متحف باردو في تونس يحتضن معارض فنية موازية: عندما تنقل الصور الفوتوغرافية قصة التاريخ والإنسان

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: منذ إعادة افتتاح متحف باردو بتونس بعد الضربة الإرهابية الشهيرة التي استهدفت زائريه القادمين من شتى أنحاء العالم، اعتمد بشكل لافت على المعارض والأنشطة الفنية والثقافية الموازية لتعزيز برامجه وحضوره في الحياة الثقافية التونسية. وتُعدّ هذه الفعاليات الفريدة التي تنظم في ربوعه، إلى جانب العرض الدائم للتحف والقطع واللوحات الأثرية النادرة التي ترجع إلى حقب تاريخية متعددة، عنصر تنويع يُتيح للزوار تجربة فريدة وخروجا عن المألوف في المتاحف التقليدية. ويعتبر المتحف الوطني بباردو بالعاصمة واحدا من أشهر متاحف العالم، بالنظر لأقدميته حيث يعود تاريخ تأسيسه إلى نهاية القرن التاسع عشر وبالنظر لأهمية معروضاته القرطاجية والنوميدية والرومانية والإسلامية وقيمتها التاريخية والشهرة العالمية للكثير منها.

بين «الدريبة» والقصر الصغير

والملاحظ أن المتحف قد كثف من أنشطته الثقافية في الأسابيع الأخيرة بشكل لافت، حيث شهدت فضاءاته المخصصة للعروض تنظيم ثلاثة معارض موازية في آن واحد. واعتبر البعض هذا التنظيم الثلاثي سابقة تستحق التنويه والاحتفاء بالنظر للديناميكية التي خلقتها في المتحف الذي خرج من حالة الجمود التي تعيشها مختلف المتاحف.
حمل المعرض الأول – الذي يتواصل حتى 25 تموز/يوليو المقبل – تسمية «داكووردو». وتعني التسمية «اتفقنا» باللغة الإيطالية، وهي كلمة مستعملة في العامية التونسية مثلما توجد كلمات تونسية مستعملة في الجنوب الإيطالي بالنظر إلى القرب الجغرافي وخضوع البلدين في حقب مختلفة لنفس الدول سواء أكانت العاصمة في الضفة الشمالية للمتوسط أو في الضفة الجنوبية. فالإيطاليون خضع جزء هام من أراضيهم لقرطاج ولدولة الأغالبة في القيروان، فيما خضعت تونس للرومان خلال فترة هامة من تاريخها وسقطت بعض مدنها الساحلية في عصر ما بيد الغزاة النورمانديين القادمين من صقلية التي كانت خاضعة لتونس خلال حقب عديدة. ويحكي معرض «داكووردو» قصة الوجود الثقافي الإيطالي في تونس، عبر الصور الفوتوغرافية، بتنظيم من فيليبو ماجيا وبمشاركة كل من كلاوديو غوبي وتوماسو فيسكاليتي من إيطاليا ومن تونس سعاد ماني. ونقل هؤلاء المصورون بعدستهم وأحاسيسهم عمق هذه العلاقة بين البلدين، وقدموا للزائرين رحلة إلى أعماق الماضي من خلال تصوير مبان أثرية تحمل الطراز الإيطالي في تونس.
وأقيم هذا المعرض في القصر الصغير باعتبار أن متحف باردو يتخذ من أحد أجزاء قصر باردو الملكي التاريخي مقرا له، وهو القصر الذي شيد في عهد السلاطين الحفصيين وتواصل استغلاله مع العثمانيين والمراديين وخلال فترة حكم المملكة الحسينية واتخذت الجمهورية الجديدة من مبناه الرئيسي مقرا للبرلمان التونسي. وبالتالي فالقصر الصغير هو جزء من مركب قصور باردو وقد بات فضاء للثقافة والإبداع، تشهد جدرانه على تاريخ مجيد وحاضر لا يقل مجدا عن الماضي التليد باعتباره بات محرابا للفنون والعروض الثقافية الراقية.
أما المعرض الثاني فعنوانه «المدن الخفية» ويهتم بمدن أثرية وتاريخية لم يقع تسليط الضوء عليها كما يجب من قبل المؤرخين، وقد أقيم في قاعة «الدريبة» بالمتحف الوطني بباردو. ويهدف إلى تثمين مرحلة العصور القديمة المتأخرة من خلال إعادة إبرازها عبر ترميم بعض المعالم الأثرية التي كانت تزين الفضاء الحضري في ذلك الوقت. وتم إنتاج هذه التمثيلات كجزء من التعاون العلمي الوثيق وباستخدام أحدث تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، وهي أيضًا جزء من التقليد الغني لرسم البقايا القديمة التي تم تطويرها منذ عصر النهضة. يساهم المعرض في إعادة اختراع فن ترميم الآثار المفقودة، من خلال تقديم لوحات باستخدام أحدث تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، مصحوبة برموز الاستجابة السريعة التي تقدم معلومات إضافية.
وسبق هذين المعرضين، معرض مميز حمل عنوانا لافتا مقتبسا من شخصيات أسطورية نسائية احتلت مرتبة الآلهة ينتمين إلى حضارات مختلفة وهن «إيزيس، أفروديت، سيبيل والآخريات»، وقد أقيم في الفضاء الثقافي متعدد الأغراض بالمتحف الوطني بباردو أيضا.
إن كل معرض من هذه المعارض لوحده هو ثمرة منهج علمي وجمالي، وأيضا ثمرة شراكات قيّمة بين فاعلين متعددين في المشهد الثقافي والتاريخي والأثري في البلاد التونسية. وتُسلّط هذه المعارض المتنوعة الضوء على قطع أثرية غير معروفة من مجموعات المتحف، وعلى مشاريع ثقافية مشتركة، بعضها يعكس عمل المعهد الوطني للتراث بتونس.
برهن متحف باردو مرة أخرى أن المتاحف ليست مجرد حراس للماضي، بل هي مساحات حية حيث يعيد التاريخ اختراع نفسه. ففي تلك المعارض اندمج الفن بالتاريخ، وبدا وكأن تماثيل الآلهة القرطاجية القديمة تستيقظ، وتضفي بعدًا خالدًا على هذا المكان الغارق في التاريخ.

جذب جماهيري

علاوة على ذلك، تُسلّط هذه المعارض الضوء على تنوّع مساحات المتحف وقدرتها على استضافة معارض مؤقتة تجلب المزيد من الزائرين من المحليين الذين يستهويهم التعرف على هوية بلادهم وتاريخها الضارب في القدم وأيضا من السياح الأجانب الراغبين في التعرف على الموروث الحضاري والثقافي للبلاد التونسية. ويُظهر عمل مصممي السينوغرافيا في كل مرة يقام فيها معرض من هذه المعارض أن كنوز المتحف التونسي العملاق تنتظر الانطلاق، والأهم من ذلك، أن التحف الأثرية المعروضة على جماليتها وإبداعها من قبل الأولين تزداد بهاء مع جمال القصر التاريخي الذي يعود تاريخ إنشائه إلى قرون خلت.
إن هذه المعارض المؤقتة تضفي حيويةً كبيرةً على المتحف وتسهم في زيادة جاذبيته، وتُشكّل الآن جزءًا هامًا من نشاطه منذ أن أعاد فتح أبوابه للزائرين من تونس ومن غيرها من بلدان العالم والذين يتنوع برنامج زيارتهم فلا يكتفون فقط بمعروضات القاعات الرئيسية للمتحف. إن هذا النهج الذي تسلكه وزارة الثقافة جدير بالثناء باعتباره يعيد إحياء متحف باردو ويضفي عليه حركية وحيوية وذلك في انتظار إعادة افتتاح الطابق الثاني من هذا المتحف الشهير والذي لا يزال مغلقًا في انتظار اكتمال أعمال الترميم الجارية على هذا القصر التاريخي المهيب.
وترى الكاتبة الصحافية التونسية المختصة في الشأن الثقافي لمياء الشريف في حديثها لـ«القدس العربي» أن المتاحف التونسية الكبرى وخصوصا متحف باردو هي الذاكرة الحية لتاريخ البلاد وهويتها. وتوجد في هذه المتاحف، بحسب الشريف، قطع فنية أثرية لا تحصى ولا تعد، تعرض بالجملة قد لا ينتبه المرء لوجود بعضها كما يجب وقد يعيرها الأهمية اللازمة في زيارة خاطفة للمتحف رغم أهميتها.
وتضيف محدثتنا قائلة: «أن متحف باردو لا يتضمن فقط لوحة الشاعر القديم فرجيل أو ما يرجح أنه درع القائد القرطاجي الشهير حنبعل أو صفحات المصحف الأزرق القيرواني أو اللوحات الفسيفسائية التي صنعت شهرته والتي خلدت الحياة اليومية للتونسيين في الأزمنة الغابرة وعاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم ولباسهم، أو غيرها من التحف التاريخية الشهيرة. إن المتحف يتضمن أيضا قطعا أخرى ولوحات هامة تقتضي التثمين قد لا ينتبه لها الزائرون في خضم اهتمامهم بالمعروضات الشهيرة لمتحف باردو، وهو ما جعل وزارة الثقافة تنظم هذه المعارض التي تسلط الضوء على أحد المحاور وتعرض القطع الخاصة به في قاعات عرض خاصة داخل المعرض وبطريقة مختلفة من حيث الديكور والأضواء تزيد من التعريف بهذه التحف.
وقد لقي هذا التوجه في الخروج عن المألوف بتنظيم هذه المعارض استحسان الجميع، حيث تعرف الزائرون أكثر فأكثر على مخزون هذا الصرح الثقافي الهام وزادت أعداد زائري المتحف ممن يرغبون في سبر أغوار هذا البلد ومعرفة ما تميز به عن غيره عبر العصور. ولعله من الأفضل لو يتم تعميم هذه التجربة على باقي متاحف البلاد على غرار متحف قرطاج الذي ينتظر الجميع إعادة فتحه للعموم ومتحف الآثار الإسلامية برقادة بمدينة القيروان ومتحف سوسة وغيرها».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية