ليست “الجزيرة” فقط بل تلفزيون كندا أيضاً… فهيا إلى حصار كندا

حجم الخط
9

قالت العرب: “الغريق يتعلق في قشاية”، و”القشاية” للأعاجم من “القش” و”القشة”، وأظنكم تعرفون ما قالته العرب أيضاً “القشة، التي قصمت ظهر البعير”، وذلك للتوضيح والتقريب!
ولأن وزيرة الهجرة في سلطان عبد الفتاح السيسي، كانت تغرق، بعد أن ضُبطت متلبسة بمنشارها، فقد وجدت في قناة “الجزيرة” ما يمكن أن ينقذها من الغرق، فصاحت في البرية إن “محمد نصر”، مراسل قناة “الجزيرة” اقتطع كلامها من سياقه، وقد كان حديثاً عفوياً في لقاء مع مصريين في كندا، وألا وأنها قناة “الجزيرة”،
فمن الطبيعي أن تتربص بالوزيرة المصرية، وذلك نظراً للعداء الأزلي بين القناة وصاحب الإنجازات الكبرى في مصر المحروسة، فالقناة تتبع قطر، وقطر تحقد على السيسي، وعلى خطواته العظيمة في الانتقال بمصر من نجاح إلى نجاح، ومن ثورة إلى ثورة، ومن الثورة الحمراء إلى الثورة الخضراء.. ألا تكبرون!
وأصل الحكاية لغير المتابعين، أن “نبيلة مكرم عبد الشهيد” التقت بأعضاء في الجالية المصرية في كندا، وفي هذا اللقاء الطيب المبارك، أمسكت بالميكروفون فإذا بها مثل سيدها، بمجرد أن يرى الميكروفون في أي محفل يمسك فيه بيديه وأسنانه، ويبدو أنها عقدة قديمة لازمته من صغره، ويبدو أنه كان يغبط زملاءه في المدرسة الذين يقولون كلمة الصباح في الإذاعة المدرسية، وكنت في طفولتي أنظر إليهم بإعجاب، وفي كل صباح وعندما يطلبون من يريد أن يتقدم للإذاعة المدرسية، أفكر في الإقدام وأتراجع في كل مرة، ربما تجرأت مرة أو مرتين، فلما اشتد عودي تقدمت وأبدعت!
يرى عبد الفتاح السيسي الميكروفون فيمسكه بلهفة مشتاق، ولهذا جيء له بميكروفون، بينما كان يلتقي بالمنتخب المصري قبل بدء مباريات كأس الأمم الأفريقية، لدرجة احتار كثيرون في مبرر هذه الحركة، فمن التقى بهم لا يزيدون عن عشرين شخصاً، وقد التفوا حوله، فليس بحاجة إلى ميكروفون ليخاطبهم، لأن الكثيرين الذين احتاروا لم يمروا بتجربة تمني الحديث في الإذاعة المصرية، وقد فرغت هذه الرغبة في مكانها، وهو الإذاعة المدرسية، وكانوا يقولون لي إن ضابط أمن الدولة، (عرفت بعد ذلك أنه مجرد مخبر في الجهاز) يأتي كثيراً إلى جوار المدرسة ليستمع للكلمة من مكبر الصوت، ثم ينصرف، ولم يكن فيها ما يهدد أمن الدولة، لكن الاهتمام كان مبعثه اختلاف “الرتم” والأداء، عن المعروف من كلمات الصباح. فقد عالجت نفسي بنفسي، في حين كبرت العقدة لدى السيسي وتضخمت، حتى تفاقم أمرها، وصارت تمثل مرضاً معدياً، انتقل إلى وزيرة الهجرة، “نبيلة مكرم عبد الشهيد”، وليست “نبيلة مكرم عبيد” كما نشرت العديد من وسائل الإعلام، لاعتقاد البعض أنها شقيقة الأستاذة في الجامعة الأمريكية “منى مكرم عبيد” وشقيقتها “نادية مكرم عبيد”، التي كانت وزيرة البيئة في عهد مبارك، ولم تستمر طويلاً، فقد حدث ذات مرة أن عقد الرئيس اجتماعاً في مجلس الوزراء في القصر الرئاسي، ورأى أن يستكمل اللقاء مع بعض الوزراء في منزله، وهو قصر يقع مقابل قصر الاتحادية غير بعيد!
وكانت لحرم مبارك ملاحظات على ملابس الوزيرة ذكرتها بطريقة أقرب إلى التعنيف، وردت الوزيرة بأن هذه حرية شخصية. لأن النصيحة كانت على الملأ، وفي “ظرف أيام” كانت “منى مكرم عبيد خارج الوزارة، وهناك خطأ شائع، أن “منى” و”نادية” بنات الزعيم الوطني التاريخي “مكرم عبيد”، لكن الشاهد أنهما بنات شقيقه، فلم ينجب الزعيم التاريخي!

من لسانها

في لقاء الجالية المصرية في كندا أمسكت الوزيرة “نبيلة عبد الشهيد” بالميكروفون، وبطبيعة الحال فإن اللقاء كان قاصراً على نوعية معينة من المصريين، شعرت تجاههم الوزيرة بالحمية، وأنها وسط أهلها فتحدثت بصراحة، وكما نقول “تكلمت على راحتها”، ولم نعلم أن “محمد نصر” سيمسكها من لسانها، وأن الجدران لها آذان!
فكندا ليست بلد عمل، ولكنها مكان لجوء، وهناك فصيل يعيش هناك في لجوء تباركه السلطة في مصر ولا تعترض عليه، ورأينا كيف أن البابا تواضروس توسط لأسرة مسيحية مصرية لتحصل على اللجوء في استراليا، مع أن اللجوء يحصل عليه الذين يتعرضون للاضطهاد والبابا يقول إن عصر السيسي هو العصر الذهبي للأقباط!
وفي كندا يوجد لاجئون وطالبو لجوء فروا من مصر من اضطهاد السيسي، ولا يمكن أن يكونوا قد تلقوا دعوة لحضور اللقاء، لأنهم مستهدفون بتهديد الوزيرة، التي كانت على راحتها فتحدثت بوضوح، وقالت للحاضرين: لا يوجد لدينا سوى بلد واحد هو مصر. فماذا عن البلد الذي منحهم جنسيته؟!
لا بأس، فالبأس الشديد أنها تحدثت بصراحة، وقالت “أي حد يقول أي كلمة بره على بلدنا يحصله إيه؟”، ثم ترد ذاتها على ذاتها بعبارة “يتقطع”.. هكذا، وهي تشير بيدها إلى رقبتها بإشارة مختلفة، وهي الدبح، فجمعت بين الأمرين.. الذبح ثم التقطيع، لتذكرنا بما جرى للصحافي السعودي جمال خاشقجي، لقد ذبحوه ثم قاموا بتقطيع جثمانه في القنصلية المصرية في إسطنبول، فهل هذا ما قصدته الوزيرة عندما ذكرت “التقطيع” وكانت إشارتها “الذبح” وللتقطيع إشارة مختلفة عن إشارة الذبح، وهذا أمر يدخل في صميم علم الأنثروبولوجيا.
وقد شاهدت ضيفاً جرى تقديمه على إحدى القنوات بأنه “باحث أنثروبولوجي” فتحدث بعيداً عن علمه، وكان تعليقه عادياً، فالوزيرة سيئة الحظ، لأنها أفضل وزيرة للهجرة منذ إنشاء الوزارة في سنة 2015. وربما لأنه تاه بين الأنثروبولوجيا والسياسة، فلم يهتم بمعرفة تاريخ هذه الوزارة، التي كانت موجودة من قبل الثورة، وتم دمجها في وزارة أخرى، فلم يستحدثها النظام الحالي من العدم!

أبو منشار وأم منشار

لا تستلطف القنوات التلفزيونية مصطلح الأنثروبولوجيا، ويستبدلوا علم الاجتماع بهذا العلم، وكثيراً ما يتم تقديم الدكتورة مضاوي الرشيد أستاذة الأنثروبولوجيا السياسية، بأستاذة علم الاجتماع السياسي، وكله عند العرب بطيخ، لكن عندما تم تقديم صاحبنا على أنه باحث في الأنثروبولوجيا، قلت إن للتقديم معنى وأنه سيقدم رؤية مختلفة، فلم يذهب لعلمه ولم تسحبه المذيعة إلى تخصصه، يبدو أنها لا تعرف ماذا يعني علم الأنثروبولوجيا، واعتقدت أنه قريب الصلة بعلم “صفار البيض”، وأن الباحثين فيه هم من وراد الفضاء، وهو لأنه علم غربي بالأساس، فإن الشائع هو اسمه الغربي وليس المعرب “علم الإنسان”، أو “علم دراسة الإنسان”، والأوقع هو علم دراسة سلوك البشر، وسلوك الوزيرة بالحديث عن “التقطيع” مع إشارة “الذبح” يؤكد أننا في مرحلة المنشار، وكما أن في الرياض يوجد “أبو منشار”، فلدينا في القاهرة “أم منشار”، فلم يعد العدل هو أساس الملك، فقد صار المنشار هو أساس الحكم!
والحال كذلك، فقد تحسس المعارضون في الخارج رقابهم، وقال أيمن نور إنه المقصود بالتهديد، وقال محمد ناصر إنه مقصود أيضاً، وهم يقومون باستعادة تهديد صدر من برنامج تلفزيوني بقتل الثلاثة: أيمن نور، ومحمد ناصر، ومعتز مطر.. هكذا؟! نعم هكذا في برنامج تلفزيوني، ومر الأمر مرور الكرام!
ونعود لتهديد الوزيرة، والتي قالت: أي حد يقول كلمة على (بلدنا بره) يتقطع! وفي الوجدان الحاكم أن (بلدنا) أو (مصر) هي تعني الحاكم، فليس منطقياً أن يكون المستهدف بالحكم بالذبح والتقطيع هو من يشتم مصر البلد، ولكن من يهاجم النظام، وقد كان السادات يقول على من يهاجمونه في الخارج “دول بيشتموا مصر في الخارج”، فقد اختزل مصر في شخصه الكريم!
وقد ضبطت الوزيرة متلبسة بهذا التهديد الاجرامي، فلم تجد الوزيرة ما تدافع به عن نفسها سوى ذكر أن “محمد نصر” هو مراسل الجزيرة، وقد جرى تحريف كلامها واقتطاعه من سياقه، دون أن تقول ماذا قالت قبل التحريف، وما هو سياقه؟!
إن كل ما فعله “محمد نصر” هو أنه وضع الفيديو على صفحته على “الفيسبوك” ليصبح بعد قليل مادة مهمة على السيوشيال ميديا، فالفضاء الإلكتروني سبق القنوات التلفزيونية في النشر والترويج، ولم تكن الجزيرة هي الوحيدة التي اهتمت بهذا التهديد الصريح لغرابته، فقد اهتمت به قنوات وصحف غربية، وقد استضاف تلفزيون كندا الحكومي “نصر”، كما استضافته “الجزيرة مباشر” و”التلفزيون العربي”، فمحمد نصر، ليس مراسلاً للجزيرة، ولم يعد يعمل بها، ويبدو أن ملفه الأمني لم يتم تحديثه منذ فترة طويلة. فقد قدم استقالته منها وذهب إلى كندا، بعد سياسة وقف تجديد جوازات السفر لمن يحسبهم النظام ضمن معارضيه، ولم يسلم من ذلك نائب رئيس الجمهورية بعد الانقلاب العسكري الدكتور محمد البرادعي، دون أي تنديد من المنظمات الدولية بهذا التصرف المجنون، لسلطة فاقدة للعقل والرشد.

ابنة خالتها

لقد قال محمد نصر على “تلفزيون العربي” إنه ليس أكثر من صحافي، فلا يصنف نفسه معارضاً سياسياً. ومن هذا المنطلق نشر الفيديو على صفحته، لكن الوزيرة لم تر كل إعلام الخارج، ورأت “الجزيرة”.
مرة أخرى لا بأس، فالجزيرة مغرضة، ومحمد نصر نفسه مغرض، وكل العالم يتربص بجماعة الحكم في مصر، أليست هذه التصريحات صادرة من وزيرة مسؤولة اختارها النظام الحاكم في القاهرة لتمثيله؟ إذن ماذا كانت تقصد بالتقطيع والذبح؟ في أي سياق ورد هذا الإعلان الرسمي، وماذا تعني بلدنا غير النظام، فهل كانت تعبر عن مصر باعتبارها بنت خالتها، وأن أي أحد يتجاوز في حقها أو يخوض في سمعتها بكلمة يذبح و”يتقطع”؟!
وليس منطقياً أن يتم ترك الوزيرة تهرب، وهي تعبر عن نظام يستحل دماء معارضيه، وقد ضبطت متلبسة لأنها أمسكت في قناة الجزيرة، فهل التلفزيون الكندي الحكومي متأمر أيضاً، إذن فليقطع نظام السيسي علاقته بكندا ويدعو حلفاءه لحصارها ردا لجميل المشاركة في حصار قطر!
فهيا إلى حصار كندا!

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية