تُعَدُّ «ما بعد البنيوية» حركة منبثقة من البنيوية نفسها، ولكنها أشبه بالمراجعة النقدية للفكر البنيوي، فلا عجب أن لا تحمل اصطلاحا جديدا، وإنما اكتفت بكلمتي «ما بعد» قبل «البنيوية» شأنها شأن حركات معاصرة ومجايلة لها مثل: ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة، في إلحاح واضح منها على أنها نقد ونقض في آن.
وتدور أسئلة ما بعد البنيوية المركزية حول البنية الاجتماعية واللغة، وامتلاك فضاءات واسعة للتصورات المستقبلية . فقد رأت أن البنيوية قدمت نسقا مغلقا لقراءة العالم، يتمثل في النص أو لغة النص، والعالم أكثر رحابة من أن نحصره في نسق واحد، كما أن لغة النص امتداد لما في العالم من حوله، فلا يمكن تفسيرها بمعزل عما هو خارج النص، وعن ذاتية المتلقي والسياق المنتج فيه.
إن مصطلح ما بعد البنيوية Postsructuralism كان في الأساس توجها وضعه أكاديميون أمريكيون للدلالة على أعمال غير متجانسة، لمفكرين فرنسيين في العقد السابع من القرن العشرين، في سعي منهم إلى تكوين معالم واضحة لمراجعات تمت على الفكر البنيوي. وقد رفضت ما بعد البنيوية إمكانية إجراء دراسة حقيقية للإنسان أو الطبيعة البشرية بشكل مطلق، لكنها رأت إمكانية تحليلها من خلال سرد التطور التاريخي التدريجي، أي رصد أبعاد التحولات من الخرافة إلى السببية، ومحاولة فهم تطور الإنسان، من خلال تحليل سرديات تاريخه الفردي أو الجمعي.
فلسفة ما بعد البنيوية جمعت المتناقضات الفلسفية التقليدية وزادت عليها وضاعفتها، وأنَ النتائج التي توصل إليها فوكو في كتابيه: «الكلمات والأشياء»، «حفريات المعرفة» هي النتائج التي تبناها كل نقاد ما بعد البنيوية.
ويُعدَ ريشارد هارلاند أول من نظّر بشكل كلي في هذا المصطلح، ذاكرًا له مصطلحات أخرى مثل: ما فوق البنيوية Superstructuralism وأيضا اللابنيوية Antistructuralism، وقد قصد هارلاند في تناوله لما بعد البنيوية، الذي أطلقه في كتابه المعنون بالاسم نفسه عام (1987)، دراسة المعطيات المنهجية النقدية الحديثة بطريقة شاملة، تلك التي طرأت على الساحة النقدية الغربية، وهي في مجملها تمثل مراجعات ونقاشات مضادة لسيادة البنيوية، بعضا من الوقت في الحياة الثقافية. وذكر أبرز مفكري هذا التوجه من البنيوية إلى ما بعده، وهم: دي سوسير، شتراوس، ياكوبسون، بنفنسنت، دريدا، فوكو، بارت، كريستيفي، دولوز، بودريلارد، التوسير . كما يشير هارلاند إلى أنَ المصطلح مرَ بتحولات فكرية ومنهجية عديدة، في ما يشبه إرهاصات فكرية قبل أن يستوي في النهاية إلى اصطلاح مستقر، ذي فلسفة واضحة ورؤى مشتركة بدرجات متقاربة، فقد مرّ المصطلح بمرحلة اللاعلمية ( Antisciencism )، عبر تقديم تحليلات وتأويلات لفرويد، وماركس إلى نقد طروحاتهما وإيجاد البديل، ومن دراساتٍ في اللسانيات، والصيغ الاجتماعية إلى دراسات تخصُصية، ودقيقة في السلوك اللغوي والاجتماعي، أي أنه سعى إلى رصد ظاهرة ما بعد البنيوية في تشابكاتها وتقاطعاتها، مع حقول معرفية مختلفة: لغوية، اجتماعية، نفسية، علمية، قبل استوائها في فلسفة تجمع تلابيبه، وتحاول أن تؤطرها في قواسم مشتركة.
أيضا، يذكر هارلاند أنَ فلسفة ما بعد البنيوية جمعت المتناقضات الفلسفية التقليدية وزادت عليها وضاعفتها، وأنَ النتائج التي توصل إليها فوكو في كتابيه: «الكلمات والأشياء»، «حفريات المعرفة» هي النتائج التي تبناها كل نقاد ما بعد البنيوية، الذين أكدَوا الإشارات اللاجتماعية، التي تتصف بخاصيتين: الأولى: أنَها إشارات متحركة متكاثرة، والثانية: كونها إشارات مادية محسوسـة. ويستخدم نقاد ما بعد البنيوية هذه الإشارات للتدليل على الممارسات الخارجة عن القوانين والأعراف والعادات، والمؤسسات المتحررة من السلطات، ويحدد هارلاند نقاد ما بعد البنيوية بـ(دريدا، فوكو، بارت، كريستيفي، دولوز، جوتاري، بودريلارد.
تمثل المفارقة في إدراك ما بعد البنيوية عجزها الكبير – بعد أحداث 1968 – عن تحطيم هياكل سلطة الدولة؛ من خلال التمردات الثورية ضد البنى الاجتماعية والسياسية المتحكمة في الحياة الفرنسية.
فما بعد البنيوية تتمحور حول التمرد داخل النص وخارجه، فالتمرد داخل النص نراه في استراتيجية التفكيك القائمة على لانهائية المعنى، وأن كل قراءة تحمل قراءة مضادة في الوقت ذاته. أما خارج النص، فيتمثل في التطلع إلى طبيعة الدلالات التي تبثها الإشارات النصية أو اللانصية، حول ما هو اجتماعي وثقافي، بهدف انفتاح الدلالة، وإعادة قراءة العالم والنصوص بشكل جديد. بجانب رفضها لكثير من البنى المؤسسية في المجتمع والسياسة والاقتصاد، وإضفاء الطابع العلمي عليها، بينما في الحقيقة تحولت إلى سلطات متحكمة.
وتمثل المفارقة في إدراك ما بعد البنيوية عجزها الكبير – بعد أحداث 1968 – عن تحطيم هياكل سلطة الدولة؛ من خلال التمردات الثورية ضد البنى الاجتماعية والسياسية المتحكمة في الحياة الفرنسية، فصوبت هدفه، وركّزت جهودها على زعزعة بنية اللغة في النصوص، من خلال مناقشة الأنظمة الفكرية والاعتقادية بوصفها نداً له، وطرح توجهات سياسية وتنظيمية تهدف إلى تحليل البنى الاجتماعية والتأثير عليها، فضلاً عن محاولتها التهوين من الادعاءات العلمية والنقدية التي قدمتها البنيوية، حيث مثلت البنيوية طريقةً فلسفيةً في الطرح والتناول، أقصت فيها الفعل الإنساني وأخفت ذاته، وتمركزت حول البنية بوصفها الملاذ الأخير لإنعاش الطرح النقدي، بعدما أُثقِل بخارجيات النص، وبذلك تعددت المناقشات، والطروحات التي قدمتها ما بعد البنيوية من طرح فلسفي، إلى سياسي، إلى اجتماعي، إلى لغوي لاهوتي في نهاية المطاف، فقد كانت تمتلك حلما كبيرا بتغيير الواقع في كافة أبعاده، ولكن الواقع كان أكبر بكثير منها.
فقد كان همّ البنيوية منطلقا من النص لغة، باحثا في شكلانيته، بدون البحث في حقيقة اللغة، وإنما في مدى صلاحيتها في نقل المراد من النص، وهي صالحة إذا قدمت نظاما لغويا متماسكا من الرموز والقواعد التي تكيف لغة النص الأدبي. وانحصرت بالتالي مهمة النقد في اكتشاف هذا النظام، أي القواعد الشكلية الحاكمة، وليس البحث عن معنى العالم وتجلياته، وإنما يتناول القواعد اللغوية والشكلية التي اتبعها النص لإضفاء معنى ما على العالم ومن هنا، أصبح النقد البنيوي أسيرا للغة النص وقواعده وبنيته الجمالية، يرى العالم من خلاله، فبات محصورا والنص في الأساس رحب، ومنفتح على العالم برموزه وإشاراته وإيحاءاته.
٭ كاتب وأكاديمي مصري