيدات أو فتيات غير زوجاتهم خوفاً من رفع الدعاوى لاحقاً ضدهم بانهم تحرشوا بهن، مما أفسدَ العلاقات الطبيعية في حقل العمل بين الرجال والنساء على مختلف المستويات.
وتطرح في هذا المجال (في الفصل الثالث من الكتاب) موقف نائب الرئيس الأمريكي السابق مايك بنس الذي كان يرفض لقاء أي امرأة غير زوجته بمفرده في أي مناسبة عملية أو اجتماعية خوفاً من أن يتهم بانه يقيم علاقة حميمة معها من جانب الصحف ووسائل الإعلام (ص 112).
وتؤكد بايتس ان كتابها ليس موجهاً ضد جميع الرجال، بل على العكس فهناك مجموعات تحالفت مع الحركات النسوية المؤيدة لتحرير المرأة من هيمنة «الرجال الكارهين النساء» (كما هو عنوان كتابها) والذين يحاولون تحسين العلاقات الجندرية بين الجنسين، ويعالجون المشاكل بين الجنسين بطريقة موضوعية وإنسانية ناضجة.
وتنتقد المؤلفة السياسات الاجتماعية التحريضية للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بحيث شجعَ المجموعات التي عرّضت بلده إلى الانقسامات بين السكان البيض والسكان السود وبين الرجال والنساء والفئات الأخرى ولأنه، في بعض الأحيان، ولأسباب انتخابية شجع المجموعات الذكورية الأمريكية على الاستمرار في تمييزها ضد النساء وإن بطريقة غير مباشرة (ص 139).
وتعتبر بايتس بأن المجموعات الذكورية التي نشأت داخل مواقع الإنترنت وخارجها لمواجهة المجموعات النسوية المدافعة عن حقوق النساء أضرّت بالرجال والنساء معاً وبعلاقة الجنسين لكونها ساهمت في خلق المزيد من الحقد وتوتير الأجواء في المجتمعات عموماً وساهمت في بعض الأحيان في حدوث جرائم خطيرة بينها اغتيال نائبة عمالية بريطانية مؤيدة لحقوق المرأة خلال الحملات الانتخابية البريطانية في الانتخابات التشريعية لعام 2019 وهي النائبة الراحلة جو كوكس (ص 165).
احدى التحفظات الرئيسية حول هذا الكتاب انه يعتمد في منهج أبحاثه وإستقاء معلوماته أكثر مما يجب على ما وردّ ويردُ في الإنترنت وفي مواقع هذه الوسيلة، مع ان هناك في عالمنا أكثر من سبعة مليارات إنسان تستخدم أقلية منهم فقط وسيلة الإنترنت. كما انه في كثير من الأحيان تُشرف على المواقع المثيرة للغرائز بين الرجال والنساء وبين الفئات الأخرى في المجتمع أقليات لديها أجنداتها السياسية والاجتماعية.
إلا أن النقطة الهامة في الكتاب أن هذه الأقلية أصبحت تؤثر بشكل كبير على أعداد ونسب كبيرة من مستخدمي الإنترنت في العالم، وخصوصاً في المجتمعات الأوروبية والأمريكية والغربية عموماً.
وقد يعتبر البعض ان كتاب بايتس، برغم أهميته في هذه المرحلة التي تتكاثر فيها الاعتداءات ضد النساء في العالم، هو بدوره (وبشكل غير مباشر) قد يخلق المزيد من التوتر بين النساء والرجال بحيث يستخدم منطق نحنُ (النساء) وهم (الرجال) وكأن الجنسين في حرب شعواء لا نهاية لها. فمع أن الإنترنت ساهم في طرح هذه المشكلة لدى مستخدميه والمتأثرين به، فأكثرية سكان العالم بحاجة إلى قرارات سياسية فاعلة في هذا المجال تحدثُ هزة فعلية في طبيعة تركيب المجتمعات عبر تغيير القوانين، ليس فقط في مجال الإنترنت وما يتم عرضه فيه.
السياسيون وأصحاب القرار في العالم يتأثرون كثيراً في الأمور التي ترد في وسائل الإعلام وفي الإنترنت، وعلى الكثيرين منهم أن يدركوا ان المشكلة أوسع وأكبر من قضية أعلام أو إنترنت.
صحيح ان أكثرية الشباب في العالم الغربي يقضون جزءاً كبيراً من وقتهم أمام شاشات الإنترنت وهواتفهم المحمولة ولكنهم ليسوا وحدهم سكان العالم. فهناك مجموعات ضخمة في العالم لا تستخدم الإنترنت ولكنها تتصرف حسب ايديولوجيات ومعتقدات انتقلت من القرون السابقة إلى الحالية، وبعض هذه المعتقدات يفرق سلباً بين النساء والرجال تحت حججٍ طائفية وعقائدية من المحرّم التعرض لها.
إذن، السؤال الأساسي الذي طُرحَ سابقاً (في القرون الماضية) والذي ما زال يُطرحُ حالياً هو: «كيف يمكن تكييف هذه المعتقدات مع متطلبات الإنسان في القرن الواحد والعشرين بشكل غير مسيء للنساء والرجال وللإنسان عموماً؟ وهذه قضية ليس في إمكان وقدرة وعصر الإنترنت والهاتف المحمولة أن يحلوها وحدهم. المطلوب تشريعات جديدة في سائر أنحاء العالم ليس فقط بالنسبة لما هو مسموح أو عدم مسموح نشره في الإنترنت، بل للمسموح أو غير المسموح به في الدساتير والتشريعات التي تُقرها الحكومات ومجالس الشعب بينما عكس ذلك هو ما يحدث حاليا في شرق وغرب العالم.

Laura Bates: «Men Who Hate Women»
Simon & Schuster, London 2020
359 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية