من خلال العازفة الألمانية ماغدالينا هوفمان، يمكن سماع آلة الهارب بشكل منفرد، والتعرف على صوتها من جديد، وطاقاتها الفنية والتعبيرية، التي قد لا تظهر بالكامل في المشاركات الأوركسترالية، وآلة الهارب من أقدم الآلات الموسيقية على الإطلاق، عرفتها بعض الحضارات العريقة، كالحضارة السومرية في العراق، وكانت موجودة في أزمنة الفراعنة المختلفة وأسرهم المتعاقبة، وخلدتها نقوشهم على جدران المعابد والمقابر، وفي الأوركسترا عادة يوجد ثنائي الهارب، خلف مجموعة الكمان والفيولا، لكن هناك من استخدم أكثر من آلتين، مثل فاغنر، الذي وظف ست آلات دفعة واحدة في «شفق الآلهة» ويكون مهيباً مشهد اصطفاف آلات الهارب الضخمة في الجزء الأعلى خلف الأوركسترا المخصص للآلات الإيقاعية.
وللهارب شكل مميز وقديم، حيث تبدو هذه الآلة وسط بقية الآلات الموسيقية كقطعة عتيقة آتية من التاريخ البعيد، بهيكلها الثلاثي، وعمودها الذهبي الفخم الأنيق، والصندوق الخشبي الضخم المزين بالنقوش والزخارف في بعض الأحيان، والأوتار الكثيرة التي تختلف أطوالها وتتعدد ألوانها، والقاعدة الدائرية المزخرفة أيضاً، والمثبت فيها أكثر من بيدال، كما أن طريقة جلوس العازفة إلى الهارب، والشكل الذي يتخذه الجسد أثناء العزف يكون مميزاً أيضاً ومختلفاً، حيث تكون الآلة بين ذراعي العازفة، يدها اليمنى على جهة، ويدها اليسرى على الجهة الأخرى من الأوتار، ويتم تبديل المفاتيح الصوتية باستخدام القدم، وأحياناً تُميل العازفة هذه الآلة الضخمة لتستند إلى كتفها، وأحياناً تبقيها ثابتة مرتكزة على القاعدة الدائرية.
لا يمكن القول إن الهارب من الآلات التي ألف لها الموسيقيون الكثير من القطع المنفردة، ولا يعني ذلك أنه قد تم إهمالها أو تناسيها، أو أن دورها غير مهم، فهي من الآلات الأساسية في الأوركسترا، ولصوتها الحضور المميز في الكثير من المقطوعات العظيمة، ويلاحظ أن المؤلف الموسيقي يعتمد على هذه الآلة في المواضع الحالمة الشاعرية، والأكثر خيالية، في ألحان الباليه والأوبرا والسيمفونيات والقصائد السيمفونية، وبعض القوالب الموسيقية الأخرى، والتأثير الذي يصنعه صوت الهارب، ربما لا يجده المؤلف في آلة أخرى، بهذه الدقة والحساسية، ورسم الصورة الخيالية المطلوب خلقها في الذهن، إذا ما أراد التعبير عن حلم، أو ظهور حورية من الحوريات، أو تألق النجوم وانتثارها في السماء، أو جمال الطبيعة، كتدفق صوت المياه على سبيل المثال، ورغم أن الهارب من الآلات الوترية التي يتم العزف عليها عن طريق النبر بالأصابع مباشرة على الأوتار، بلا قوس أو ريشة أو مضراب، إلا أنه يكاد يكون مستقلاً عن عائلة الوتريات القوسية، ويشكل مجموعة بذاته لفرادته الصوتية والشكلية.
ومن أعمال الموسيقي الإيطالي أوتورينو ريسبيغي، تعزف ماغدالينا هوفمان قطعة بعنوان Notturno Lento وهي مؤلفة في الأصل لآلة البيانو، لكنها تناسب الهارب كثيراً، وهي تبدأ خافتة من أهدأ النغمات، ثم يعلو الصوت بشكل يظهر قدرات هذه الآلة.
تقوم ماغدالينا هوفمان بعزف بعض المقطوعات التي تم تأليفها للهارب المنفرد، أو للهارب بمصاحبة آلات أخرى، وكذلك تعزف مؤلفات للبيانو وللأوركسترا، وتقدمها في نسخة جديدة على أوتار الهارب، وتتحكم هذه العازفة الرقيقة في الآلة الضخمة جيداً، وتبدو في أناملها القوة الكافية التي تمكنها من تطبيق تقنيات العزف المختلفة، كما أنها تجيد التواصل البصري مع الأوتار، والسمعي مع اللحن نفسه، والتأثر به وهو ما يظهر من خلال تعبيرات الوجه أثناء العزف، ومن القطع التي تعزفها قطعة بعنوان Movimento rapsodico لكريستوف ماير، وتعتمد على اليد اليمنى في لعب الخط الميلودي الرئيسي، بينما تقوم اليد اليسرى بالنبر المتقطع على الأوتار، وسرعان ما يتشتت اللحن ويتناثر ويختفي الميلودي، ويتحول العزف كله إلى النبر المتقطع، والانسحابات العنيفة التي تخلق التصاعد الصوتي، ثم العزف على الأوتار القصيرة التي تكون في الجزء القريب من وجه العازفة، ويكون صوتها حاداً ومرتفعاً في طبقته، على العكس من الأوتار الطويلة البعيدة ذات الصوت الغليظ في طبقاته المنخفضة، ومن مؤلفات كلود ديبوسي للهارب والوتريات تعزف ماغدالينا هوفمان على الهارب في قطعة بعنوان Danse sacrée et danse profane وتصاحبها مجموعة الوتريات القوسية الكاملة، التي تبدأ هي اللحن، وسريعاً يدخل الهارب بنغمات شاعرية حالمة، لن يسمح ديبوسي بأن تظل مريحة للأذن وسلسة السماع، وقد استلهم هذه القطعة من الحضارة اليونانية القديمة، وحاول التعبير من خلالها عن الرقص المقدس لديهم، والرقص الدنيوي أيضاً، حيث تنقسم القطعة إلى قسمين، وتبدأ بالرقصة المقدسة، وهي ذات طابع هادئ، ويلاحظ فيها عدم تكرر الميلودي، ما يصعب تذكر هذه الموسيقى ويسبب عدم رسوخها في الذهن، ويعد ديبوسي من أهم الأسماء في المدرسة الانطباعية، وله أسلوبه الغريب في صياغة الألحان الذي لا يخلو من الغموض.
ومن أعمال الموسيقي الإيطالي أوتورينو ريسبيغي، تعزف ماغدالينا هوفمان قطعة بعنوان Notturno Lento وهي مؤلفة في الأصل لآلة البيانو، لكنها تناسب الهارب كثيراً، وهي تبدأ خافتة من أهدأ النغمات، ثم يعلو الصوت بشكل يظهر قدرات هذه الآلة، وإلى أي مدى يمكن أن ترتفع بنغماتها، وهي قطعة شاعرية جميلة غير معقدة، ولا تتطلب من المستمع أو تفرض عليه مشقة البحث المضني عن جماليات الموسيقى فيها بلا جدوى، ومن الهدوء والنعومة في البداية، تتحول إلى القوة في نصفها الثاني، لكن بشكل جميل أيضاً، ثم تعود إلى الهدوء وإلى الجملة اللحنية الأساسية الرائقة، وتظهر هذه القطعة أيضاً الفرق بين استخدام اليد اليمنى واليد اليسرى، والأثر الصوتي الذي يحدثه كل منهما، بشكل يوحي أحياناً بالاستماع إلى آلتين لا آلة واحدة، ومن القطع المؤلفة للبيانو أيضاً، وتحولها هوفمان إلى معزوفة للهارب، قطعة بعنوان Nocturne in B-flat major لجون فيلد، في هذه الليلية يبدو سحر الهارب وبساطته وتعقيده في الوقت نفسه، وقدرته على القيام بما يمكن أن يصنعه البيانو بمساحته الصوتية التي تفوق الهارب، تعزف ماغدالينا هوفمان الخط الميلودي الرئيسي بيدها اليسرى، بحركات سريعة متلاحقة على الأوتار، بينما تقوم اليد اليمنى بمنح بعض التأثيرات الإيقاعية، ثم يتغير الأمر إلى حركات مختلفة سريعة باليدين في وقت واحد، والذهاب أحياناً إلى أقصر الأوتار لخلق لمسات لطيفة خاطفة، وتنتهي القطعة بالذهاب إلى الأوتار الطويلة وصوتها الرخيم، ومن أجمل مؤلفات فريدريك شوبان التي تعزفها ماغدالينا هوفمان قطعة بعنوان Valse in A Minor كان قد ألفها للبيانو المنفرد، وتتكون من ثيمة رئيسية تتكرر لمرتين، ثم ثيمة أخرى قصيرة تتكرر لثلاث مرات، ثم تعود الثيمة الرئيسية مرة أخرى، وهكذا يتم الانتقال بين الثيمتين، وهي قطعة هادئة حزينة، ويزيد التعبير عن الحزن في ارتعاشات الأوتار في نهايتها على وجه الخصوص، كما أنها ذات حركة دائرية يمكن تكرار الاستماع إليها لوقت طويل، وكأنها تتجدد تلقائياً، وهي تعبر عن الحزن برقة صافية وشفافة، وممتعة عندما يتم الاستماع إليها بصوت البيانو، ولا تقل متعة وجمالاً بصوت الهارب الذي أضاف إليها سحراً جديداً.
كاتبة مصرية