ما هي أهمية ما يكتبه صحافي أمريكي بارز عن التصرفات الخاصة لبعض كبار أصحاب القرار في أمريكا والعالم الغربي بالنسبة إلى القراء في الشرق الأوسط والعالم الغربي؟
الجواب على هذا السؤال هو ان عدداً من هؤلاء، على شاكلة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر ومستشاره السابق ستيف بانون بالإضافة إلى مالك الإمبراطورية الإعلامية العالمية «نيوز انترناشونال» روبيرت ميردوخ، اتخذوا ويتخذون قرارات مصيرية في مناصبهم الهامة بالنسبة إلى السلام بين إسرائيل وفلسطين والدول العربية ومصير الشعب الفلسطيني واستمرار معاناته وأوضاع العرب والمسلمين في أمريكا وأوروبا وآسيا وكندا وأستراليا والعالم الغربي السيئة عموماً، وانه في كثير من الأحيان تكون دوافعهم لاتخاذ مثل هذه القرارات المؤثرة جداً والتي قد تؤدي إلى الحروب والاقتتال والمآسي للشعوب والدول المرتبطة بها بشكل مباشر أو غير مباشر، دوافع شخصية وسطحية.
في كتاب «شهرتهم فاقت الحدود» لمايكل وولف، المؤلف الأمريكي الذي حققت كتبه مبيعات ضخمة ومراجعات عديدة إيجابية في أمريكا والعالم عن نظام الرئيس دونالد ترامب ومواضيع أخرى بينها «الحصار» و«النار والغضب» و«الخسارة الساحقة، الأيام الأخيرة لرئاسة ترامب» يتطرق وولف، الكاتب في مجلتي «نيويورك» و«فانيتي فير» وصحف «هوليوود ريبورتر» و«الغارديان» البريطانية إلى التفاصيل اللافتة في حياة بعض المشاهير والأقوياء والأغنياء الذين قابلهم شخصياً مؤخراً عن طريق عمله الصحافي وعلاقاته المباشرة. وقد اخترنا في هذا المقال لقاءاته مع دونالد ترامب وجاريد كوشنر وروبيرت ميردوخ وستيف بانون، رغم أن الكتاب يشمل عدداً من اللقاءات الأخرى ذات الأهمية للقارئ الأمريكي والغربي بالتحديد.
يقول وولف، في الفصل الذي كتبه عن كوشنر، والذي يسميه «الرئيس كوشنر» أنه «هناك أمور حتى في عصر ترامب حدثت ولم يكن يتصور أحد بانها قد تحدث، وبينها صعود كوشنر إلى موقع أشبه ببديل للرئيس في قرارات البيت الأبيض في تلك الحقبة» (ص 10). ففي سؤال طرحه الكاتب على ترامب أثناء زيارته له في منزله في بيفرلي هيلز في كاليفورنيا، بحضور كوشنر: «لماذا تريد ان تكون رئيساً للولايات المتحدة؟» أجابه ترامب بثقة كبيرة، وكأن الأمر مفروغ منه: «لكي أصبح الرجل الأكثر شهرة في العالم» ثم نظر إلى كوشنر وسأله: «ألستُ الرجل الأشهر في العالم؟» فأجابه صهره: «طبعاً، بالتأكيد أنتَ كذلك مئة في المئة» (ص 10).
وبرأي وولف في (ص 11) «كوشنر كان الشخص الأقل شعبية بين مسؤولي البيت الأبيض خلال رئاسة ترامب، ولكن الرجل الثاني بعد الرئيس من ناحية النفوذ والسلطة». و«السبب أن كوشنر تفوّق على خصومه في العلاقة الشخصية مع الرئيس بسبب قدرته واستعداده لقبول أمور ليس باستطاعته تغييرها في شخصية ترامب، وبسبب صبره إزاء أمور ربما قد يستطيع تغييرها» (ص 12).
ويفسر وولف هذه القدرة على الصبر لدى جاريد بكون والده تشارلز كوشنر، وهو تاجر عقارات ضخمة في نيوجيرسي، كان شخصية فظة وعنيدة كشخصية ترامب، وقد قضى فترات في السجن بسبب تهربه من دفع الضرائب. ومع ان جاريد يحمل شهادة في الحقوق من جامعة هارفرد وعمل في مؤسسات بارزة كغولدمان ساكس، قبل تحوله إلى مستشار لترامب، فإنه كان دائماً يحاول تجاوز أخطاء والده عبر تعزيز دوره في البيت الأبيض الذي أدى إلى خصومة واضحة له مع مستشار الرئيس ستيف بانون ووزير الخارجية السابق ريكس تيليرسون اللذين كانا يتضايقان من محاولاته المراقبة والتنصت على شؤون لم يكن من المفترض أن يتدخل فيها، قبل أن يصبح مستشار ترامب الأول.
ومن ضحايا كوشنر الآخرين في نظام ترامب كان رئيس شؤون موظفي البيت الأبيض جون كيلي، الذي استقال بسبب تدخلات الصهر المفضل في عمله. ويعزي خصوم كوشنر حسب وولف، التقلبات في قرارات ترامب الكبرى إلى تدخلات كوشنر، الذي كان يحث الرئيس على التعامل فقط مع كبار الأثرياء في أمريكا والعالم والذين (هو) باستطاعته جذبهم (ص15). وأصبح جاريد وزوجته ايفانكا الابنة المدللة لترامب مُشغّلي «نظامهما الخاص بداخل نظام ترامب» (ص15 أيضا) وصارا يتخذان القرارات في التعيينات والعلاقات الداخلية والخارجية للنظام عن طريق تأثيرهما على الرئيس ترامب أكثر من أي جهة أخرى.
ويشير وولف ان قادة الأنظمة العالمية ذات النفوذ في الشرق الأوسط والخليج وحتى روسيا صاروا يتصلون بكوشنر بخصوص علاقتهم بترامب وصار كوشنر مسؤولاً عن كل ملفات الشرق الأوسط، من العلاقات مع الدول إلى العلاقات مع القادة أو الشخصيات، وبالتالي، أصبح يختار في بعض الأحيان التعامل مع شخصيات مفيدة بالنسبة لمصالحه المادية الشخصية والعائلية. وهذا ما حاول خصومه في البيت الأبيض الإشارة إليه للرئيس، ولكنهم لم ينجحوا في اقناع ترامب به (ص 17).
ويوضح وولف ان كوشنر كان متأثراً إلى درجة كبيرة بمواقف وآراء وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر وسياساته المستندة إلى البراغماتية والتعامل مع شخصيات في العالم (وفي العالم العربي خصوصاً) قد لا تكون الأرقى من ناحية القيم الأخلاقية، ولكنها الأفضل من حيث المصالح. كما كان جاريد يميل إلى توجهات القطب الإعلامي العالمي روبيرت ميردوخ مع ان كيسنجر وميردوخ لم يكونا على تناغم دائماً مع سياسات ترامب (ص 18). بيد ان جاريد فتح قنواته الخاصة مع بعض القادة الخليجيين والتي ما زالت مستمرة حتى الساعة (حسب المؤلف) برغم انها قد لا تتوافق مع السياسة الخارجية الرسمية للدولة الأمريكية، علماً انه كان لجاريد الدور في فتح قنوات حوار بين ترامب وقيادة كوريا الشمالية. وبالتالي، يعتبر وولف بان جاريد كوشنر هو أما «ماكيافيلي» أو انه شخص لديه صبر «غير طبيعي» سعياً لتحقيق غاياته (ص19).
في أحد لقاءاته مع وولف، يفسر كوشنر للمؤلف بعض مواقفه ومبادراته وتحفظاته في دوره في البيت الأبيض في عهد ترامب بانه كان يسعى لان يكون «سنداً منيعاً لإسرائيل هناك مما ربما ما كان ليتحقق لو اتخذ ترامب القرارات حول الشرق الأوسط من دون مشورته». أي انه اعتبر نفسه «المدافع عن مصالح إسرائيل في فترة رئاسة ترامب والذي بامكانه تحقيق سلام في الشرق الأوسط في مصلحة الدولة العبرية». بيد ان ترامب طالب كوشنر في المقابل بان «يفسر له لماذا يصوّت يهود أمريكا في أكثريتهم لمصلحة خصمه الحزب الديمقراطي برغم كل ما يفعله من أجلهم» (ص 19و20).
ويتساءل وولف ماذا يريد كوشنر في النهاية؟ «فهل يريد ان يكون هو أول رئيس جمهورية يهودي في الولايات المتحدة عن طريق حصوله على التأييد الشعبي من جانب القاعدة الترامبية لإيصاله إلى هذا المنصب؟» (ص 22).
وبما ان وولف له كتاب بعنوان: «الرجل الذي يملك الأخبار: في داخل عالم روبيرت ميردوخ السري» وقابلَ ميردوخ في أكثر من مناسبة، يكتسب الفصل عن ميردوخ في الكتاب الذي يُراجع هنا أهمية خاصة.
يؤكد وولف في هذا الفصل ان نقطة الحساسية في حياة ميردوخ هي ضعفه إزاء النساء الجميلات برغم انه تخطى الثمانين من عمره وشارف على التسعين. فهو تزوج للمرة الأولى عام 1967 ودام زواجه مع باتريسيا بوكر ثلاثين عاما، ثم اقترن بزوجته الثانية آنا تورن عام 1997 ومن بعدها، ارتبط عاطفيا وتزوج بامرأة صينية من هونغ كونغ ويندي دينغ تصغره بعقود هيمنت على حياته وأبعدته عن عائلته وأولاده اليزابيث ولاخلان وجيمس وعن والدته التي كان متعلقاً بها. وصارت ويندي تتدخل بكل شاردة وواردة في حياته إلى ان افترق عنها عام 2013 بعدما اتهمها بإقامة علاقة عاطفية مع صديقه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. كما ارتبط ميردوخ عاطفياً بعارضة الأزياء جيري هول، الزوجة السابقة للمغني ميك جاغر.
وحاليا، يؤكد ميردوخ للمقربين منه (حسب المؤلف) بانه وحيد وفي حالة هبوط نفسي، على الرغم من ان الكثيرات من نساء العالم ما زلن يسعين للارتباط به بسبب ثروته ونفوذه. وقيل انه ارتبط مؤخراً بإحدى معاوناته اسمها ناتالي رافيتز وانه ما زال يراهن في مغامراته العاطفية كما راهن في حياته العملية.
وأكدت جيري هول لدى ارتباطها بميردوخ عاطفياً وهو في الـ85 من عمره بينما كانت هي في الـ59 بانه كان الوحيد الذي يضاهي في نجوميته الفريدة هالة زوجها السابق المغني الشهير ميك جاغر! ومن الجدير ذكره ان وسائل الإعلام التي يمتلكها ميردوخ والتي أشرف على الكثير منها بنفسه لم تكن متعاطفة عموماً مع قضايا العالم العربي والقضايا المحقة إنسانياً في العالم.
ويشير وولف إلى ان ميردوخ لم يكن يُكثر في الكلام ولا يحب من يفعلون ذلك، أكانوا نساء أو رجالاً، وهو كصديقه دونالد ترامب يفضل استخدام وسيلة «تويتر» للتعبير عن آرائه ومواقفه، وفي بعض الأحيان من الصعب فهم ما يقوله، ولكن لا أحد من موظفيه ومدراء صحفه ومحطاته التلفزيونية وشركائه يجرؤ على قول ذلك. كما من الصعب تفسير مواقفه المتقلبة إزاء ترامب (حسب وولف) إذ قال في أحدها: «متى سيتوقف ترامب عن خلق مواقف صعبة لأصدقائه؟» (ص 16).
وقد استخدم ميردوخ «تويتر» في هجومه القاسي على زوجته السابقة ويندي دينغ عام 2013 بعد افتراقهما.
وحسب وولف، فإن لميردوخ شخصية مزدوجة فهو «الناشر القاسي الذي يخيف موظفيه والعاملين معه، والرجل الذي كان يفضل ان يكون صحافياً عادياً يكتب مقالات في صحفه» (ص 162). وكل المحيطين به يسعون ان يتحدثوا إليه قبل غيرهم وان يكون منصتاً في تلك اللحظة، وليس تحت تأثير الكحول! وفي هذا الأمر يشترك مع صديقه دونالد ترامب (حسب المؤلف) وفي ميلهما لتوجيه الرسائل المتكررة عبر «تويتر» وبعضها تحريضي، ما أدى إلى تجميد حساب ترامب في تلك الوسيلة.
وعن ستيف بانون، المدير السابق لحملة دونالد ترامب الانتخابية لعام 2016 الذي أقاله ترامب لاحقاً من منصبه كمستشار له والذي خضع مؤخراً لمحاكمة أصدرَ قضاتها حكماً عليه بالسجن لأربع سنوات لضلوعه في التحريض على عملية «غزو مبنى الكونغرس» في عام 2020 بعد سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية آنذاك، يقول وولف ان بانون كما عرفه شخصياً، رجل لا يتوقف عن الكلام ويعتقد بان ترامب أخطأ في سياساته وفي تعامله مع وسائل الإعلام، وكان عليه الاستمرار في مواقفه المتصلبة في شتى الأمور (ص 65).
وحسب بانون، فإن ترامب أدار البيت الأبيض وكأنه يدير مؤسسة ترامب الخاصة وأعطى صلاحيات مبالغاً فيها لأقربائه (يقصد كوشنر وابنته ايفانكا) على حساب معاونيه المحترفين المقربين منه (ص 76). وهناك نظرية (حسب وولف) بان كوشنر ساهم في الدعوى القضائية وتأجيجها ضد بانون عندما شعرَ بان ترامب قد يعيده كمستشار له.
Michael Wolff : «Too Famous»
Henry Holt And Company, New York 2021
323 Pages.