تونس: فاز الترجي الرياضي التونسي بالنسختين الأخيرتين لدوري أبطال إفريقيا و لعب كأس السوبر الإفريقي مع فريقين من شمال القارة هما الرجاء البيضاوي المغربي والزمالك المصري الفائزين بالنسختين الأخيرتين من كأس الإتحاد الإفريقي. وفاز المنتخب الجزائري مؤخرا بكأس الأمم الإفريقية ووصل معه إلى المربع الذهبي في كان مصر 2019 منتخب آخر من شمال القارة هو المنتخب التونسي، وقبل ذلك تأهلت منتخبات تونس و المغرب و مصر إلى نهائيات كأس العالم روسيا 2018.
وتأهلت ستة نواد من شمال إفريقيا إلى الدور ربع النهائي من دوري أبطال إفريقيا من أصل ثمانية وهي الترجي الرياضي التونسي حامل اللقب و النجم الرياضي الساحلي و كلاهما من تونس ونادي الزمالك و النادي الأهلي من مصر و الرجاء و الوداد البيضاويين من المغرب. فيما لم يتأهل من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء سوى نادي مازمبي الكونغولي وسان داونز الجنوب إفريقي اللذين لعبا الأدوار الأولى أيضا في النسخة السابقة لهذه البطولة التي يشتد حولها التنافس و تؤهل الفائز بها إلى بطولة العالم للأندية.
فهل عادت بلدان شمال القارة لتهيمن مجددا على الكرة الإفريقية بعد سنوات من هيمنة بلدان إفريقيا جنوب الصحراء على مستوى المنتخبات بالخصوص و تألق منتخبات الكامرون و نيجيريا و ساحل العاج و غانا و السينغال و تطور أداء منتخبات من جنوب الصحراء كانت مغمورة في السابق على غرار مالي و بوركبنا فاسو و الرأس الأخضر ومدغشقر و غيرها؟ هل أن تألق الجزائر في كأس العالم 2014 بالبرازيل ثم فوزها بكأس أمم إفريقيا 2019 ووصول منتخبات تونس والمغرب و مصر إلى نهائيات كأس العالم روسيا 2018 يمكن اعتبارها مؤشرات على عودة شمال إفريقيا للهيمنة على القارة على مستوى المنتخبات؟
و هل أن فوز الترجي التونسي بدوري أبطال إفريقيا بصورة متتالية، و قبله فعلها الأهلي المصري، وترشح نوادي شمال القارة بالجملة إلى الأدوار المتقدمة من هذا الدوري مؤشرات على الهيمنة المنفردة على هذه المسابقات من قبل نوادي شمال القارة؟ وهل أن غياب النوادي الإيفوارية والنيجيرية و الغانية و الكامرونية وغيرها من النوادي التي لعبت سابقا الأدوار الأولى و نافست نوادي الشمال مؤشر على أفول نجم هؤلاء على غرار آساك ميموزا و أفريكا سبور الإيفواريين و كانون ياوندي الكامروني و نادي قلوب الصنوبر الغاني؟
مما لا شك فيه أن بلدان إفريقيا الشمالية عريقة في كرة القدم و لديها تاريخ وأرقام قياسية وتقاليد وتألقها في السنوات الأخيرة لم يأت من فراغ، فقد ترشحت تونس إلى نهائيات كأس العالم في الأرجنتين سنة 1978 وكان يومها يترشح منتخب وحيد من القارة الإفريقية وتألق نسور قرطاج في النهائيات وهو ما دفع الفيفا إلى إضافة منتخب ثان للقارة نتيجة لهذا التألق. ثم تألقت الجزائر في مونديال إسبانيا 1982 والمغرب في المكسيك 1986 و هوما دفع الفيفا إلى إضافة منتخب ثالث للقارة ليستقر الأمر على خمسة لاحقا بعد تألق الكامرون و نيجيريا.
كما أن منتخبات مصر و تونس و الجزائر و المغرب متوجة بكأس الأمم الإفريقية و الريادة إفريقيا هي لمصر بثماني كؤوس بعضها تم الحصول عليه قبل استقلال باقي بلدان شمال إفريقيا و كذا بلدان إفريقيا جنوب الصحراء حين كانت مصر تشارك فقط مع السودان و أثيوبيا. و للأهلي المصري أيضا الريادة إفريقيا في الفوز بدوري أبطال إفريقيا في حين أن الترجي التونسي هو النادي الإفريقي الوحيد الفائز بكل الألقاب الممكنة وهي بطولة دوري أبطال إفريقيا و كأس إفريقيا للأندية الفائزة بالكأس و كأس الإتحاد الإفريقي و كأس السوبر الإفريقي و الكأس الأفروآسيوية التي تم إلغاؤها بعد بعث كأس العالم للأندية
كما لم تعد الغلبة لنجوم إفريقيا جنوب الصحراء في التألق في كبرى النوادي الأوروبية حيث عاد “الشماليون” إلى البروز ولفت الإنتباه ويكفي في هذا الإطار ذكر إسمي رياض محرز ومحمد صلاح ليدرك المرء القيمة الفنية للاعب الشمال إفريقي عموما. فالمنطقة تزخر بأمثال هؤلاء خصوصا في أصناف الشبان والذين ينتظرون الفرصة للبروز شريطة حسن الإختيار والتخطيط الجيد للمسيرة والخروج في الوقت المناسب.
يبدو فعلا أن الكرة الشمال إفريقية عائدة من بعيد لاحتلال موقعها الذي تستحق والذي يليق بتاريخها وعراقتها في المجال الرياضي. وتساهم في ذلك عدة عوامل لعل من أهمها تعود عرب إفريقيا على اللعب في الظروف الصعبة في مجاهل القارة السمراء واكتسابهم الخبرة بعد أن كانوا في السابقين يشتكون من الطقس الحار والرطب و من أرضية الميدان السيئة ومن ظروف الإقامة غير المريحة و من التحكيم غير المنصف. لقد اقتنعوا بالنهاية وعلى ما يبدو بأن تلك هي إفريقيا قارتهم ولا مفر لهم من التعود على تلك الظروف والتباري بندية لاكتساب الألقاب.
كما تفطن عرب شمال إفريقيا إلى أن الإحتراف في أوروبا سيساهم في تطوير أداء أبنائهم فأصبحوا لا يتشددون في خروج لاعبيهم في سن مبكرة للإلتحاق بالقارة العجوز و تعزيز المنتخبات بمعية من ولدوا في أوروبا من أبناء المهاجرين. و قد فسح الإحتراف المجال لبروز لاعبين جدد خصوصا في النوادي المحلية الكبرى على غرار الترجي التونسي و الأهلي المصري و الرجاء البيضاوي و غيرهم، فعلى سبيل المثال لولا احتراف نصف تشكيلة الترجي تقريبا التي فازت بدوري أبطال إفريقيا السنة الماضية خارج الديار لما برز لاعبون تونسيون وجزائريون جدد من الشبان في تشكيلة شيخ الأندية التونسية هذا الموسم.
وتشهد بلدان شمال القارة تطورا في بناها التحتية حيث شيدت ملاعب جديدة بمقاييس عالمية وهو ما ساهم في تطوير كرة القدم في ربوعها و في تسويق صورتها إلى الخارج في أبهى حلة. ففي تونس ورغم المتغيرات العديدة التي يشهدها البلد فإن بعض الإنجازات حصلت في هذا المجال، فهناك برنامج لإعادة تأهيل بعض الملاعب لتستجيب للمقاييس العالمية ومنها ملعب الشاذلي زويتن وملعب المنزه بالعاصمة وأيضا ملعب سوسة الذي أغلقت أبوابه من أجل توسعة طاقة استيعابه من المدارج و العناية بالميدان، كما سيتم إنجاز ملعب أولمبي جديد كبير الحجم قريبا في مدينة صفاقس وهو ما سيساهم حتما في تطوير رياضة كرة القدم في الخضراء..