كثيرون يطرحون هذه الأيام سؤالاً حول ماذا سيكون موقف المستشارة الألمانية السابقة انغيلا ميركل أزاء ما يحدث حالياً ميدانياً عسكرياً وسياسياً بين روسيا، بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، وجارته دولة أوكرانيا، وأين ستقف ميركل من هذه المواجهة الخطيرة التي يعتبر البعض بانها قد تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة أو إلى مأساة انهيار سياسي واقتصادي في العالم ومئات الآلاف من المهاجرين وانعكاسات اقتصادية سلبية على روسيا وخصومها في دول الناتو (حلف شمالي الأطلسي) المتحالفة سياسياً مع الولايات المتحدة وقيادتها والمرتبطة اقتصادياً بروسيا، نظراً لكون الأخيرة تزودها بالطاقة والغاز على الأخص.
لفهم ما كانت ميركل ستفعله في هذا المجال من المفيد قراءة كتاب صدرَ بالفرنسية مؤخراً بعنوان: «وكانت ميركل» للكاتبة ماريون فان رينتيرغيم، وهي صحافية مرموقة نالت جوائز تقدير بارزة بينها «جائزة البير ـ لندن». وكتبت ماريون السيرة الأولى عن ميركل في عام 2017 وهذه السيرة الثانية في هذا المجال.
خلاصة هذا الكتاب المستند إلى أبحاث معمقة ومفيدة أن معظم مواقف ميركل الأساسية عادت إلى تربية أخلاقية وإنسانية اكتسبتها خلال شبابها، حيث عاشت في كنفِ عائلة يقودها قسيس بروتستانتي (والدها) في ألمانيا الشرقية في ظلٍ نظام اشتراكي سوفييتي التوجه كان ديكتاتورياً في بعض توجهاته ولكن متخذاً مواقف داعمة للفقراء وأبناء الطبقة العاملة والمحرومين في العالم عموماً في توجهات أخرى.
وهذه الازدواجية الإيجابية في شخصية ميركل أهلتها لتصبح إحدى الشخصيات السياسية الهامة في المرحلة الحالية من التاريخ، إلى درجة ان الكاتبة شبهتها بملكة انكلترا اليزابيث الثانية، بحيث تعمل القائدتان التاريخيتان (برغم اختلاف طبيعة سلطتيهما) بصمتٍ وبعيداً عن الطمع بالشهرة من أجل الإنسانية، وبالتالي تتواجهان وتصمدان بصلابة وقوة ضد العنصريين من أعداء الشعوب والإنسانية في بلديهما والعالم.
تقدم الكاتبة مشهداً حياً على التزام ميركل المبادئ الأخلاقية الإنسانية عندما شوهدت في لقاء تلفزيوني مع فتاة فلسطينية اسمها ريم في تموز (يوليو) عام 2015 في روستوك (ألمانيا) حيث أبلغتها ريم انه اتُخذت إجراءات لإعادتها إلى مخيمات لبنان بعد أن قضت أربع سنوات في ألمانيا وتعلمت اللغة والثقافة الألمانيتين، فقط لكونها مهاجرة، وقالت ريم ذلك بلغة ألمانية واضحة وهي مدمعة العين، فربتت ميركل على كتفها أولا وقالت لها: لقد دافعتِ بقوة عن موقفك ولكن ليس باستطاعة ألمانيا فتح أبوابها لعشرات الآلاف من المهاجرين من آسيا وأفريقيا. ولكن بعدما أصرت المذيعة على أن الموضوع لا يمكن حله فقط بالكلام، تقدمت ميركل من الفتاة وقالت لها «لن نضعك في هذا الموقع». وبعد فترة قصيرة، أصدرت ميركل قراراً حكومياً يمنع التعامل باجحاف وقسوة مع المهاجرين على الحدود الألمانية وأعلنت أن أبواب ألمانيا مفتوحة للمهاجرين من بلدان يُمارسُ فيها القمع، مضيفة: «طالما أنا المستشارة الألمانية لن يُمارس القمع ضد المهاجرين على الحدود الألمانية» (ص 267). وهنا ارتقت ميركل إلى موقف القائدة العالمية، حسب قول الكاتبة.
ولعلها لو ظلت في منصبها السابق ستقول الشيء نفسه إزاء المهاجرين الأوكرانيين على الرغم من ان علاقتها كانت عادية ولأسباب اقتصادية مع نظام بوتين في روسيا.
وقد دفعت ميركل ثمناً غالياً داخلياً وخارجياً (حسب المؤلفة) بسبب مواقفها المناوئة للعنصرية ضد المهاجرين من أحزاب نيو نازية ألمانية ومن بعض الوزراء في حكومتها. وبعدما أصدرت القرار بعدم التشديد على المهاجرين في تموز (يوليو) 2015 ارتفعت أعدادهم من مئتي ألف في عام 2014 إلى ثمانمئة ألف عام 2015 وزادت عن المليون بعد ذلك. ولكن حوالي الثلثين بينهم عثروا على وظائف وأعمال في ألمانيا ما أثبت صحة خيارها (ص 268 و269).
من الأمور اللافتة في هذا الكتاب هو تشبيه المؤلفة لانغيلا ميركل بالملكة البريطانية اليزابيت الثانية في التعامل مع القضايا الخطيرة في بلديهما وفي طليعتها (مؤخراً) قضية انتشار فيروس كورونا «كوفيد» واضطرار السلطة إلى حجز حريات الناس والطلب إليهم البقاء في منازلهم خلال عطلة عيد الميلاد في عام 2020 كما في مواجهة السياسات الأمريكية المتسرعة للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب ومحاولات حكومة بوريس جونسون البريطانية الترويج لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.
تقول الكاتبة في هذا المجال: «إذا كان من المفيد العثور على شخصية موازية في مواقفها وتصرفاتها لانغيلا ميركل بين قادة العالم، فالأقرب إليها، وربما ذلك أمر مفاجئ، كانت الملكة البريطانية اليزابيت الثانية. فمع ان موقع الملكة من جهة وميركل من جهة أخرى (سياسيا) مختلفان فإن توجه الملكة وتوجه ميركل إلى شعبي بلديهما خلال أزمة كورونا كانا متشابهين وخصوصاً في الفترة الحرجة بين آذار (مارس) ونيسان (ابريل) 2020. فالقائدتان توجهتا بمحبة وتعاطف مع شعبيهما ومع كل شخص في وطنيهما يُطلبُ منه البقاء في منزله أثناء عطلة الميلاد وعطلة الفصح آنذاك. ولم تأت هذه المواقف من منصبين متعاليين قمعيين أو سلطويين بل أتت مع الاعتذار بتواضع ومع الألم حتى ان ميركل أدمعت عينيها عندما قامت بهذه المهمة الصعبة الصحية والأخلاقية (ص 303).
وهكذا كانت (حسب المؤلفة) معظم مواقف ميركل في شتى القضايا الأساسية. فهي لم تدّع في أي لحظة بانها تريد أن تغير العالم ولم تستخدم التعابير اللفظية الرنانة، ولكنها بالفعل غيرت العالم بحيث فرضت المبدأ القائل بان «ما أفعله هو أكثر أهمية مما أُصرحُ به كلامياً» (ص 304).
إذن، ففي قضية تعامل بوتين مع أوكرانيا فإن ميركل كانت ستشجب العمليات العسكرية التي قام بها النظام الروسي حالياً والتي كانت ستعتبرها عمليات ضد الشعب الأوكراني (حسب المؤلفة) برغم المصالح الاقتصادية والنفطية والغازية لألمانيا مع بوتين.
وفي الفصل (18) تطرح الكاتبة مقارنة بين نظامي الرئيس دونالد ترامب في أمريكا وانغيلا ميركل في ألمانيا قائلة: «إن عام 2021 بدأ في فترة قصيرة قبل خروج الرئيس دونالد ترامب من الرئاسة الأمريكية، وانتهى قبل فترة محدودة أيضاً من قرار انغيلا ميركل ترك منصبها الأول في ألمانيا كمستشارة. ولكن كلا منهما ترك منصبه بطريقة مختلفة وترك من بعده ميراثاً سياسياً مختلفاً. فترامب تمسك بمنصبه ورفض التخلي عنه إلا بالقوة فيما رفضت ميركل المبادرات التي دعتها إلى البقاء في منصبها، ولعلها كانت ستلعب دوراً أساسياً في تخفيض حدة الأزمة الروسية ـ الأوكرانية لو بقيت. فقد كانت ميركل في كثير من الأحيان قادرة على لعب دور يساهم في الوساطة وحلحلة الأزمات وخصوصاً بين المعسكرين الشرقي والغربي السياسيين، علماً انها اختيرت للمستشارية الألمانية (حسب الكاتبة) بعدما انفصلت بعض دول أوروبا الشرقية عن المعسكر السوفييتي وانضمت بعضها إلى الاتحاد الأوروبي ولعمق معرفتها بالأجواء في دول أوروبا الشرقية.
وتعتبرُ المؤلفة انه يتواجد اختلاف كبير في توجهات ميركل، من جهة، ودونالد ترامب من جهة أخرى، وان الاثنين يمثلان نموذجين مختلفين جداً في القيادة السياسية (ص 308).
وتؤكد في الفصول الأولى ان ميركل، وبعد تخليها عن منصب المستشارية الألمانية، لن تعود إلى ممارسة السياسة بشكل رسمي ومباشر، ولكنها ستظل مراقبة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتتمنى الكاتبة لو تتسلم ميركل منصباً كبيراً في مؤسسة دولية فاعلة كالأمم المتحدة، كما يتمنى ذلك كثيرون في أوروبا والعالم. فقد استطاعت البقاء لفترة طويلة في القمة السياسية في بلادها المعقدة سياسياً بفضل مواقفها المعتمدة على الديمقراطية في التعامل، حتى مع الخصوم داخل حزبها وخارجه وداخل المجموعة الأوروبية وخارجها. وألمانيا ليست دولة صغيرة وضعيفة، بل أقوى دول أوروبا اقتصادياً وسياسياً. كما انها واجهت وتعاملت مع كبار قادة العالم من دون الانحناء أمامهم. ولعل المستشار الألماني أولاف شولتز وبرغم كونه من حزب معارض لحزبها ما زال يستشيرها في القضايا المصيرية الكبرى، وبينها القضية الروسية ـ الأوكرانية.
وميركل كانت القائدة الأولى لدولة في المعسكر السوفييتي الغربي (ألمانيا الشرقية) واحتلت منصبها القيادي في الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني في 22 كانون الأول (ديسمبر) 1999 بعد المستشار هيلموت كول. وبعد ذلك بخمس سنوات أصبحت المستشارة في النظام الألماني. وهو منصب كان يسيطر عليه الرجال الألمان الغربيين وأصبحت نموذجاً لنساء ألمانيا والعالم.
أهم مواقفها خلال دورها كمستشارة لألمانيا كان تمسكها بمشروع «نورث ستريم 2» لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، وهو مشروع تُطرحُ حوله التساؤلات حالياً بعد المواجهة العسكرية بين بوتين وأوكرانيا ومعسكر «الناتو» الغربي. وبالتالي، فموقفها الحالي في هذا المجال في محط الأنظار، حتى إذا لم تُعلِن عنه صحافياً وإعلامياً، ومعظم الجهات بانتظاره.
وكما كانت ميركل في الماضي في مواقف مواجهة وبشجاعة لمواقف دونالد ترامب وجورج بوش الابن وبوريس جونسون وغيرهم فمن المنتظر ألا تكون متحفظة في مواقفها إزاء الأزمة الروسية ـ الأوكرانية. فهي لم تكن قائدة شعبوية عندما كانت في السلطة ولن تصبح كذلك وهي خارج السلطة.
ومن الأمور اللافتة في مواقف ميركل خلال أزمة كورونا «كوفيد» أنها ولكونها تملك أعلى الشهادات في الكيمياء التطبيقية، كانت تحاور الخبراء الصحيين في بلدها وأوروبا من منطلق الخبيرة في هذه الشؤون على خلاف قادة المعسكر الغربي الآخرين الذين كانوا إما يرضخون لما يقوله لهم الخبراء الطبيون أو يعارضونهم عن سذاجة وشعبوية.
وميركل، زيادة عن كونها سياسية مخضرمة وتملك المؤهلات العلمية، فقد امتلكت أيضاً (حسب المؤلفة) المؤهلات الشخصية، للصبر قبل اتخاذ القرارات ولدراسة الأمور بتأنٍ وحكمة. وكانت تربط أيّ قرار باحتجاز الناس في بيوتهم بالاحتجازات التي كانت تمارسها الأنظمة الديكتاتورية في العالم في الماضي والتي مارستها بعض الأنظمة في الفترة الأخيرة في بلدان آسيوية. وهنا أيضاً برزت انغيلا ميركل كقائدة مختلفة عن غيرها من القادة في القرن الماضي والحالي بحيث دمجت القيم الغربية الإيجابية بالقيم الشرقية الإيجابية في مواقفها عموماً والتي يحتاجها العالم حالياً.
Marion Van Renterghem: «Merkel C’Etait»
Editions Des Arenes, Paris 2021
321 Pages.