لويز غلوك… في شعرها الفاضل

حجم الخط
0

وحدها «جائزة نوبل» دأبت على انتشال الشعر ورفعه في لحظاته الأكثر عسراً، للمرة الثانية في ظرف عشر سنوات، يعود الشعر إلى الاهتمام، فبعد توماس ترونسترومر (2011)، نالت الأمريكية لويز غلوك (1943) اليوم الجائزة الأرفع. وقبل الحديث عن الشاعرة يستحق الحدث أن نتوقف قليلاً عنده، في هذا الإصرار على إنقاذ الشعر من محنه، وقد كاد أن يتحول إلى سلعة كاسدة، في الأعوام الأخيرة، ليس فقط في العالم العربي، بل الوضع ينسحب على الثقافات الأخرى. بمجرد الاقتراب عن إعلان نوبل، كل عام، تنطلق لعبة التخمينات والترشيحات، تميل في غالبيتها إلى الإعلاء من الروائيين، إلى تداول عناوين روايات، واستحقاق أصحابها للشرف، لكن نادراً ما نُصادف من يُدافع عن شاعر، أو من يُدافع عن الشعر عموماً، فقد انزاح إلى مرتبة أدنى في مخيلة الكثيرين، لا يظنون بأن عمل الشاعر يستأهل مرتبة متقدمة مقارنة بالروائي، مبيعات الأعمال الشعرية تراوح أرقاماً مخجلة أيضاً، لن نعثر على (بيست سيلر) شعري واحد، على الأقل في العقدين الماضيين، فالقراء مشغولون أكثر بالروائيين، بالحكايات، بالسير الذاتية كذلك، بمراودة المسارح وقاعات السينما، الصبورون منهم فقط من يتجرؤون على تسخين مقاعد القاعات، وحضور أمسيات شعرية، غالباً ما يستعجل منظموها إنهاءها كي لا يستشعر الحضور مللاً. ففي فرنسا مثلاً، التي تعد واحدة من أنشط أسواق الكتاب في العالم، فإن مبيعات دواوين الشعر لا تتعدى 1% من مجموع مبيعات الضروب الأدبية الأخرى، مع العلم أن هذه المبيعات تتضمن أيضاً مبيعات الشعر الكلاسيكي، بالتالي فإن حظوظ شاعر مُعاصر تتضاءل في المنافسة، مع كتّاب رواية أو قصة أو سيرة ذاتية، أو كتّاب المسرح، هذا الوضع يحتم على ناشرين صرف النظر عن الشعر، إلا في حالات قليلاً حين يتكفل الشاعر بنفسه طبع كتابه، غالباً في نسخ جد محدودة، بعض الناشرين المغامرين يطبعون أعمالا شعرية، من باب النضال الأدبي لا أكثر، عن قناعة منهم ألا منفعة مادية منها. إنه زمن معادٍ للشعر، متوحش ومتحرش بالشعراء.
شيئاً فشيئاً يختفي الشعر من الفضاء العام، من المكتبات العامة منها والخاصة، فوسائل الإعلام يهمها أن يكتب شاب عن حياته الخاصة، عن تجاربه وعن مراهقته، بدل أن «يُثقل» عليها شاعر مخضرم بجديد تجربته، في ظل هذه الأزمة الشعرية الممتدة، يأتي حصول لويز غلوك على نوبل للأدب أشبه بقارب خلاص، مثل عصا موسى التي تشق بحر اللامبالاة، التي طالما حلم بها الشعر، فمثل هذا الحدث من شأنه أن يردّ للشعر قليلاً من هيبته، يحفظ له ماء الوجه، يخلصه من قنوطه، أن يتنفس بعد سنين من الاختناق، الذي تعددت أسبابه.
لقد جاء اختيار هذا الشاعرة مفاجئاً لكثيرين، لم يسبق أن ورد اسمها في (لعبة الحظ)، التي يداوم عليها البعض، كما لو أنها لعبة يانصيب، ولم تدخل خانة الترشيحات، كما أن فوز اسم من أمريكاً كان ـ إلى حد ما ـ مستبعداً، فقد نالها قبل أربع سنوات المغني بوب ديلان، مع ما رافق تتويجه من صخب، لكن «جائزة نوبل» تثبت مرة أخرى مناهضتها للسائد، نأيها عن ضغط النقاد والصحف والملاحق الأدبية، لم تخضع إلى منطق التبارز بالأسماء، لم تمل إلى طرف على حساب آخر، بل فضلت المراهنة على خطها، في تتويج الأسماء غير المتوقعة، صحيح أن هناك من يعيب عليها انحيازاً إلى نطاق جغرافي على حساب آخر، ترويجها لكتاب غربيين، لكن يجب أن لا ننسى أن «نوبل» يتشكل أعضاؤها من سويديين، يقرؤون باللغتين السويدية والإنكليزية، فهل نفرض عليهم قراءة أدب لم يترجم إلى هاتين اللغتين بما فيه الكفاية؟ على الرغم من أن اسم لويز غلوك ليس شائعاً عربياً، فإنه اسم مكرس في بلدها، بل إنها «شاعرة البلد»، فقبل اليوم كانت قد نالت «ناشيونال بوك أوورد» (2014) عن ديوانها الأحدث «ليل وفي وفاضل»، كما نالت «البوليتزر» (1993)، التي سبقتها إليها في أوائل الثمانينيات سيلفيا بلاث. نحن بصدد شاعرة قضت أكثر من نصف قرن في الشعر، منذ إصدارها الأول «البِكر»، توالت بعده إصداراتها لتصل إلى اثني عشر ديواناً شعرياً، تُضاف إليها كتب نقدية تخصصت في الشعر وأحواله.
يدرك الجميع الأزمة التي تمرّ بها لجنة نوبل، في السنوات الثلاث الماضية، عقب تسرب فضيحة تحرش جنسي، مع ما تلاه من استقالات بعض أعضائها، ثم احتجابها عام 2018، قبل أن تعود العام الماضي باسم البولونية أولغا توركاتشوك والنمساوي بيتر هاندكه (عن سنة 2019)، رغم ما صاحب ذلك من جدل وقلق واسعين، لكن السويديين دافعوا عن أنفسهم بأنهم كرّموا أدب الرجل لا مواقفه «المتناقضة» من حرب البوسنة والهرسك، وفي ظرف عامين منحت الجائزة إلى امرأتين، لعل هذا العام يتميز بتويج نسائي واسع، في مختلف أصناف نوبل، هل هي محاولة قصد ترقيع تغييب النساء في سنوات سالفة، وطي صفحة صدامات داخلية عرفتها؟ لكن مهما يُقال، ورغم هذه العاصفة من النقد، التي تُرافق دائماً إعلان اسم الفائز، بغض النظر عن جنسيته أو نوعه الأدبي، فإن أكاديمية ستوكهولم ترسل في كل مرة إشارات مهمة، يجب أن لا نغفل عنها، فقد ساد اعتقاد أن المتوج بالجائزة يجب أن يكون مترجماً ومقروءاً في لغات أخرى، غير لغته الأم، بينما لويز غلوك تنقض تلك الفرضية، لا ديوان واحد لها ترجم كاملاً، خارج الإنكليزية، وما تُرجم لها ـ لحد الساعة ـ لا يعدو أكثر من نصوص متفرقة، صدرت بشكل خجول، في بعض الأنطولوجيات والمجلات، لقد ظلت المجلات الشعرية تلعب دوراً مهماً في الدفاع عن الشعر، ونوبل هذه السنة لا بد أنها تحية لها أيضاً. إن ترجمة الكتب، كما هو متعارف عليه، لم تعد مقياساً حاسماً في نيل نوبل، بل مقياسها قابل للتغيير، وذلك هو جوهر جائزة بقيمة نوبل، ألا تستكين إلى وجهة نظر واحدة، بل تتحول بتحول المرحلة التي تعيشها.
من مطالعة أولية لبعض نصوص الشاعرة، تبدو كتابتها مختزلة، تدور حول نفسها، كتابة نشعر كما لو أنها ناقصة غير مكتملة، تنحو نحو مسائل شخصية، داخلية، عن حياتها وعائلتها وطفولتها، لا تبدو نصوصاً متأثرة بموضة الشعر المُعاصر، بل خارجة عن التصنيفات التي نعرفها اليوم، ذاتية ونافرة من التجارب التي يعرفها من هُم في جيلها. «لا هو شعر نخبوي ولا شعر بوح ذاتي»، بتوصيف أحد النقاد الأمريكيين. «أميل إلى صمت إرادي، أحبذ البياض، أحبذ النسيان المنشط للذاكرة»، علقت لويز غلوك في كتابٍ لها عن شاعرها المفضل جورج أوبن (1908- 1984). تميل إلى كتابة الأشياء التي لا تقول شيئاً وغير المنتهية، وتكثر من مديح الصمت، فهناك من يشبه كتاباتها بما تركه ولاس ستيفنز (1879-1955)، تبتكر داخل «إنكليزيتها» لغة أخرى، قد تبدو غريبة، لكنها ظلت تميز أعمالها الشعرية.
لويز غلوك التي قالت في حوار أجري معها: «أحبذ أن أكتب عكس ما أفكر فيه»، تأتي اليوم، وقد قاربت عقدها الثامن، كي تنبهنا إلى ضرورة إعادة النظر في علاقتنا بالشعر، ألا نسرف في التقليل منه، أن نعيد قراءته بدون استصغار، أن نستمع إليها وهي تقول: «أكتب ببطء، ببطء شديد، حين أسرع في كتابة قصيدة أشعر بأنها تهرب مني، أشعر بأنني لست كاتبتها».

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية