ما التداعيات المترتبة على قرار «أنصار الله» فرض «حصار بحري» على ميناء حيفا؟

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء – «القدس العربي»: أعلنتْ حركة «أنصار الله» (الحوثيون) اليمنية، في وقت متأخر من مساء الإثنين، أنها ستوسع من حملتها الإسنادية لغزة، بفرض «حصار بحري» على ميناء حيفا الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحذرت الحركة جميع شركات الشحن من أن الميناء يُعتبر الآن هدفًا عسكريًا.
يأتي هذا التصعيد عقب نحو أسبوعين من اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع الولايات المتحدة بوساطة عُمانية في السادس من مايو/ أيار.
وبينما يعتبر مراقبون هذه الخطوة تصعيدية قد تدفع لعودة المنطقة إلى ما كانت عليه من «أزمة البحر الأحمر»، يرى آخرون أن الحركة ماضية في إسنادها لقطاع غزة من خلال تصعيد يواكب ما يتعرض له القطاع من تصعيد عملياتي إسرائيلي، وذلك حتى يتحقق إيقاف العدوان الإسرائيلي ورفع الحصار عن القطاع، كشرط يردده المتحدث العسكري باسم الحركة، في كل بيان يتعلق بعملياتهم الإسنادية.
وفي الموازاة، تواصل الحركة إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه مطار بن غوريون، بما فيها ثلاث عمليات نفذتها، مؤخرًا، خلال 24 ساعةـ في سياق سعيها- وفق أحد بياناتها، لفرض حظر جوي على إسرائيل.
وقال مركز تنسيق العمليات الإنسانية (أتش أو سي سي)، التابع لحكومة «أنصار الله»، أمس الثلاثاء، إن سريان قرار فرض حظر شامل على حركة الملاحة البحرية من وإلى ميناء حيفا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، سيبدأ في 20 مايو/ أيار2025 الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت صنعاء، والذي يعادل 19 مايو على الساعة الواحدة وإحدى وعشرين دقيقة بالتوقيت العالمي.
وأكدَّ المركز، وهو المعني بالتواصل مع شركات الملاحة، أن «إصدار هذا القرار يأتي في إطار الرد على التصعيد الإسرائيلي بقرار توسيع العمليات العدوانية على غزة، وفي إطار المسؤولية الدينية والإنسانية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني المظلوم، وما يتعرض له من حصار واستمرار المجازر المروعة من قبل الكيان الإسرائيلي الغاصب».
وذكر المركز «أنه قام بمخاطبة شركات الشحن بشأن المخاطر العالية التي ستتعرض لها السفن المتجهة من وإلى ميناء حيفا، بما في ذلك مخاطر التعرض للعقوبات، التي قد تشمل أساطيل الشركات المنتهكة لقرار الحظر، فضلًا عن المتعاملين معها».
ودعا شركات الشحن «إلى التدقيق وبذل العناية الواجبة في جميع تعاملاتها، والتأكد من عدم وجود أي رحلات مباشرة للسفن إلى ميناء حيفا، وكذا التأكد من عدم وجود علاقة مباشرة أو غير مباشرة أو عن طريق طرف ثالث بأي معاملة تنتهك قرار الحظر، كون وجود أي سفن متجهة إلى ميناء حيفا أو لها علاقة غير مباشرة بذلك سيُعرض الشركة وأسطولها للعقوبات».
وأوضح «أنه في حال إدراج الشركة في قائمة العقوبات، سيكون أسطولها محظورًا من عبور البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والبحر العربي والمحيط الهندي، وأنها ستتعرض للاستهداف في أي مكان تطاله القوات المسلحة اليمنية».
وأضاف أنه «يحظر على الدول والكيانات والأشخاص التعامل مع الشركات المدرجة في قوائم العقوبات بأي شكل من الأشكال، إذ إن المشاركة في أي معاملات مع الشركات المُدرجة تنطوي على خطر التعرض للعقوبات».
وفيما تضمنه بيان المركز، ما يؤشر لإمكانية عودة المنطقة لما كانت عليه أزمة البحر الأحمر، واستئناف التصعيد. لكن التصعيد، هذه المرة، قد يشمل بجانب البحر الأحمر البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في ظل ما وصلت إليه صواريخ «أنصار الله» الباليستية من تطور في المديات، وربما يتفاجأ المتابع بظهور أسلحة جديدة خلال هذا التصعيد.
يقول الصحافي الاقتصادي اليمني، رشيد الحداد، «إن الرد سيكون ضد السفن المخالفة للقرار فقط. ولكن سيكون ذلك دون أمريكا. أعتقد أن أمريكا سوف تلتزم باتفاقها مع صنعاء حتى لا تتورط مرة أخرى».
وأوضح لـ»القدس العربي» أن «قرار «أنصار الله» بفرض حصار بحري على ميناء حيفا يأتي في إطار سياسة الضغوط القصوى، التي تفرضها الحركة بتنسيق مع حركات المقاومة الإسلامية في غزة لإجبار الكيان على وقف جرائمه في غزة، وإدخال المساعدات، وقد يُعيد استهداف السفن المخالفة للقرار في حال عدم امتثالها له، بعد أن تلقت تحذيرات من صنعاء خلال الساعات الماضية من قبل هيئة الشؤون الإنسانية المعنية بالتواصل مع الشركات الملاحية الدولية. وأعتقد أن الهجمات هذه المرة لن تنحصر، في، إطار البحر الأحمر، بل قد تصل إلى البحر الأبيض المتوسط».
وكانت الحركة أعلنت، في وقت متأخر من مساء الإثنين، عن بدء فرضِ حظرٍ بحريٍّ على ميناءِ «حيفا» في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأوضح المتحدث العسكري باسمها، العميد يحيى سريع، في بيان، «أنَّ هذا القرارَ يأتي بعدَ نجاحِ القواتِ المسلحةِ بفضلِ اللهِ وعونِه وتسديدهِ وتوفيقهِ في فرضِ الحصارِ على ميناءِ «أمِّ الرشراشِ» وتوقفِه عن العملِ، ولنْ نترددَ في اتخاذِ ما يلزمُ منْ إجراءاتٍ إضافيةٍ دعمًا وإسنادًا للشعب الفلسطينيِّ المظلومِ ومقاومتِه العزيزة».
على صعيد ردود الفعل، نشرت مجلة «ذا مارتيم إكسكيوتيف» المتخصصة بشؤون الملاحة البحرية، تقريرًا تحت عنوان «الحوثيون يعيدون إحياء أزمة البحر الأحمر بـ «حصار» ميناء حيفا».
وقال التقرير «إن الحوثيين لا يمتلكون القوة البحرية الكافية لفرض حصار مباشر في شرق البحر الأبيض المتوسط، لكنهم قادرون على استهداف أساطيل مالكي السفن الذين يتعاملون مع حيفا. ويتعين على شركات الشحن التي تستخدم طريق السويس اجتياز الحدود عبر أراضي الحوثيين في اليمن».
وأضاف: «حتى بعد حملة قصف أمريكي متواصل استمرت أسابيع في مارس/ آذار وأبريل/ نيسان، لا يزال الحوثيون يتمتعون بقدرة كبيرة على شن هجمات على السفن المارة في البحر الأحمر».
وأضاف: «يمكن أن يؤدي «حصار» حيفا بسهولة إلى أضرار جانبية: فبينما هاجم الحوثيون سفنًا لها صلات موثقة بإسرائيل، هاجموا أيضًا سفنًا ليس لها صلات واضحة بإسرائيل – بل واستهدفوا حتى سفنًا مرتبطة بحلفائهم. وقد أدركت جهات الشحن أن أي سفينة تقريبًا قد تُصبح «سفينة مرتبطة بإسرائيل» مستهدفة في جنوب البحر الأحمر».
فيما قال موقع «تريد ويندز» المتخصص بالشؤون البحرية: «يُعدّ هذا الإعلان أول مؤشر على تصعيد الحركة المسلحة منذ وقف إطلاق النار مع القوات الأمريكية هذا الشهر».
واعتبر أن التهديد الصاروخي الذي يشكّله «الحوثيون» على عمق ما اعتبرها «الأراضي الإسرائيلية» حقيقي. مشيرًا إلى أن «صواريخ «حوثية» نجحت في اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية مرات عدة، وانفجرت في تل أبيب أو بالقرب من مطار بن غوريون».
وقال: «لقد شهد ميناء «إيلات» تراجعًا حادًا في نشاطه التجاري نتيجة الحملة التي يقودها الحوثيون».
كذلك، قال موقع «ون إنديا»: «إن هذا القرار يثير مخاوف بشأن الأمن الشمالي لإسرائيل، وطرق الشحن في البحر الأحمر». وأضاف: «قد يؤدي الحصار البحري على حيفا إلى تعطيل طرق التجارة. وسيكون لذلك آثار اقتصادية على إسرائيل والدول الأخرى التي تعتمد على هذه الطرق».
وأكد أن الوضع معقد، ويتطلب معالجة حذرة لتجنب المزيد من التصعيد.
في حال نجاح «أنصار الله» في فرض حصار بحري على ميناء حيفا- يتساءل أحدهم- هل استطاعت الحركة تحقيق نجاح فيما أعلنته من فرض حظر جوي على مطار بن غوريون؟
لا يمكن الجزم أن الحركة نجحت في فرض حظر جوي على إسرائيل، لكن من خلال ما تُعلن عنه وسائل إعلام إسرائيلية فإن عددًا لا بأس به من شركات الطيران الدولية أعلنت وعلقت رحلاتها من وإلى إسرائيل، ومن أبرز تلك الشركات: مجموعة لوفتهانزا، إيزي جيت، إير فرانس وترانسافيا الفرنسيتين، طيران كندا، شركة الطيران البولندية، وتتفاوت هذه الشركات في مدد التعليق، لكن هذا يمثل مؤشرًا يُعتد به بالنظر للفترة التي مضت منذ إعلان الحوثيين في الرابع من مايو فرض حظر جوي على إسرائيل، وبالتالي فإن النجاح وارد في فرض حصار بحري على ميناء حيفا، وقد يكون تأثيره كبيرًا وخطيرًا على إسرائيل، باعتباره من أكبر المنافذ البحرية لإسرائيل على البحر المتوسط.
كما أن «أنصار الله» ربما استعدوا جيدًا لهذه المرحلة من خلال استخدام أسلحة جديدة تمكنهم من توسيع ساحة الاستهداف، لتشمل البحر الأبيض المتوسط، وذلك انطلاقًا من متابعة لتجربتهم البحرية في استهداف الملاحة الإسرائيلية منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.
قد تكون المنطقة مقبلة على مرحلة مختلفة من التصعيد العسكري في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وهذا التصعيد يأتي في مرحلة ثمة اتفاق قائم بين الولايات المتحدة و»أنصار الله» يمنع الأخير من استهداف سفن الأول، وبالتالي سيكون هذا التصعيد هو أول اختبار لمدى صمود هذا الاتفاق، لا سيما وأن الحوثيين يستهدفون هذه المرة واحداً من أهم المرافئ البحرية الإسرائيلية، وهو ميناء حيفا، وفي حال استطاعوا تعطيله والتأثير على نشاطه، كما كان منهم في ميناء إيلات، فحينها ستكون إسرائيل قد حُشرت في زاوية ضيقة، خاصة إذا مضى الحوثيون بخطين متوازيين في استهداف مطار بن غوريون وميناء حيفا، فالتحدي سيكون كبيرًا أمام تل أبيب.
كانت تهديدات مسؤولين إسرائيليين خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على اليمن في 16 مايو، قوية وشديدة اللهجة، لكن الحوثيين كعادتهم يتحركون في منطقة اللامتوقع، ويتمتعون بقدرة أمنية تجعل من استهداف قدراتهم العسكرية غير متوفرة للخصم بنسبة كبيرة، وبالتالي سيكون أمام إسرائيل تصعيد هجماتها على المنشآت المدنية، وقد يبلغ الأمر ذروته، وتستهدف تل أبيب أحياء سكنية، فإسرائيل تراهن في حروبها على المبالغة في الرد والدمار وسفك الدماء، لكن ثمة إشكالية متعلقة بالمسافة بين إسرائيل واليمن، وهو ما قد يجعل من الهجمات الإسرائيلية عبر الطيران غير متيسرة في تواصلها اليومي. فحسب مسؤول أمني إسرائيلي فإن الإعداد للهجوم الواحد يتطلب أسبوعًا من التحضير، بينما القصف الصاروخي للحوثيين بإمكانه أن يتكرر في اليوم الواحد غير مرة. لكن كل ذلك لا يبرر دخول المنطقة مرحلة شديدة من التصعيد، لأن تداعيات ذلك ستكون خطيرة على المنطقة كلها، لا سيما في حال تدخلت واشنطن، وتحول مسار الصراع باتجاه تكوين تحالف دولي.
يقع ميناء حيفا في الجزء الشمالي من وسط مدينة حيفا على البحر المتوسط، ويمتد إلى نحو 3 كيلومترات على طول الشاطئ وسط المدينة، مع الأنشطة التي تتراوح بين العسكرية والصناعية والتجارية، وهو ما يضاعف من أهميته الاستراتيجية بالنسبة لتل أبيب.
ويعد ميناء حيفا، وهو من أقدم موانئ فلسطين التاريخية، أكبر موانئ إسرائيل الدولية الثلاثة الرئيسية: ميناء أشدود، وميناء إيلات. ويتميز بكونه ميناء طبيعيًا ذا مياه عميقة، ويوفر خدمات ملاحية واقتصادية لكل السفن التجارية.
كما يعد من أكبر الموانئ في شرق البحر المتوسط، ويتعامل مع أكثر من 22 مليون طن من البضائع سنويًا. ويعمل فيه حاليًا أكثر من 1000 شخص، وهو عدد يصل إلى 5000 عندما ترسو السفن في حيفا.
وتشن حركة «أنصار الله» هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف متعددة في عمق إسرائيل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في سياق ما تعلن عن الحركة من دعم وإسناد لمظلومية الفلسطينيين في غزة الناجمة عن العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 19 شهرًا.
وردًا على تلك الهجمات، شنت إسرائيل عدة هجمات جوية على منشآت حيوية وبُنى تحتية للطاقة في مناطق خاضعة لسيطرة الحركة في اليمن، خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية