صنعاء- “القدس العربي”:
اختتمت، الأحد، لليوم الثالث، صفقة تبادل الأسرى بين الأطراف اليمنية بالإضافة إلى التحالف بناء على اتفاق وقعته الأطراف المتنازعة في سويسرا في مارس/آذار المنصرم، واتفقوا فيه على إطلاق سراح 887 أسيراً ومعتقلاً، كان للحكومة 181 أسيراً ومعتقلاً منهم قادة عسكريون وأربعة صحافيين محكوم عليهم بالإعدام و16 سعوديا و3 سودانيين، مقابل إطلاق 706 أسرى للحوثيين. كل ذلك تم برعاية مكتب المبعوث الأممي الخاص لليمن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
على مدى الثلاثة الأيام التم شمل أكثر من 800 عائلة يمنية بأحد ذويها بعد سنوات من الاعتقال وأحيانًا يصل التغييب حدا لا يمكن للعائلة معرفة مصير معتقلها أو حتى الاتصال به؛ وبالتالي فلم شملها به يمثل حدثًا لا تستطيع اللغة تصويره والتعبير عنه، بل يكفي التوقف عند مشهدين من مشاهد عديدة شهدتها مطارات صنعاء وعدن ومأرب والمخا وأبها والرياض متمثلة في مشهد ترقب خروج الأسرى من بوابة الطائرة، وما يمثله ذلك لدى المنتظرين لهم على أرض المطار؛ فمشاعر يكاد يتوقف معها نبضك وأنت تجد شقيقك أو والدك أو قريبك يظهر بعد سنوات من التلظي تحت ضربات مشاعر الفقد وها أنت اليوم تراه أمامك بعدما كدت تفقد الأمل!
كذلك الحال لدى الأسير في المشهد الثاني، وهو يرى النور بعد سنوات من العتمة، بل وهو يرى أهله في انتظاره بعد سنوات من التقلب على مشاعر الحنين والخوف من عدم اللقاء مرة أخرى، لكن ها هو يلتقي بهم مرة أخرى في لقاء عكسته مشاهد كثيرة لأسرى في لحظات اللقاء مع ذويهم، حيث كان البكاء سيد الموقف؛ بكاءُ فرح وحزن وشوق وخوف؛ بكاءٌ لا يمكن ترجمته بأي تعابير لأن الدلالة أكبر إفادة.
قبل شروق الشمس على المطار الذي ينتظر رحلة للأسرى المفرج عنهم يكون المطار قد اكتظ بالعائلات حتى ممن ليس له أسير ينتظره.
مشاهد ترقب العائلات لباب الطائرة ولخطة اللقاء على أرض المطار، لحظات لا تمنحها العبارات حقها، ولا تكفيها الصور وزنها؛ فما يختلج في النفوس أعظم من أي مشاعر قد يعيشها المرء في لحظات أخرى، ممن استطاع الانتظار إلى لحظة اللقاء، إذ إن بعض ذوي الأسرى مات كمداً وخوفاً وانتظارا. وكم هو مؤلم عندما يعلم الأسير عند عودته أن زوجته أو والده أو والدته قد توفي، وهو يتشوق للحظات اللقاء، ولم تسعفه الحياة قليلا لينتظر؛ فغادر دون لقاء!
لم تقتصر بهجة الافراج عند المفرج عنهم وذويهم؛ فاليمن كله تابع مشاهد الأسرى في المطارات؛ وكيف كانت لحظات اللقاء، والكل يضع نفسه مكان أحدهم باعتبار الجميع في بلد حرب؛ وقد يكون أحدهم في موقع هذا أو ذاك؛ وبالتالي فاليمنيون جميعا فرحوا بلم شمل هذه العائلات؛ لكنهم في خضم مشاركة تلك المشاعر لم يتركهم الحزن أن يتذكروا أن هؤلاء الأسرى المفرج عنهم جميعهم يمنيون؛ وأن الأطراف التي تتبادل الأسرى هي أطراف يمنية؛ فيبتهلوا لله أن يعجل بالفرج من هذه الغمة التي سلبت اليمن السعيد سعادته.
تمثل هذه الصفقة من تبادل الأسرى هي الثانية منذ بدء النزاع؛ إذ سبقتها صفقة تبادل أسرى تم توقيعها وتنفيذها بين الطرفين في أكتوبر/ تشرين أول 2020، وتم خلالها إطلاق سراح 1056 أسيرا. لكن الإيجابي أن الطرفين أكدا أن هناك جولة ثامنة ستعقد عقب عيد الفطر مع تأكيد الطرفين وموافقتهم على إطلاق الأسرى بناء على قاعدة (الكل مقابل الكل) لكن هل يمكن تنفيذ ذلك؟
لا يمكن تنفيذ ذلك إلا انطلاقًا من إيمان صادق منهما على تصفير السجون وإنهاء معاناة الأسرى على طريق إنهاء معاناة البلد من الحرب. إذ إن هناك الآلاف من اليمنيين في السجون؛ والمؤلم أنه لا يوجد كشوفات وبيانات عنهم جميعًا؛ لأسباب منها أن هناك جماعات مسلحة متعددة؛ وكل جماعة، وبالذات لدى طرف الحكومة الشرعية، لديها سجون ومعتقلون، علاوة أن هناك مفقودين بأعداد كبيرة، وهؤلاء مأساتهم تتعاظم مع إنكار الأطراف لأسمائهم؛ وبالتالي فمأساة الأسرى والمفقودين تمثل أكبر مأساة أفرزتها الحرب في اليمن بعد مأساة النازحين الداخلين.
وهناك مَن يعتبر أن مأساة الأسرى تتجاوز معاناة النازحين؛ فالأخيرون لديهم بعض من الحرية في التنقل والعيش، وإن كانت حرية هامشية وسط معاناة إنسانية بالغة السوء، بينما الأسير مسلوب الحرية يعيش فصلا بينه وبين الحياة العامة، وفصلا بينه وبين عائلته، وفصلاً بينه وبين الاعتراف بمكانه وتمكينه من الاتصال بعائلته والاطمئنان عليها، علاوة أن عائلته، على الرغم من أنها تعيش خارج الاسوار، إلا أنها تعيش في سجن مماثل؛ فمشاعر الخوف والقلق على أسيرها تجعلها مسلوبة مشاعر الحياة خارج السجن؛ فتعيش مع خيال الأسير معظم أوقات يومها.
من أبرز المشاهد التي حملتها مشاهد وصول الأسرى في المطارات، خروج بعضهم وقد شاب شعر رؤوسهم وتغيرت ملامحهم كثيرا وآخرون خرجوا من الطائرات محمولين؛ إذ لم يصبحوا قادرين على المشي لأسباب مختلفة منها التعذيب او المرض.
يعيش الأسير معاناة أخرى توازي معاناته من فقدان حريته؛ وهي معاناته مما يمارس عليه خلال السجن؛ مما يُعرف بغسيل المخ؛ ومحاولة كل طرف اقناع أسراه بصواب نهجه؛ لا سيما بعد مرحلة استنفذ فيها المحققون كل الوسائل في استجوابه. وحتى بعد عودته يمارس عليه طرفه ما يمكن تسميته إعادة الاعتبار لموقفه السابق من خلال اخضاعه لإعادة تأهيل نفسي. إنها معاناة لا تنتهي بالأسر ما يجعل من الأسير الحربي أسوأ ما يمكن أن يعيشه الإنسان لدرجة أن حياة الأسير بعد خروجه تصبح مختلفة عما كان عليه وضعه سابقا.
تبادل الأسرى يُعيد الأمل أن بإمكان توقف الحرب في اليمن، وتكرار صفقات التبادل وصولا إلى تصفير السجون نأمل أن يتحقق؛ فالسجون لا بد لها أن تخلو من الأسرى ولو بعد حين، فاليمن ينتظر ولن يطول انتظاره للحرية.
شهدت هذه الصفقة من تبادل الأسرى إطلاق سراح قيادات كبيرة ممثلة في اللواء محمود الصبيحي وزير الدفاع السابق واللواء ناصر منصور هادي شقيق الرئيس اليمني السابق عبد ربه هادي، وابن وشقيق عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، وكان يتوقع إطلاق سراح اللواء فيصل رجب والقيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح محمد قحطان؛ والأخير تم بشأنه تبادل الاتهامات بين الحكومة والحوثيين. كما تم إطلاق سراح أربعة صحافيين كان محكوما عليهم بالإعدام في السجون في صنعاء.
تم توزيع الصفقة على ثلاث مراحل خلال الجمعة والسبت والأحد شملت عددا من الرحلات تم بواسطتها تبادل الاسرى بين مطارات صنعاء وعدن ومأرب، والمخا، وّأبها، والرياض.
يعلق اليمنيون آمالاً كبيرة بأن تتكرر صفقات تبادل الأسرى باعتبارها تضع حدا لأكبر تداعيات الحرب في اليمن، وهم الأسرى الذين لا يعرف اليمنيون عددهم وأماكن اسرهم؛ وبالتالي يبقى ملف المفقودين ملفا مؤجلا يضاعف من معاناة اسمها الاسرى والمفقودين في اليمن.
وجاء توقيع صفقة التبادل الأخير كأول اختبار يمني لتأثير الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية، على الحرب في اليمن.
ويشهد اليمن حربا منذ أكثر من ثماني سنوات سقط خلال بشكل مباشر وغير مباشر أكثر من ثلاثمئة ألف يمني، والحقت الحرب خسائر اقتصادية تتجاوز قيمتها 126 مليار دولار علاوة على مأساة إنسانية هي الأسوأ عالميا في العصر الحديث.