مانديلا وتأملات مصرية من أجل الحرية

حجم الخط
0


يقول مانديلا ‘في الوقت الذي كنت أسير فيه نحو البوابة التي ستقودني إلى الحرية، عرفت أنني إن لم أترك المرارة والكراهية خلفي سأظل في السجن’. ولعل تلك الكلمات نفسها أوضح تعبير عن حياته وتأثيره على جنوب أفريقيا في مرحلة إنهاء الفصل العنصري ‘الابارتيد’ والسير نحو الديمقراطية. ورغم أهمية تلك المرحلة في حياة مانديلا وحياة جنوب أفريقيا ورؤية العالم لتجربتها الخاصة في محاربة الفصل العنصري وبناء أسس للتعايش بعد تاريخ طويل من المرارة والكراهية كما قال، إلا انها مجرد جزء من صورة مناضل تم تدشين مكانته وهو في محبسه الطويل من أجل الحرية.
وكما يحمل فصل التحرر من السجن الكثير من المعاني والقيم للشخص والفكرة، فإن فصل السجن يحمل الكثير أيضا في ما يخص النضال من أجل الفكرة، وإعادة تعريف السجن والسجان، والمنتصر والخاسر في معركة الحرية.
ظل مانديلا سجينا لما يقرب من ثلاثة عقود، ولكنه في محبسه كان دوما أقوى من سجانه، وكان حضوره أكثر تأثيرا من تأثير السجن والسجان. وكان في فعل البناء والإعداد لمرحلة ما بعد التحرر من الفصل العنصري عبر حياته في السجن ونضاله من أجل تعليم من معه وإعدادهم للمستقبل، مدشنا لقيم كثيرة تخص التعليم والمعرفة ودورهم في بناء الشخص وتمكينه، بالإضافة إلى بناء المستقبل والرهان عليه وعدم الاستسلام لإحباط الواقع.
وفي مقولته حول التحرر من المرارة والكراهية مع التحرر من السجن، إشارة مهمة للفارق بين السجن المادي والسجن المعنوي. فالأول قد تضعك فيه السلطة ظلما وقد تفرج عنك منه تفضلا ورغبة في تحسين الصورة، ولكن الثاني معنوي يكبلك من الداخل ويشدك دوما إلى الماضي فيمنع التحرر ويجعلك حبيس المرارة والكراهية. الأول قد يسقط البعض فيه، لكن الثاني قد يسقط فيه عدد أكبر وربما مجتمع كامل.
ولعل أخطر ما في السجن الداخلي قدرته على تحويل الحياة إلى مباراة صفرية، فلا قدرة على التعايش مع الآخر، ولا إمكانية لقبوله. فالسجن الداخلي وحش مخيف يأكل الانسان ويدمر انسانيته قبل أن يبدأ في تدمير ما حوله، حتى ان تمت عملية التدمير تحت شعار البناء فهو بناء هش يحمل عوامل انهياره في داخله.
مات مانديلا وكلماته في الخلفية، ‘لا تحكم عليّ بما حققت من مكاسب، ولكن بالمرات التي استطعت أن أقف فيها بعد كل سقوط’. ولأن المرض والموت ليس معركة نضال في تلك الحالة فمحصلة حياته ستكون العديد من مرات الفشل والنجاح، وهي سمة من السمات المهمة في لحظة الوداع. فمانديلا رغم مكانته عاش حياته مثل البشر بكل ما فيها من حب ومعاناة، مرارة وفرح، ضعف وقوة، ألم التخلي عنه وسعادة الوقوف بجواره، ومرض وموت.. هو تعبير عن أن البطولة الحقيقية في الحياة لا يمثلها ‘سوبرمان’ كما في عالم الأفلام، ولكنه انسان عاش الحياة في عاديتها غير عادية وفي تأثيرها تتجاوزه بمراحل. أدرك مانديلا أن الشجاعة لا تعرف بعدم الخوف ولكن في قدرة الانسان على مواجهة الخوف. وأكد بكلماته تلك وغيرها، وبحياته بما فيها من صعود وهبوط وخوف ومواجهة، على أن الانسان قادر على إحداث الفارق في الحياة. ولكن هذا الانسان يحتاج من أجل هذا إلى المعرفة والتعليم لأنها الأدوات التى ستمكنه من التغلب على خوفه ومعرفة حجم عدوه، وتعظيم قدراته.
كما أكدت ردود الفعل السريعة والحزينة والمتنوعة التى تلت موته على قيمة الفرد الذي صادف في تلك الحالة أن يكون سياسيا وليس فنانا أو شاعرا ومفكرا، كما يمكن أن يتصور البعض بما جعل بعض الكتابات تصفه بالسياسي الوحيد الذي سيتم افتقاده، وقد نقول انه واحد من قلة يتم افتقادهم بعد الرحيل. فرغم الجدل الذي يحيط بالسياسة ومن يعمل بها، يمكن وضع مانديلا في قائمة قصيرة يمكن ان يفتقد فيها السياسي لانسانيته وسياسته.
كما يمكن ان نتذكره بأنه واحد من قلة كان خيارهم السير في طريق الوطن والتضحية من أجله وترك الكرسي عندما وصل لهم من أجل إعطاء الوطن فرصــــة للنمو بعيدا عن هـــــالة الشخص ومحبته. معادلة صعبة في الحياة السياسية، ولكنه كان قادرا على إعلاء الدولة وهو ما سمح بتطــــور تجربة جنوب أفريقيا في طريق الديمقراطية، وسمح له بأن يظل حيا في الذاكرة كنموذج يرجو البعض أن يقترب منـــه السياسيون مع إدراكهم أن الرجاء والأمنيات ليست كافية، وأنها ضعيفة عادة أمام بريق الكراسي.
وبالمجمل، يظل مانديلا روحا ورمزا خاصا بالحرية والنضال، ويظل حاضرا لأجيال بعده لأنه دافع عن قيمة لا تقبل التنازل عنها وهي الحرية والكرامة والانسانية.
على الجانب الآخر من الصورة، يأتي موت مانديلا في لحظة فارقة في النضال من أجل الديمقراطية في مصر والعالم العربي، وكأنه بموته يعيد التأكيد على قيمة حياته ونضاله وأهمية التحرر من السجن المادي والمعنوي. وفي نفس الوقت التأكيد على أن الفكرة لا تموت ما دام هناك من يتعهدها بالرعاية. فالجدران لا تحبس فكرة، والسجين ليس هو الأضعف في مواجهة السلطة عندما لا تملك إلا جدرانا. فليس كل السقوط نهاية، وليست كل السجون عقابا للمسجون فأحيانا تعاقب السجان.
ولكن كعادة الاحداث في مصر وطريقة التعامل معها، سارع البعض بعد ساعات من موت مانديلا إلى الحديث عن المصالحة مع الماضي، بمعنى قبوله أو قبول جزء منه من دون حساب، في حين سارع البعض الآخر إلى الإشارة لواقع جنوب أفريقيا الاقتصادي والفجوة في الثروة ومعاناة الفقراء للتأكيد على أنها أخطاء المصالحة، وللتأكيد على ضرورة رفض المصالحة لصالح الفقراء. ولكن وسط تلك المقولات تبدو إشكالية الواقع المصري والعربي في عمومه في تعامله مع الخبرات الأخرى. فكل تجربة في النهاية وليدة لمجتمعها، وكل شخص جزء من خبرة المكان حتى ان ترك اثارا تتجاوز اللحظة التاريخية والجغرافيا وتمتد عابرة للحدود، كما فعل مانديلا وغيره من رموز الحرية والنضال في العالم. ولا تعني الإشارة إلى نجاح تجربة ضرورة تبنيها بكل أبعادها، ليس لأنه أمر غير ممكن لاختلاف الأشخاص فقط، ولكنه غير ممكن لاختلاف السياق الداخلي والإقليمي والدولي، وهي أهم أسس المقارنة.
قدم مانديلا تجربة يمكن التعامل معها بوصفها رفض الانتقام والالتزام بالسياسة والقانون. قد يكون بحكم المرارة والكراهية وتجربة النضال اختار ما رآه الأفضل لجنوب أفريقيا ولواقع الفصل العنصري فيها، وقد يكون رهانه الأساسي تأسس على إصلاح تدريجي للخلل الاقتصادي يرتبط ببناء ديمقراطية من شأنها ان تزيد من تمكين البشر ومن رغبة الدولة في تقليص الفجوة حتى يتوافق إصلاحها السياسي مع واقعها الاقتصادي والاجتماعي. ولكنه في النهاية لم يتبع منهج الانتقام، ولم يستغل المكانة التي تمتع بها، ولا التأييد الكبير الذي حصل عليه للجلوس على كرسي الحكم والانتقام ممن ساهم في ممارسات الواقع العنصري رغم معاناته من ويلات هذا الواقع.
ما يمكن الاستفادة به من تجربة مانديلا، أن هناك ضرورة لبناء دولة حديثة قائمة على حكم القانون. وأن ترسيخ تلك الدولة لا بد أن يعتمد على قواعد العدالة القائمة على المحاسبة وفقا لقانون لا يميز بين أحد، ولا يستثني أحدا، ولا يبالغ في عقاب أحد بسبب الانتماء لتيار سياسي معين أو لمكانته الاجتماعية في المجتمع. فقيمة القانون في تجرده، وفي محاسبته وفقا لمقياس واحد سليم وعادل. وقيمة المحاسبة ألا يتم استثناء مرحلة وعقاب مرحلة. تلك المحاسبة الضرورية للماضي تستفيد من تجربة مانديلا في أهمية الا تسقط في فخ الانتقام، والا تظل حبيس فكرة المحاباة التي أورثتنا الفساد وساهمت في الإفساد لعقود طويلة.
قيمة تجربة مانديلا، في إعلاء الانسان حتى في لحظة الاختلاف. والا يتحول السجين إلى سجان يتفنن في بناء السجون وإقامة الجدران العازلة وتحويل الفصل العنصري من تمييز ضد طرف مظلوم لتمييز ضد طرف آخر، لأنه كان ظالما. قيمته الا يحدث هذا تفضلا من طرف على آخر، ولكن إعلاء لقيمة الدولة والمواطنة والقانون والحقوق المطلوبة.
اختار مانديلا وفقا لتجربته وتجربة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، أصاب وأخطأ. ولكنه لم يتحول إلى جنوب أفريقيا، ولم تتماه فيه الدولة، وترك الدولة ومؤسساتها لتنمو بعيدا عن الشخص. وأكد وقوفه ضد السيطرة البيضاء والسوداء وتمسكه بالنموذج الديمقراطي الحر. وبدورنا علينا أن نختار إعلاء الدولة والقانون، والا نستخدم مشكلات جنوب أفريقيا للتأكيد على أن المصالحة لا تفيد، أو للدعوة للنسيان وعدم المحاسبة. البعض يرى في مصر الحاضر فرصة لنسيان عقود فساد وإفساد الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، في نفس الوقت الذي ترفع تلك الأصوات نفسها صوتها عاليا لتغليظ العقاب على مرحلة الرئيس المصري المقال محمد مرسي. وتتعدد الأصوات هنا وهناك حول رؤى مختلفة أو متقاربة من تلك الدعوات وسط آلة إعلامية ضخمة تتبنى الرؤية الأولى وتدعو لها، باعتبار أن اخطاء عام من حكم مرسي تتفوق على عقود من حكم مبارك، متناسين أن ما اوصلنا لحكم مرسي هو نفسه عقود حكم مبارك، وما أدى إلى الثورة هو حكم مبارك، وما زاد من الجهل والفقر والمرض والمعاناة والشعور بالظلم هو حكم مبارك.
لا أدعو شخصيا إلى النسيان بمعنى التغاضي عن حقوق الوطن والبشر، سواء في ما يخص مبارك أو مرسي، ولا يتناقض هذا عندي مع دعوة مانديلا إلى عدم الانتقام، ولكن أضيف عليها ضرورة المحاسبة لترسيخ دولة القانون التي قامت الثورة من أجلها ضمنا، فهي وحدها القادرة على المحاسبة وضمان العدالة الاجتماعية والعيش والحرية.
كان مانديلا وسيظل فكرة، ولكن لكل فكرة بيئة تنمو فيها، وككل نبت علينا أحيانا ان نوفر التربة الصالحة له، أو نعيد التحكم في الأجواء المحيطة به من أجل نجاح الإزهار. ولهذا ربما يكون علينا أن ندرك أنها ثورة وتم دفع ثمن لها، وأن مقولة التاريخ لا يعود إلى الخلف لا تقتصر على مرسي وحكمه فقط، وان الحساب وفقا للقانون لا يقوم على الانتقائية أو إسقاط مرحلة ومحاسبة أخرى.
علينا أن نخرج من سجننا الداخلي وألا نظل في دائرة المرارة والكراهية، ولكن علينا ألا نعيد تعريف تلك المرارة والكراهية وفقا للحظة وصوت المنتصر لأنها ستظل موجودة وقابلة للتضخم في لحظة ما عندما نستيقظ على واقع غير ما أردنا.
يغادرنا مانديلا في سلامه ووسط هالته التي صنعها بنضاله كانسان، ويتركنا في صراعنا من أجل الفكرة وحولها وكأن علينا دوما أن نعيد تعريف أبجديات الأشياء فيمر العمر ونحن لم نصل بعد لمحطة القطار. ولعله من المهم أن نشير في النهاية إلى حقيقة أننا جميعا نتذكر مانديلا، وان ملايين يشتركون في الاحتفاء به حول العالم، ولكن من منا يتذكر اسم السجان أو يحتفل به في حياته أو مماته؟
الفكرة أقوى من السجن، وصاحب الفكرة حيا رغم الغياب ومصر الحلم أقوى من اللحظة.. وسيظل مانديلا حاضرا رغم الغياب.

‘ كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية