ماذا عسانا نفعل؟

هي غريزة بشرية، حاضرة وأبدية، أن نطالب دائماً بأفضل النتائج، لأننا الأفضل، أو هكذا نعتقد، لكن هذا الأمر قد ينطبق على كل شيء الا على عالم كرة القدم.
ارتسم الوجوم والبؤس على المحايا، وخيم الحزن والسخط في بيوت الملايين من عالمنا العربي في الأيام الاخيرة، بعد كوارث نتائج مباريات بطولتي كأس أمم أفريقيا وآسيا، والتي كانت حصيلة الضحاياً بنهاية دور الـ16 من أصل 15 منتخباً ينطق بالضاد شارك في البطولتين، اقصاء 13 منها، بل الواقع المرير أن المنتخبين الوحيدين الناجيين قطر والأردن في البطولة الآسيوية، نجحا في الوصول الى دور الثمانية، بعد تغلبهما على فريقين عربيين آخرين في الدور السابق، ما عنى أن كل الآمال والأحلام بتحقيق نتائج مشرفة تكسر علينا قهرنا وفطر قلوبنا على أشقائنا في فلسطين، تحطمت بل زادت عليها نغصة، وما على منتخباتنا الكبيرة المرشحة بقوة للألقاب، كالرباعي الافريقي الجزائر وتونس والمغرب ومصر، وكبير غرب آسيا السعودية، سوى اعادة الحسابات، كل الحسابات، لاستخلاص العبر. المنتصر الوحيد من هذه المعارك لم يرفع سوى رايات نصر معنوية، على غرار منتخب فلسطين الذي كان انجازه التاريخي بوصوله الى الدور الثاني للمرة الأولى كافيا مقارنة بظروفه، ومثله كان انجاز موريتانيا التاريخي أيضاً، وكذلك ما حققه منتخب النشامى الأردني.
لكن ماذا عسانا نفعل في مآسي خيبات الكبار؟ ربما من السهولة توجيه أصابع الاتهام هنا وهناك، وتحميل المدرب كل الفشل، ولوم بضعة لاعبين، ونعت مسؤولين بالفشل، ومن ثم فتح صفحة جديدة، بقلوب صافية وتوقعات وردية، قبل ان نعاود الكرة من جديد.
صحيح ان كرة القدم عاطفية جداً الى درجة ان الانجراف خلف نتيجة مباراة أو بطولة، يشكل الحكم المطلق على كل شيء، فاذا قدم الفريق مباراة كبيرة وانتصر فاننا نصبح مرشحين للفوز بكأس العالم، واذا خسر هذه المباراة، فان المدرب يجب ان يقال فوراً، وان تتم محاسبة كل اللاعبين، لكن كرة القدم ليست «عاطفية»، كونها لا تخضع لحسابات حسية أو اعتبارية، ونتيجة كل مباراة تبقى دائماً معلقة بما سيحدث في يوم المباراة، وما سيقدمه اللاعبون، وافضل ما يستطيع كل فريق فعله ان يكون المدرب يملك ما يكفي من الحنكة والمعرفة لاعداد لاعبيه ضمن تكتيك منقسم على حسن اختيار التشكيلة (11 لاعباً)، واختيار الرسم الصحيح للخطة (4-3-3 مثلاً)، واختيار الأسلوب المناسب (استحواذ او ضغط عالي… الخ)، وحسن توجيه التعليمات الفردية للاعبين، وبعدها يأمل بأن يكون مدرب الخصم أقل حنكة منه، وان يكون لاعبوه أقل كفاءة من لاعبيه، والاهم ان يحالفه التوفيق في القرارات التحكيمية، كي يأمل بنتيجة ايجابية.
ولهذا عندما ينجح المدرب جمال بلماضي في قيادة المنتخب الجزائري الى الفوز بكأس الأمم الافريقية في 2019، فان الجزائريين كانوا يحلمون بالتتويج بكأس العالم، ضمن «الانجراف» العاطفي الجياش الى درجة أن سحر بلماضي طغى على خيبات البطولتين التاليتين لكأس الأمم وبينهما اخفاق التأهل الى كأس العالم، وربما الى اليوم ما زال في اللاوعي الجمعي الجزائري حنين جياش للحظات فرحة 2019، والسبب قلة حدوث هذه اللحظات، والامر قد يتكرر اليوم مع وليد الركراكي والمنتخب المغربي، بعد ومضات ساحرة في نهاية 2022 في كأس العالم، لكن في الحقيقة والواقع أن كلا التجربتين كان عنوانهما «لحظات» ابداعية، فهناك كان محرز وسليماني ومبولحي، وهنا بونو وزياش وحكيمي، وعندما لا تكون هذه المجموعة في يومها يعجز المدرب عن ايجاد الحلول. والأمر أيضا ينطبق على مصر الواعدة في 2021 وصلاح ومرموش وزيزو، رغم ان الأخيرة يختلف الأمر قليلاً كون المدرب ليس من أبناء البلد وبالتالي لا يقع عليه لقب «وزير السعادة» على غرار بلماضي والركراكي، حتى تونس الذي اشتهر منتخبها بعشقه للسير على عكس التيار والعواصف، وكسر التوقعات بخطف النتائج غير المتوقعة، فانه هذه المرة كان ضحية وفريسة.
لكن المنتخب السعودي، ربما كان أبرز الأمثلة، على أن كرة القدم ليس حسية او مادية، فأبرز مدرب في أوروبا، المفترض، روبرتو مانشيني، كان ربما سبب كبوته واقصائه، فرغم حسرة الخسارة في الوقت بدل الضائع بعدما عادلت كوريا الجنوبية، مع مدرب فاشل لنموذجها، ومتمثل بالالماني يورغن كلينسمان، الا ان «الاخضر» دفع ثمن العقلية السلبية للمدرب الايطالي، خصوصا انه لم يقنع في مبارياته الثلاث في الدور الاول رغم الصدارة.
ماذا عسانا نفعل لنغير من حظوظ منتخبنا؟ لا شيء سوى ترقب بروز جيل موهوب، ينهل خبرته من الاحتكاك في البطولات الأوروبية، وانتظار مدرب وطني شبيه ببلماضي والركراكي، لكن هي لحظات، ليست أكثر، نعيشها ونحتفي بها ونفتخر، لكن حذاري من ان نتمادى في الحلم، لأن كرة القدم ليست عاطفية، قبل ان نكتشف أن العلة الحقيقية ليست في المدرب ولا في اللاعبين ولا المسؤولين، بل ربما تكون في عقلياتنا ووعينا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية