مايكل وولف في “حصار”: كيسنجر وميردوخ هما عرّابا جاريد كوشنر وترامب يحتقر معاونيه

سمير ناصيف
حجم الخط
0

تنطلق عموماً النظريات والتحليلات من خبراء سياسيين مطّلعين على وقائع وخلفيات الحياة السياسية استناداً إلى سرد محدد وسعياً لهدف ما. لكن هؤلاء الخبراء، في الوقت عينه، قد يصيبون أهدافاً أخرى بنفس الأهمية، أو حتى ذات أهمية أكبر في كتاباتهم وتحليلاتهم.

كتاب مايكل وولف بعنوان “حصار” (ترامب تحت القصف الناري) قصدَ فيه الكاتب التركيز على تعامل الرئيس الأمريكي مع تقرير المحقق الخاص روبرت مولر في قضية التواطؤ الأمريكي ـ الروسي قبل وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016 في الولايات المتحدة والذي أدى إلى فوز ترامب، ولكنه أصاب في وقت متزامن قضايا أخرى هامة جداً ما زالت تلعب دوراً كبيراً في المرحلة الحالية وبينها الخلفيات السياسية لجاريد كوشنر (صهر الرئيس) وعلاقته بوزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر.

مايكل وولف ليس كاتباً مغموراً، بل هو باحث مطّلع على دقائق الأمور من خلال علاقاته الوثيقة ببعض كبار الشخصيات المحيطة بدونالد ترامب سابقاً وحالياً. وهو مؤلف كتاب: “النار والغضب” الذي كان أحد أكثر الكتب مبيعاً في أمريكا وغطى السنة الأولى لرئاسة ترامب فيما يغطي كتابه الحالي السنتين التاليتين لهذه الرئاسة وانعكاساتهما على الوضع الحالي.

لعل أهم ما في هذا الكتاب، الذي صدرت طبعته الورقية مؤخراً، كونه يظهر ازدراء وعدم احترام الرئيس الأمريكي لمعاونيه عموماً والذين يختلفون معه في الآراء والمواقف، كما يوضح أسباب النفوذ الكبير عليه لصهر الرئيس جاريد كوشنر (زوج ابنته ايفانكا) الذي يستثنيه ترامب من هذا الاحتقار.

يقول وولف في الفصل الرابع إن “ترامب يعتبر نائب الرئيس مايك بنس مخبولاً بسبب تعصبه الديني” وأنه كان (في رأي ترامب): “أغبى أعضاء الكونغرس الأمريكي قبل تسلمه منصبه الحالي” (ص 52).

وينسب الكاتب إلى الرئيس مقولات أخرى مشابهة بينها ما قاله حول نجله الأكبر دونالد ترامب الصغير، حيث يصفه بـ”الولد الغبي” عندما صرّح دونالد جونيور (الابن) بأنه “لا يكترث إذا تم انتخاب مجلس نواب ذي أكثرية ديمقراطية في عام 2017 وإذا طعنَ هذا المجلس جنائياً بانتخاب والده” (ص 187).

ويفسر وولف نجاح مايك بومبيو في البقاء في منصبه كوزير الخارجية لكونه أدرك أسرار وخلفيات طريقة التعامل مع الرئيس ألا وهي بانه “موظف يعمل لدى دونالد ترامب” وليس فقط لدى “رئيس جمهورية الولايات المتحدة الذي يجب أن يحكم بحسب ما تمليه عليه مؤسسات الدولة وشرائعها”. (ص 56).

وبالتالي، يجب عدم معارضة قرارات الرئيس ترامب إذا أراد أي مسؤول كبير البقاء في منصبه. ولعل هذا أمر لم يدركه مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون ولا وزير الخارجية السابق ريكسن تيليرسون ولا غيرهما من كبار المسؤولين الذين فقدوا مناصبهم. القضية (حسب المؤلف) هي “أشبه بمسرحية يديرها شخص واحد، وهو يقرر مَنْ له الحق بتقديم المشورة له. وإذا يستمع إليه أو لا”.

أما الفصل الشديد الأهمية أيضاً فهو العاشر بعنوان “كوشنر”. يقول المؤلف أن صهر الرئيس جاريد كوشنر يعتبر نفسه الدماغ المتحرك خلف قرارات ترامب ودفعه لاتخاذ قرارات خطيرة “ناجحة” في السياسة الخارجية وبينها الانفتاح باتجاه كوريا الشمالية والاجتماع بزعيمها كيم جونغ اون وتقديم الهبات السياسية والمادية لإسرائيل ولرئيس حكومتها بنيامين نتنياهو واعتماد مواقف تصعيدية ضد إيران وحلفائها.

الأمر اللافت في هذا الفصل هو أن كوشنر يستشير في اتخاذه هذه المواقف وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر (برغم كون كيسنجر في تسعيناته حاليا) بالإضافة إلى صاحب المؤسسات الإعلامية العالمية روبرت ميردوخ الذي يملك حصصاً رئيسية ونفوذاً كبيراً في محطة تلفزيون “فوكس نيوز” (التي يفضلها ترامب) وفي تلفزيون “سكاي نيوز” ومؤسسة “نيوز كوربوريشن” وفي صحف أمريكية وعالمية كصحيفة “وول ستريت جورنال” وبريطانية كـ”صنداي تايمز” و”تايمز” و”ذي صَن”.

علماً أن هاتين الشخصيتين هما من كبار المتعاطفين مع الصهيونية ومن أبرز مناوئي حقوق الفلسطينيين، ومن الذين بأمكانهم التأثير على الرأي العام والقرارات السياسية في أمريكا والعالم.

ويوضح وولف بأن كوشنر يفخر بأن “معلمه كيسنجر ساهم باقناعه لدفع ترامب إلى السفر للقاء الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون والانفتاح نحو الصين. وبعد الزيارة، بدأ كوشنر يعدُّ نفسه ليصبح وزيراً للخارجية الأمريكية، رغم أن اللقاء لم يحقق الكثير. كما نصحَ المعلم كيسنجر تلميذه كوشنر بدفع ترامب إلى التعامل مع قادة في العالم يقودون أنظمة مهتزة سياسياً واقتصادياً لاستدراجها للتعامل مع واشنطن بقيادته وخصوصاً قادة ديكتاتوريين يحكمون بلدانهم بالقوة” (ص 125 ـ 126).

بيد أن نصائح “المعلم هنري” لم تنجح كلياً مع ترامب بالنسبة إلى التعامل مع الصين ورئيسها زي جينبينغ بشكل ملائم للجانبين، حسب المؤلف. أما الأمر الآخر اللافت هنا فهو أن الكثير من هذه القرارات في السياسة الخارجية كان ترامب ينفذها بمشورة صهره متجاوزاً الأعراف والإجراءات الدبلوماسية مع وزارة الخارجية التي كان من المفترض أن يقوم بها مسبقاً. ويعتبر وولف أن كوشنر عيّنَ نفسه خبيراً في السياسة الخارجية من دون أن يملك المؤهلات المطلوبة لهذا الدور، والكثير من ذلك بفضل اتصالاته ومشورته المستمرة مع كيسنجر وميردوخ. وربما (حسب المؤلف) اعتبر كوشنر نفسه هنري كيسنجر الثاني في السياسة الخارجية الأمريكية (ص 127).

أما كيسنجر فكان مرتاحاً ان تتم مشورته وهو في تسعينياته من قِبل شخصيات نافذة في القيادة الأمريكية.

وبعض مواقف كوشنر هذه، وتجاوزاته في خطواته للاطلاع على أسرار الدولة قبل أن يحتل أي منصب رسمي فيها أدت إلى غضب وزير الخارجية السابق ريكسن تيليرسون ووزير الدفاع السابق جيمس ماثيس إلى إقالة الأول واستقالة الثاني.

ويعتبر وولف أن كثيرين من قادة العالم ومسؤولي دول العالم الثالث أدركوا بأن من الأسهل عليهم التعامل مع كوشنر بدلاً من قادة الوزارات المختصة ومسؤوليها خصوصاً عندما كانوا يريدون تمرير مشاريع قد تعارضها الوزارات وقد يجمّدها مسؤولوها.

أما دوافع كوشنر (حسب المؤلف) فكانت مالية ومادية وليست فقط إيديولوجية. فقد كان يجري مقايضات مع بعض زعماء العالم العربي بأن يدعم سياساتهم ومشاريعهم المادية والمالية في مقابل مواكبتهم ومشاركتهم في مشاريعه السلبية إزاء قضية فلسطين “كصفقة القرن” ودعمه في مشاريعه الخاصة. كما كان يفتح المجال أمامهم لزيارة الولايات المتحدة المبكرة ولقاء الرئيس ترامب تمهيداً لاحتلالهم المناصب القيادية الرئيسية الكبرى في بلدانهم (ص 132).

وبالتالي، نصّبَ كوشنر نفسه كاللاعب الأساسي في سياسة الشرق الأوسط وفي دعم إسرائيل ولكنه ورّط ترامب من خلال اندفاعه في بعض هذه السياسات (ص 136).

ويعتبر كوشنر نفسه منقذاً لترامب من مشاكله الداخلية القانونية مع خصومه ورافعي الدعاوى والقضايا الداخلية ضده عبر “إنجاح” سياساته الخارجية والاستمرار في استقاء النصائح في هذا المجال من هنري كيسنجر حول خلق وتأجيج حالات من عدم الاستقرار في بعض الدول عند الحاجة من دون الاضطرار لخوض الحروب وذلك وبالترافق مع استمرار الحوار مع روسيا والصين (ص 138).

وقد نجح كوشنر في دفع ترامب إلى القيام بلقاءات قمة مع كبار الزعماء العالميين من دون نتيجة. بيد أن اللقاء الأهم لترامب كان مع فلاديمير بوتين في بداية ولاية الرئيس والذي لم تُعَرف تفاصيل ما جرى فيه ولا نتائجه (حسب المؤلف).

أما الفصل 19 فيتطرق فيه وولف بشكل مختصر ولكن هام إلى قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول، تركيا في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2018.

ويقول متهكماً أن: “جاريد كوشنر أصبح مديراً للأزمة بين المتهمين بارتكاب الجريمة والجهات المطالبة بمحاسبة وبمحاكمة عادلة لهؤلاء وبفضح ملابساتها”.

ويضيف: “لقد اعتبر كوشنر أن خاشقجي كان صلة وصل بين بعض الأمراء السعوديين وقائد منظمة القاعدة أسامة بن لادن. وبالتالي اقحم كوشنر نفسه في خلافات وقضايا حساسة مما أغضب وزير الدفاع آنذاك جيمس ماتيس وغيره من المسؤولين الأمنيين الأمريكيين” (ص 248).

ويرى وولف بأن دوافع كوشنر كانت مادية، وبشكل رئيسي لإنقاذ أوضاع عائلته المادية المنهارة في حقل المشاريع العقارية الضخمة في أمريكا. وبالتالي فانه تخطى ضوابط الأمن القومي الأمريكي وأطلع على وثائق سرية في البيت الأبيض لم يكن مخولاً الاطلاع عليها.

كما أن الكاتب يرى أن مشروع “صفقة القرن” الذي يروّج له كوشنر يتجاوز “اتفاقيات أوسلو” التي توصل إليها القائدان الفلسطيني ياسر عرفات والإسرائيلي أسحق رابين. ويشير إلى أن مديرة “وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية” (CIA) جينا هاسبل ومسؤولين أمميين دوليين أيدوا نظريات الأجهزة الأمنية التركية حول خلفيات عملية اغتيال جمال الخاشقجي في اسطنبول التي تبقى دون محاسبة.

صحيح أن هذا الكتاب كان هدفه تفسير فشل المحقق الخاص روبرت مولر في إدانة الرئيس دونالد ترامب ونظامه في عدة قضايا أهمها تدخل النظام الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 وصحيح أن مولر خشي بأن يلقى مصير المسؤولين الآخرين في قطاعات أخرى الذين تجرأوا على مواجهة ترامب وكوشنر وأعوانهما الداخليين والخارجيين فتقاعس في مهمته وقرر عدم استدعاء دونالد ترامب للشهادة حول تجاوزاته في هذه القضية لخشيته بأن يتحول إلى كبش محرقة في نظر الأمريكيين عبر وسائل أعلام منحازة. وبالتالي، فان هذا التقاعس (حسب وولف) أتاح لترامب الاستمرار في ممارساته الداخلية والخارجية ومنها ما يتجاوز الشرائع الأمريكية والدولية ويغطي على جرائم تتخطى شرائع حقوق الإنسان من أجل الحصول على التمويل الضخم وغير المشروع لحملاته الانتخابية الرئاسية.

فهل سينجح ترامب في العودة إلى الرئاسة والاستمرار في ممارساته هذه داخلياً وخارجياً؟

يختتم وولف كتابه قائلاً إن الرئيس الأمريكي تبجحَ في تعليقه على “انتصاره” على تقرير مولر قائلاً: “أنا الأقوى”.

فهل سيبقى هو الأقوى بعد الانتخابات الرئاسية الحالية؟

Michael Wolff: “Siege: Trump Under Fire”

Abacus, London 2020

335 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية