ليبيا: النفط عصب الحياة لم يحتل موقعه الملائم في حوارات جنيف

ابراهيم نوار
حجم الخط
0

مع أن النفط يمثل عصب الحياة في ليبيا وموضوعا رئيسيا من موضوعات الصراع بين الفرقاء، فإنه غاب إلى حد كبير ولم يحتل موقعه الملائم في حوارات جنيف والشعارات التي طرحها المرشحون للمناصب القيادية، وذلك على الرغم من وجود أزمة مشتعلة أدت إلى وقف العمل في أهم موانئ تصدير النفط الليبية.
في طبرق كانت تتفاعل أزمة متأخرات رواتب حرس المنشآت النفطية المستحقة على حكومة الوفاق في طرابلس منذ 12 شهرا. الأزمة انفجرت في الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير، وأعلنت قوات الحرس إغلاق المنشآت النفطية في مرسى الحريقة. وعندما بدأت عملية جنيف السياسية هدد الحرس بإغلاق كافة المنشآت في منطقة الهلال النفطي في غضون عشرة أيام، إذا لم يتم دفع الرواتب. تطور الأحداث يشبه تماما السيناريو الذي وقع قبيل انعقاد مؤتمر برلين السلام بشأن ليبيا في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، وهو يعكس جانبا مهما من جوانب المأساة الليبية، فحرس المنشآت النفطية يتلقى رواتبه من الحكومة المعترف بها دوليا، وهي الجهة التي من المفترض أنها تتلقى إيرادات تصدير النفط عن طريق البنك المركزي، لكن هذه الإيرادات تحصل عليها حاليا المؤسسة الوطنية للنفط وليس البنك المركزي، ويتم إيداعها في بنك أجنبي خارج ليبيا، بسبب خلافات على كيفية توزيعها، وكذلك بسبب اتهام موجه لحكومة طرابلس بإنفاق الأموال على شراء الأسلحة ودفع مرتبات الميليشيات.

معاناة اقتصادية

هذا الخلاف بين المؤسسة الوطنية للنفط وبين البنك المركزي يمثل أحد الوجوه الاقتصادية للصراع بين طرفين محليين، هما حكومة شرق ليبيا المستندة على شرعية مجلس النواب الذي يرأسه صالح عقيلة، وهي حكومة يسيطر عليها فعليا الجنرال خليفة حفتر، في مقابل حكومة طرابلس في الغرب المستندة على الشرعية الدولية. وتتضمن هذه الخلافات أربع مسائل رئيسية هي أولا معايير إنفاق وتوزيع ميزانية الحكومة على الأقاليم المختلفة، حيث يشكو إقليم شرق ليبيا من استئثار الغرب بالنسبة الأعظم من الإيرادات بدون وجه حق. وثانيا حرمان مؤسسة النفط الليبية من الاحتياجات المالية الضرورية للاستثمارات الجديدة والصيانة والتطوير. المسألة الثالثة هي الخلاف بشأن دور البنك المركزي الذي يقع مقره في طرابلس ولا يحظى بثقة الشرق في إدارة الموارد المالية للبلاد بما فيها إيرادات تصدير النفط واحتياطي النقد الأجنبي. وعلى الرغم من المطالبة بوضع إيرادات النفط في صندوق دولي تحت إشراف الأمم المتحدة، فإن ذلك لم يتحقق حتى الآن، حيث يتم إيداع إيرادات النفط في بنك خارج ليبيا، لا يخضع لسيطرة الحكومة. أما المسألة الرابعة فإنها تتعلق بنظام المحاسبة الحكومية، وتطالب مؤسسة النفط الوطنية بوضع نظام مالي يتمتع بالشفافية، ويضمن أن يكون الصرف من إيرادات النفط وفقا لقواعد متفق عليها تحقق توزيعا عادلا وشفافا، مع حق محاسبة الإدارة المسؤولة في حال وجود أي خلل.
نتيجة الخلاف هي أن أزمة حرس المنشآت النفطية ستظل تدور في حلقة مفرغة ما لم تتحقق تلك الشروط، أو عندما تتمكن حكومة طرابلس من دفع الرواتب المتأخرة. وحتى يتحقق ذلك فإن أزمة المعاناة الاقتصادية للشعب الليبي سوف تستمر وتتصاعد بصرف النظر عن نتائج مفاوضات جنيف، والمناورات السياسية للأطراف المختلفة، خارجية كانت أم داخلية. وقد تزايدت في الأيام الأخيرة مظاهر الأزمة الاقتصادية في الداخل، متمثلة في نقص الخبز والوقود وارتفاع الأسعار، مما أدى إلى تظاهرات شعبية عفوية في بعض المدن الليبية احتجاجا على ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساسية، وهو ما يعيد إلى الذاكرة مظاهرات صيف العام الماضي التي انطلقت في الغرب أولا ثم امتدت بعد ذلك إلى مدن شرق ليبيا.

الهدنة وزيادة الإنتاج

وكانت الاحتجاجات في العام الماضي هي التي دفعت الأطراف المتصارعة إلى الاتفاق على إعلان هدنة عسكرية دائمة تساعد على إخراج ليبيا من أزمتها. وساعدت الهدنة التي تم إعلانها في جنيف في تشرين الأول/أكتوبر الماضي على إعادة تشغيل القطاع النفطي، كما شعرت مؤسسة النفط الوطنية بالتفاؤل، الأمر الذي حفزها على وضع خطة لإعادة تأهيل حقول النفط المتوقفة، وإصلاح وصيانة خطوط الأنابيب التي تربط بين الحقول وبين موانئ التصدير ومصافي النفط المحلية. وقد أدى إهمال تطوير الآبار المنتجة إلى تردي نوعية النفط المستخرج بسبب ارتفاع نسبة الرصاص والزئبق في الخام، ونتج عن ذلك رفض بعض الحمولات المتفق عليها للتصدير بسبب خوف الشركات المستوردة من تأثيرها السلبي على مصافي التكرير. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن إهمال صيانة أنابيب النفط الممتدة من الحقول إلى موانئ التصدير تسبب في حدوث تسرب من هذه الأنابيب في كل مناطق الإنتاج تقريبا، وهو ما يهدد بتخفيض كميات الإنتاج أو وقف الحقول عن العمل تماما حتى يتم إصلاح أسباب التسرب. على سبيل المثال فقد اضطرت الشركات العاملة في حقل الواحة إلى وقف الإنتاج في منتصف الشهر الماضي نتيجة الأعطال والتسرب النفطي في خط الأنابيب الممتد إلى ميناء السدر أكبر موانئ تصدير النفط في ليبيا، ما أدى إلى خسارة 200 ألف برميل يوميا أي ما يقرب من 20 في المئة من إنتاج ليبيا، وقد تم إصلاح الخط وإعادته للعمل في الأيام القليلة الماضية.
ويتمتع القطاع النفطي الليبي بامكانيات نمو كبيرة وسريعة، إذ أن إعلان الهدنة العسكرية الدائمة قد شجع الشركات على استئناف الإنتاج بسرعة حتى وصل إلى 1.25 مليون برميل يوميا في أواخر الشهر الماضي مقابل أقل من 100 ألف برميل في ايلول/سبتمبر. وعلى الرغم من أن الشركات المنتجة مثل توتال الفرنسية وإيني الإيطالية وريبسول الإسبانية أعلنت استعدادها لزيادة استثماراتها، فإن الأوضاع الراهنة من شأنها أن تضغط في اتجاه تأجيل أي قرارات لزيادة الاستثمارات سواء في إعادة تأهيل الحقول أو تجديد وصيانة شبكات الأنابيب، أو في التوسع في التنقيب داخل مناطق الامتيازات القائمة فعلا. وطبقا لتقديرات الاحتياطي النفطي المؤكد التي تعود للوراء إلى ما يقرب من عشر سنوات، فإن ليبيا ما تزال صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا يبلغ أكثر من 48 مليار برميل، إضافة إلى 1.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وتوفر عائدات تصدير النفط حوالي 90 في المئة من الإيرادات الحكومية، بينما يستحوذ القطاع النفطي على نحو 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ارتفاع الايرادات

وقد أسهم تشغيل حقول النفط خلال الأشهر الماضية في زيادة عائدات التصدير. وقدرت المؤسسة الوطنية للنفط قيمة العائدات في الشهر الأخير من العام الماضي بحوالي 1.1 مليار دولار. ومع ذلك فإن انعكاس ذلك إيجابيا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية كان محدودا، حيث عجزت حكومة الوفاق الوطني عن تمويل احتياجات الاستيراد من السلع الضرورية، وعن دفع مرتبات الموظفين بالكامل، وتلبية احتياجات الأقاليم الثلاثة طرابلس وبنغازي وفزان، واضطرت لتخفيض النفقات الحكومية بشكل عام، بما في ذلك الانفاق على الدعم.
ونظرا لأن النفط هو ثروة ليبيا المادية الأساسية فإن قدرة البلاد على تجاوز أزمتها الاقتصادية سيتوقف على حل الخلافات المتعلقة بإنتاج النفط، مثل توحيد المؤسسات النفطية والمالية، وإعادة تأهيل الحقول وإصلاح خطوط الأنابيب، وتلك المتعلقة بتحقيق العدالة في توزيع عائدات التصدير، ومنع استخدام النفط في تمويل السلاح ودفع مرتبات المرتزقة وأفراد الميليشيات. ومن الصعب إيجاد حلول عملية دائمة لهذه الخلافات ما لم تنجح الأطراف المتصارعة في التوصل إلى اتفاق شامل عسكري – سياسي – اقتصادي يتمتع بمصداقية وبقدرة على البقاء. ولا يتوقف الأمر على الأطراف المحلية فقط، وإنما تقع المسؤولية أيضا على الأطراف الخارجية المتورطة في الصراعات من جماعات المرتزقة إلى دول حلف الأطلنطي والدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهي الأطراف التي تمسك بمفاتيح الاستقرار في ليبيا، نظرا لوجود قوات لها على الأرض، ولأنها هي مورد السلاح التي لا تستطيع الأطراف المحلية اكتساب القوة بدونه.

ضرورة توحيد المؤسسات

وطبقا لتقديرات مجموعة الأزمات الدولية فإنه من غير المرجح أن تنجح العملية السياسية بدون إجراءات دولية قوية لضمان تنفيذها والالتزام بها. وترتبط هذه الإجراءات بإعادة توحيد المؤسسات الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تفككت خلال الفترة الماضية، مما شجع الزعماء المحليين على إنشاء مؤسسات موازية تقوم بدور الدولة. وقد برهنت الهدنة العسكرية على أنها مجرد خطوة إيجابية أولية لإعادة تشغيل القطاع النفطي وتوفير قدر من الاستقرار والأمن، لكن ذلك استمر لمدة تقل عن أربعة أشهر، ثم بدأ بعدها في التراجع، بسبب خلافات مؤسسية ومالية، وهي خلافات يحتاج حلها إلى إرادة قوية لإعادة توحيد ليبيا، كشرط أساسي للاستفادة من ثروتها النفطية وتنميتها. وفي الوقت الحاضر تتعامل شركات النفط العالمية والدول المستوردة للنفط الليبي على أنه مجرد سلعة متقلبة وغير مضمونة في السوق، نظرا للتضارب بين المؤسسات التي تدير قطاع النفط في الشرق عن نظيراتها في الغرب، وكذلك بسبب الانقطاعات المتكررة في الإمدادات لأسباب فنية، إضافة إلى حال القلق الأمني الناتجة عن وجود ميليشيات محلية أو قوات من المرتزقة الأجانب تعسكر داخل المرافق النفطية أو بالقرب منها.
وبصرف النظر عن مدى النجاح في تشكيل حكومة جديدة وإجراء انتخابات عامة قبل نهاية العام، فإن الأحوال المعيشية للمواطنين العاديين في ليبيا ما تزال تخضع لقيود الانقسام السياسي والاقتصادي بين الشرق والغرب، وتبديد القسم الأعظم من عائدات البترول في شراء الأسلحة ودفع مرتبات أعضاء الميليشيات ومشتريات السلاح، وهي المسائل التي يجب الاتفاق على حلول لها أولا لتكون أساسا لحكومة انتقالية جديدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية