تونس ـ «القدس العربي»: شهد المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بمدينة الثقافة بتونس العاصمة افتتاح معرض للفن التشكيلي فريد من نوعه بما أنه يعرض أعمال رسامين فارقا الحياة هما الهادي خياشي ونجله نور الدين خياشي، لكنهما خلدا إسميهما ووثقا لمرحلة هامة من تاريخ تونس هي فترة الستين سنة الأخيرة من حكم العائلة الملكية الحسينية التي ساست تونس لقرابة ثلاثة قرون ونصف وتمت الإطاحة بعرشها وإعلان تونس جمهورية سنة 1957 من قبل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه.
وقد حكمت هذه العائلة منذ سنة 1701 ومعها استقلت تونس نهائيا عن الإمبراطورية العثمانية، وبصورة مبكرة مقارنة بجيرانها، وأصبحت تسمى رسميا المملكة التونسية ولم تعد الإيالة التابعة للباب العالي منذ سقوط الدولة الحفصية. وتبادلت المملكة التونسية البعثات الدبلوماسية مع الخارج بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت لها رايتها الخاصة التي بقيت معتمدة إلى اليوم كعنوان للسيادة والاستقلال ولم يتم استبدالها رغم كثرة المتغيرات التي شهدها البلد.
ورغم أن لهذه العائلة الملكية عديد الإنجازات الهامة، التي تحسب لها ومن بينها رعايتها للحركة الإصلاحية التي عرفتها تونس خلال القرن التاسع عشر والتي توجت دعواتها بقوانين ثورية وحركة دسترة مهمة في العالمين العربي والإسلامي، إلا أن كثيرا من التونسيين من أنصار الجمهورية لا يستسيغون ذكرها بسبب تورط بعض ملوكها الفاسدين في جلب الوصاية الفرنسية التي فُرضت على تونس وتحولت لاحقا إلى استعمار. لكن من المفارقات أيضا أن من بين ملوكها من قاوم الاستعمار الفرنسي أو كان سندا للوطنيين وقادة الحركة الوطنية في نضالهم ضد الاستعمار الفرنسي وتسبب ذلك في خلعه عن العرش.
ولعله من المرجح أن هذا الربط بين العائلة الملكية الحسينية والاستعمار في أذهان البعض هو الذي جعلهم يحاولون طمسها من تاريخ البلاد وشمل ذلك أدباءها ومفكريها ورساميها وغيرهم. وكان الهادي خياشي ونجله من بين من وُضعوا في رفوف النسيان ولم ينالوا شهرة كبار رسامي الخضراء من أمثال زبير التركي ويحي التركي وعمار فرحات وعبد العزيز القرجي وغيرهم ممن سطع نجمهم محليا وخارجيا.
توثيق دقيق
لقد كان الهادي خياشي رسام بورتريه للعائلة الملكية وثق من خلال لوحاته تفاصيل حياتها اليومية وأنشطتها الخاصة والعامة، وقد عاش بين سنتي 1882 و1942. أما ابنه نور الدين خياشي الذي عاش بين سنتي 1918 و1987 فقد ابتعد قليلا عن القصور الملكية وصور الحياة اليومية للمواطنين التونسيين والأماكن القديمة والمناظر الطبيعية وكانت المرأة ضمن دائرة اهتماماته بأناقتها ولباسها التقليدي الأصيل.
لقد علق أحدهم بالقول بأن رسومات الهادي وابنه نور الدين خياشي هي توثيق دقيق لتونس في أواخر الحقبة الملكية، ويمكن لهذه اللوحات أن تُغني المؤرخين عن عناء البحث في الأرشيفات عن تلك الفترة الزمنية، وبالتالي لا بد من حفظها وصيانتها والعناية بها على غرار ما يحصل مع وثائق الأرشيف الوطني. وزيادة على ذلك فهي إبداع فني استثنائي بأنامل تونسية تؤكد لزائر المعرض على أن الموهبة يمكن أن يتوارثها أفراد العائلة الواحدة وليست بالضرورة حكرا على أحدها.
وللإشارة فإن نور الدين الخياشي كان أيضا قريبا من رموز الحركة الوطنية التونسية من أبناء الحزب الحر الدستوري الذين أطاحوا لاحقا بالملكية لتتحول المملكة التونسية إلى جمهورية وذلك بالرغم من قرابة والده بالعائلة الملكية المطاح بها. وبالتالي فقد أوكلت لنور الدين الخياشي من قبل نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة مهمة رسم شعار الجمهورية التونسية الجديدة التي تأسست في 25 تموز/يوليو 1957 وهو الشعار المعتمد إلى اليوم والقائم على ثلاثية النظام والحرية والعدالة ورمز فيه نور الدين الخياشي إلى الحرية من خلال سفينة وإلى النظام من خلال أسد فيما خصص ميزانا ليرمز به إلى العدالة.
ولا يعرف أغلب التونسيين أن الخياشي الإبن هو من صمم شعار الجمهورية الجديدة، لذلك كان هذا المعرض فرصة للتعريف به وبإبداعه لدى الأجيال الجديدة. وسيكون تقديم الكتاب الجديد الذي سيصدره نجل نور الدين الخياشي فرصة وبداية ليتصالح كثير من التونسيين مع مثقفيهم ونخبهم.
تغييب متعمد
يشعر زائر المعرض كأن حلقات تاريخ تونس قد اكتملت في ذهنه باعتبار أن الفترة الزمنية التي تم تناولها بالرسم تم تغييبها من قبل الدولة الوطنية، وكأن الجمهورية تخجل من ماضيها الملكي وترغب في طمس كل ما يتعلق بالمملكة التونسية. لقد كان إعلان الجمهورية عودة إلى الأصل وتحديدا بداية لتشكل الكيان السياسي التونسي في القرن التاسع قبل الميلاد تحت مسمى قرطاج التي كان شكل الحكم فيها جمهوريا ولديها مؤسسات منتخبة بما في ذلك الأسبطية الشبيهة برئاسة الحكومة ويرأسها سبط.
لكن الاعتزاز بالجمهورية وقيمها، وبتبني نظامها، لا يبرر طمس فترة هامة من تاريخ البلد مهدت لحاضر البلاد. وبالتالي كان لا بد من إطلاع التونسيين على تاريخهم حتى تكتمل الصورة في أذهانهم.
والحقيقة أن توثيق التاريخ من خلال الرسم كان سابقا لتوثيقه كتابة وهو ما تؤكده الرسومات في كهوف الإنسان البدائي وفي مباني الحضارات الأولى التي عرفتها الإنسانية. وحتى عندما تم اكتشاف الكتابة ووضع الحروف الأبجدية واصل الإنسان تخليد التاريخ بالرسم وهو ما تؤكده اللوحات الفسيفسائية التي تصور مختلف الأنشطة كممارسة الحكم والصيد والفلاحة والتجارة وغيرها من الأنشطة.
ويدوم هذا المعرض الضخم الذي افتتحته وزيرة الثقافة حياة قطاط القرمازي بحضور رئيسة الحكومة نجلاء بودن ثلاثة أشهر من كانون الثاني/يناير وآذار/مارس 2023. وهو يأتي بالتزامن مع صدور كتاب «هادي ونور الدين الخياشي ركيزتان من ركائز الرسم التونسي في تناغم تام» وهو من تأليف الثنائي تاج الملك الخياشي نجل نور الدين الخياشي، ومصطفى شلبي.
وسيتم تقديم هذا الكتاب أواخر هذا الشهر بالمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة، أي بنفس المكان الذي تعرض فيه لوحات الفنانين التونسيين خالدي الذكر. وستكون مناسبة للنقاش مع الزوار حول أهمية الفن التشكيلي في كتابة التاريخ وأهمية أعمال الرسامين في توثيق تاريخ البلاد. كما ستكون المناسبة فرصة للقاء بين أحباء الفن التشكيلي من جهة، وهواة المطالعة والشغوفين بالكتب وآخر الإصدارات من جهة أخرى وذلك في محراب مدينة الثقافة، هذا الصرح الثقافي الذي يحمل إسم واحد من أهم أعلام الثقافة التونسية.
شاهدان على العصر
وترى الصحافية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي سامية حرار في حديثها لـ«القدس العربي» أن الخياشي الكبير ونجله ومن خلال أعمالهما المعروضة يمكن اعتبارهما شاهدين على العصر توليا بأمانة وبـ»الألوان» وبريشة الفنان، نقل أهم ما ميز الحقبة التي عاشا فيها. وبالتالي فإن أهمية المعرض تكمن برأيها في الإطلاع على خصائص المجتمع التونسي وعاداته وحكامه في بداية القرن العشرين من خلال لوحات ناطقة كأنها فيلم وثائقي.
وتضيف محدثتنا قائلة: «لقد أحسنت إدارة المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بمدينة الثقافة اختيار هذه اللوحات التي تخص اثنين من أفضل من أنجبت الخضراء في مجال الفن التشكيلي. ومن المؤكد أن العمل الفني كلما كان نابعا من الواقع المعيش كلما كانت فرص نجاحه أكبر والدليل هذا النجاح الباهر الذي لقيته الأعمال الأدبية والسينمائية والموسيقية وغيرها التي رأى فيها التونسيون أنفسهم في المرآة.
وبالتالي فإن نجاح هذا العرض مؤكد والإقبال الجماهيري سيكون هاما ولافتا، وما على الجهات المسؤولة إلا أن تبرمج باستمرار مثل هكذا عروض حتى تعم الفائدة على الجميع. ففي ظل هذا الكسل المعرفي وعدم ذهاب الناس إلى الأرشيفات والمكتبات لا بأس من أن تأتيهم الوثيقة التاريخية إلى دور عرضهم وبمسحة جمالية يؤمنها الفن التشكيلي ومبدعوه».
فضاء التشكيليين
وللإشارة فإن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر الذي استغرق الإعداد له وتحضيره حوالي ثلاث سنوات، والواقع بمدينة الثقافة، قد تم افتتاحه منذ الصائفة الماضية وأصبح مقصدا ومحجا لهواة الفن التشكيلي والفن الراقي في تونس. فمنذ افتتاحه انتظم بقاعة عرضه معرض فني بعنوان «الفنون التشكيلية في تونس، رحلة مع الرصيد الوطني1850- 2021» ضم عددا كبيرا من العارضين من فنون أخرى مشابهة على غرار النحت والتصوير الفوتوغرافي.
وللفن التشكيلي في تونس تاريخ ضارب في القدم جعل من الضروري أن يكون للفنانين التشكيليين فضاء يفتح لهم أبوابه للقاء ولعرض أعمالهم. ومن المؤكد أن هذا الفضاء الثقافي الهام الذي عد مكسبا سينفض غبار النسيان عن كثير من الفنانين التشكيليين المبدعين سواء الأحياء أو الأموات وذلك مثلما فعل مع هادي الخياشي ونجله نور الدين الخياشي.