في مصر، ولابد إنه في العالم العربي، فالتاريخ يُعاد حضوره في مقررات المدارس، معارك قام بها الحكام، وفتوحات وغزوات، ودفاع عن الأوطان، كأنه لم تكن هناك شعوب تفعل شيئا. من حسن الحظ ظهر في مصر مؤرخون في المئة عام السابقة، من نوع محمد أنيس ورؤوف عباس وصلاح عيسى وحتى محمود السعدني، وقليل غيرهم، وضعوا بصماتهم الكبيرة على حركة التاريخ، من خلال الناس المجهولة من طوائف الشعب، لكن لا يزال التاريخ يُقدم كأنه من صناعة الحكام.
اللافت للنظر أن كل ما فعله أولئك القادة والحكام، صار كتبا وحكايات يمكن أن تقرأها في المكتبات أو في البيت، لكنك لا ترى أحدا منهم بين دفتي الكتاب، حتى لو أضاف له المؤرخ صورا. أنت لا ترى من التاريخ غير ما تركه خلفه من آثار وفنون. هي التي صارت «مكة» التي يحج إليها السياح والزائرون من جميع أنحاء العالم على اختلاف معتقداتهم، حتى لو سافرت للعمل أو لأي شيء آخر بعيدا عن السياحة والثقافة، تأخذك قدماك إلى آثار ومتاحف ذلك البلد الذي سافرت إليه. لو بحثت في تاريخ الأثر ومن الذي أمر ببنائه ستجد وراءه حاكما قد يكون عادلا أو من أكبر الغزاة، أو أكبر من قتلوا من شعوبهم.
لا يختلف أحد حول قيمة الأثر، لكن يظل الاختلاف دائما حوله الحاكم، حتى لو كانت له صورة أو تمثال فما يأخذ قلبك وعقلك ليس صاحب الصورة أو التمثال، لكنه الفنان الذي نحت أو رسم ونقش، وكيف فعل ذلك وقيمته بين الفنون والفنانين. لا تهتم وأنت ترى الأثر هل من أمر بتنفيذه كان طاغية أم عادلا، حتى لو كانت لديك خلفية معرفية به، مما قرأت عنه، فهي لا تقفز أمامك وأنت تتجول في الأثر وتعود مستمتعا بما شاهدت، ناسيا من أمر ببنائه.
لو ذهبت في مصر إلى معبد الأقصر الذي شُيِّد لعبادة آمون رع وزوجته مُوت وابنهما خونسو؛ وهم الأرباب التي يُطلق عليهم أيضا لقب (ثالوث طيبة) وطيبة هي الأقصر. ستعرف أنه تم تشييد المعبد في عهد ملوك الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، وأهم ما فيه شيده أمنحوتب الثالث ورمسيس الثاني وزوجته حتشبسوت وتحتمس الثالث وتوت عنخ آمون، الذي هو أمنحتب الرابع. الأمر نفسه لو ذهبت إلى معبد الكرنك وسترى أن بينه وبين معبد الأقصر طريق الكباش، الذي كان من طقوسه أن يمشي الملك فيه بين المعبدين، وخلفه وحوله الحاشية في الاحتفالات المقدسة.
لا يختلف أحد حول قيمة الأثر، لكن يظل الاختلاف دائما حوله الحاكم، حتى لو كانت له صورة أو تمثال فما يأخذ قلبك وعقلك ليس صاحب الصورة أو التمثال، لكنه الفنان الذي نحت أو رسم ونقش، وكيف فعل ذلك وقيمته بين الفنون والفنانين.
ستنتهي المعرفة إذا كنت تجهلها بعد لحظات وتأخذك العمارة المصرية القديمة، وتكويناتها وما هو مكتوب عليها. حتى طريق الاحتفالات الدينية ـ طريق الكباش ـ بقي عابرا للزمن شأنه شأن المعابد وذهب الحكام. سيأخذك فيه تكوين التمثال وما الدلالة الروحية لذلك عن كل ما مرّ به من حكام. تستطيع أن تمد الحبل على الغارب إلى معبد حتحور ربة الحب والجمال والسعادة، ولا تتوقف الأمثلة في مصر، فإذا ذهبت إلى البر الغربي في الأقصر ونزلت مقابر مصر القديمة تأخذك المشاهد والحكايات ولا تفكر أبدا في عدالة وظلم من بناها.
إذا ذهبت إلى مصر القديمة ومشيت في شارع المعز فستنسى المعز لدين الله الفاطمي وتقف تتطلع إلى المساجد والأسبلة والقصور القديمة، وغيرها من آثار تركها خلفهم الفاطميون والأيوبيون والعثمانيون والمماليك، الذين كانوا طغاة الأرض وأذاقوا العسف للمصريين أو لبعضهم. هل يتذكر أحد صلاح الدين الأيوبي بانتصاراته وأفعاله وهو يجول في قلعة القاهرة؟ أم هي القلعة تأخذك بعمارتها وتكوينها عن كل حاكم.
الأمر نفسه إذا ذهبت إلى جامع عمرو بن العاص، الذي أمر ببنائه عمرو بن العاص، أو الجامع الأزهر الذي بناه جوهر الصقلي. ستأخذك العمارة عما حولك وستعود بها إلى تاريخ العمارة نفسه وعناصر تكوينها لا تاريخ الحكام. كذلك إذا ذهبت إلى الكنائس القديمة في مصر، مثل كنيسة أبي سرجة أو الكنيسة الكاثوليكية الشرقية، أو الكنيسة الأرثوذكسية أو الكنيسة المعلقة، وكلها وغيرها بنيت تحت الاحتلال الروماني بعد الاعتراف بالمسيحية. تقف بينها متأملا عمارتها ولوحاتها، والذي صمم والذي بنى والذي رسم وتعيش مع الفن كما تعيش في المساجد حالة روحية، تبعد بك عن كل من أمر أو وافق على بنائها. أما إذا ذهبت إلى عامود السواري في الإسكندرية، فستعرف أنه بُني تخليدا للأمبراطور الروماني دقلديانوس، وكان حوله معبد السيرابيوم الذي ضاعت آثاره. تقف تتأمل العامود ومادة بنائه وتكوينه، وبأي الفنون تأثر، تماما كما تقف في الجوامع والقصور التاريخية، ولن يغير ذلك من كون دقلديانوس هذا كان أكبر طاغية قام بمذابح للمسيحيين في مصر، قبل الاعتراف بالمسيحية في ما بعد.
كذلك في اليونان معابد مثل معابد أسكليبيون التي نسب أول بناء لمعابدها للطبيب أسكليبيون، وكانت مقصدا للاستشفاء فكان الحج إليها والصلاة يبعثان على الاستشفاء، بل ظنوا والعودة إلى الحياة. وغيره من معابد الآلهة التي لم يشيدها الآلهة، مثل معبد زيوس الذي كان حكام اليونان يريدون منه أن يكون أكبر معبد في العالم.
بقي المعبد وذهب الحكام. وتمشي في ذلك مع كل المعابد مثل معبد بارثينون أكروبوليس، الذي يعتبر على قمة المناطق السياحية في اليونان، حتى في البلاد التي دخلها اليونانيون والرومانيون غير مصر مثل ليبيا ستجد آثارا رائعة في منطقة قورينا مرّ عليها كل طغاة الحكم وظلت باقية، وحين تقف أمامها ناظرا إلى زيوس أو هرقل لا يخطر ببالك من بناها.
تستطيع أن تمشي وراء الآلاف من الأمثلة في العالم، مثل الكرملين في موسكو الذي بناه القيصر في القرن الثاني عشر الميلادي كحصن، ثم صار مقر الحكم لكل القياصرة بعده وللشيوعيين ومن جاء بعدهم، أو كنيسة نوتردام في باريس بطرازها القوطي، التي أخذت شهرتها الأكبر في العالم من رواية فيكتور هوغو «أحدب نوتردام» والأفلام الصامتة والناطقة العديدة التي أخذت عنها، ولم تأخذ شهرتها من الملوك والحكام، الذين دشنوا بداية حكمهم فيها أو بنوها، وأضافوا إليها عبر التاريخ. هل أمشي
روائي وكاتب مصري