“ما سوف يبقى” مجموعة الشاعر اللبناني عيسى مخلوف: مآسي البشر في دلالات تتكثف وإحالات تتنوع

يمنى العيد
حجم الخط
0

بعض الكتب تبدأ بقراءتها ولا تكملها.

بعضها الآخر تكمل قراءتها لكنك لا تقرأها ثانية.

لكن هناك كتبا تقرأها أكثر من مرة من دون ملل.

كتاب عيسى مخلوف “ما سوف يبقى” هو واحد منها.

ما الذي سوف يبقى؟ تساءلتُ بعد أن أنهيتُ قراءتي للكتاب. هل هو الشجن، أم إدراكنا لحقيقة ما نعيش، أم هو الحبُّ في صفائه وثرائه؟

ربّما هو كل ذلك، وربّما هو أكثر ممّا أمكننا أنْ نقرأه في هذا الكتاب، وفي كتب أخرى صاغها عيسى مخلوف بروح الشاعر، وثقافة الفنّان، وفكر المتأمِّل في الوجود.

لا يبتعد عيسى مخلوف في كتاباته عن واقع الإنسان بما هو واقع اجتماعي معيش، لكن علاقته بهذا الواقع هي علاقة تأمُّل وكشف، وإضاءة لما يعانيه هذا الإنسان، العربي بشكل خاص، من مآس ومخاطر تتمثّل في الهجرة القسريّة، وفي الحرمان من الحب والحياة.

من منظور إنساني يرى الكاتب إلى هذا الواقع، لكنه يضمر النقد، ويشي بضرورة التغيير، وبالارتقاء بهذا الواقع المعيش إلى ما هو إنساني قائم على إدراك فلسفي، بأن الوجود هو مجرد عبور، وبأن ما سوف يبقى هو الحب. الحب باعتباره ثيمة وجود لا تزول.

نقرأ:

حين غرقت بهم المراكب المطّاط

ظلَّت عيونهم مفتوحة تحت الجفون

لم تسلْ منهم قطرةُ دم

نامت أحلامهم وتأرجحت على الموج

هل هو قلب البحر

ما يتناها إلينا

أم قلوب الغرقى

في خفقانها الأخير؟.

نقرأ، فتستيقظ في مخيّلتنا حكاية المهاجرين الهاربين من الحروب والموت عبر البحر، وقد أُغلِقت في وجوههم كل الدروب، وابتزّهم السماسرة المهرِّبون، فحُشروا في المراكب المطاط. لكن الحكاية المرويّة شعراً، تبدأ من لحظة الغرق، وتقدِّم مشهداً، صورة، هي صورة الغرقى الذين “ظلت عيونهم مفتوحة”، كأنَّهم ما زالوا على علاقة بالحياة، أو على رغبة فيها وحب لها، كأنَّهم بعيونهم المفتوحة يطبعون صورة الحياة فيها، يحملونها معهم، في قلوبهم التي تماهت، في خفقانها الأخير، وقلب البحر، البحر الذي سترجِّع أمواجُه، أبدا، خفقان قلوبهم، وكأنَّها أمانةٌ أودعوها فيه، وأودعوا فيها رغبتهم في البقاء… ولو ذكرى بين أمواج البحر.

هو الحب، هو هذه الرغبة في الحياة، هو “ما سوف يبقى”. وهي المآسي التي عرفها تاريخ البشر في أكثر من زمن، وفي أكثر من واقع. تتمثل هذه المآسي في صور شعريّة موجزة، ولكن تتكثف فيها الدلالات، وتتنوع إحالاتها. وهذا ما يجعلها قابلة لأكثر من قراءة، أي لقراءات تأويلية يتشارك فيها القارئ والكاتب متعة القول.

تحت عنوان “القمر المفكك”، نقرأ: “في ركن ما/ عند استدارة الحنين، تقبع الأمهات/ المنتظرات عودة أبنائهن/ الزبد يكتوي بالنار الاستوائية/ يعلن وصول العبيد بأفئدة ملتاعة/ وسلاسل حديد/ تلك قصة قمر مفكَّك/ يتراقص على نصل السيف”.

تتشابه المآسي على حد الظلم والمعاناة. تلتقي في مساحة التاريخ، في وسائل التعذيب وصوره، في فضاءاته الزمكانية، وتتصادى على وقع حنين الأمهات، وتراقص قمر “على نصل السيف”.

هي المآسي، وهو “العطب الأصلي”، وهو “هذا التصدّع الذي معه يبدأ الكون”… أما نحن، الذين “تتمرأى دماؤنا في حمرة الشفق”، فإننا نذهب إلى نهايةٍ هي موتنا. “نلوي أعناقنا كالسنابل المستسلمة للريح”.

في هذه الأجواء الشعرية التي تتعدد فيها صور الحياة، ومعاناة الوجود بما هو علاقة بين الحياة والموت، يبرز الحب بصفته “ما سوف يبقى”، رسالة “تتناقلها الأجيال”. رسالة لا غبار عليها، بل غيوم تظهر وتتبدّد، و”عطر يفوح من أزمنة بعيدة”.

يواجه الحب حتميّة الموت، ويفضي إلى صور تتشكل في فضاء يشبه كوكباً تتلألأ فيه الدلالات. أقصد أن الكلام على هذه المواجهة بين الحب والحياة، ليس سرداً تتوالى فيه المعاني، بل هو تشكّلٌ مشهدي من الصور، هو بناء تتنوع إيقاعاته الموسيقيّة. فضاء نقرأ فيه ما يذكرنا بحقائق ما نعيش، حقائق هي، في هذا الفضاء، دلالات تلتمع في زمن شعري مفتوح على الحضور والغياب، وقائم على حقيقة الوجود بما هو زمن الموت والحياة.

فضاء، ما سوف يبقى فيه هو “ما لا يتخذ شكلاً”، و “ما لا يتحول رماداً”.

هو “اللحظة”، لحظة الحب التي جمعت بين الحبيبين، وهو النجوم، “ومراجيح أحلامنا”.

هو “وصية المهرج الذي يريد أن يمكث “جوار الشمس التي تبحث عن الكنوز المطمورة تحت الظلال/ نتلَّهى بها عن سفرنا الآتي”.

وهي الطيور التي تحمل أشعة الشمس الأولى بمناقيرها، و”رسالة حب واحدة/ تتناقلها الأجيال” ويفوح منها عطر من “أزمنة بعيدة”.

فضاء تنسجه الصور المتنوعة في تشكّلها الشعري المشهدي. الصور الثريّة بدلالاتها الجماليّة، المحيلة، في الآن نفسه، على الواقع المعيش، وعلى معاناة الوجود بما هو زمن الموت والحياة.

فضاء يتسع للحب بمعناه الوجودي الكوني. هذا الحب هو ما سوف يبقى. وهو ما تتشكل دلالاته، في صور أخرى، ترسمها ريشة فنان تجعل من الجبال “أجنحة طيور”، طيور تحمل أشعة الشمس بمناقيرها، وجناح “ينحت الهواء”، وطفل يمسك “ذيل الغيمة”، وشجرة “تفك الحزام الذي يربطها بالسماء”، و”نهار يأتي حافيا فوق الجبال”، وشمس هي “أشرعة”، و”غيوم من أبيض المناديل”… صور تختزن الدلالات، وتتألق بجمال يفوق الوصف، وكأنها بذلك ترسم وجها آخر للحياة المحكوم زمنها بالموت. وجه جميل يُنبِت الحبَّ في قلوبنا، حب الحياة المتنوع في صوره ومعانيه.

نقع على هذه المعادلة المتمثلة في الوجه الاخر للحياة، في الحب، ليس فقط في هذا الكتاب، بل في معظم ما كتب عيسى مخلوف من شعر ونثر. معادلة لها صيغها المختلفة والمتنوعة.

ففي “عين السراب” (2000)، يبرز الحب كثيمة قائمة على احتمالات تنحو إلى نزع أقنعة الغربة عن وجوه الغرباء. إنه التلاقي على قاعدة الوجود، الوجود الذي هو مجرد عبور وإقامة مؤقتة في الذاكرة والنسيان. في هذه الإقامة المؤقتة يبرز الحب كثيمة لا تزول، وتنطوي على مشاهد تفضي إلى معادلة المنافي بالأوطان.

وفي “رسالة إلى الأختين” (2004)، يبرز الحب من دون تورية فلسفية، شأنه في “ما سوف يبقى”، إنه الحب الجميل المسكون بدلالات الحياة وبالمسرة، الحب المرتقي إلى أعلى مستويات الحقيقة والجمال. الجمال بما هو صورة الحضور معاً “في الضوء الذي يخرج من زيت الأجساد الطافحة بالحب”. الجمال الذ ي قد يكون بإمكانه “أن يتحدَّى الزمن والموت”.

ولكن، هل في استطاعة الجمال أن يتحدى الزمن والموت؟

إنه كلام شاعر وخيال فنان، نعثر على صورة أخرى له في كتابه الساحر “مدينة في السماء” (2012). نقرأ: “نأتي مسرعين مثل النيازك الضاحكة في أعلى الفضاء، لكن من قال إن هذا العبور لا ينطوي على شيء من الأبدية؟”.

هو الفن الذي به يبقى الجسد الميت حيّا في النظر، فالموت هنا، كما يرى الفنان “سرير آخر للحب”. وهو الجمال الذي قد يكون باستطاعته “أن يتحدى الزمن والموت”.

 

عيسى مخلوف: “ما سوف يبقى

دار التنوير، بيروت 2019-11-27

112  صفحة.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية