«متقاعد» رواية المصري محمود عبد الوهاب: عذابات مواطن يخشى المستقبل بعد انتهاء خدمته الوظيفية

صابر رشدي
حجم الخط
0

يتبادر إلى الذهن أن هنالك، في الفترة الأخيرة، كثيرًا من الروايات التي صارت تعتمد على عناصر من شخصية المؤلف، كالاعترافات والمذكرات واليوميات والإفصاح عن الذات، حيث يقوم الكاتب الحاذق باستخدام الاستعارة، متخفياً وراء شخصية أخرى، في محاولة للتبرؤ من شخصيته، لاجئاً أحياناً إلى التخييل والتجريد والرمزية لحماية ذاته، واتقاءً حملات التفتيش الشخصي، واعتبار النص سيرة ذاتية لمؤلفه.
تلك كانت ملاحظة سريعة، شعرت بها بعد قراءتي رواية «متقاعد» للكاتب محمود عبد الوهاب، الذي أصدر من قبل عدداً من الأعمال الروائية: «سيرتها الأولى»، «العيش في مكان آخر»، «زيزينيا»، وعدداً من المجموعات القصصية: «كل شيء محتمل في المساء»، «على قيد الحياة»، ونصوصاً سردية: «الأشياء التي فهمتها»، ومتتالية قصصية: «أحلام الفترة الانتقالية».
في هذا العمل، يلجأ الراوي إلى تقنية البوح. سرد محطات من حياته، وهو على مشارف الوصول إلى سن التقاعد، وهي في مصر تعني بلوغ الستين عاماً، قمة النضج، والخبرة العميقة بالحياة، التي تتيح له وضع كشف حساب للماضي بأكمله، منذ طفولته، بادئاً من عمر الخامسة تقريباً، لحظات البراءة وقوة الذكريات حتى لحظات زمن الحكي. ثم الاستعانة بشخصية محورية داخل الرواية، شخصية الطبيب النفساني، لتنوب عن القارئ في تلقي اللحظات المحرجة، الاعترافات السرية، لحظات الضعف، والأفكار الحائرة، الاكتئاب، والتفكير الدائم في الانتحار.
لقد بدا الراوي على درجة كافية من المكر كي يختار هذا الوسيط، ليبتعد عن التماس المباشر مع القارئ، وهو يعرض عليه هذه الاعترافات. متخلصاً، في الوقت نفسه، من النموذج الكافكاوي، ومنحى دوستويفسكي في معالجة شخصياته وهو يحفر عميقاً داخل النفس البشرية، مستخلصاً الآلام والمعاناة، واضعاً إياها تحت المجهر.
الكاتب يهدي العمل إلى نفسه التي أرهقته وأرهقها، علَّهما يتصالحان. فهو يعترف، منذ اللحظة الأولى، بأنه لا يعرف إن كانت هذه مذكرات، أو يوميات، أو رواية، أو نصاً وكفى. فهو على وشك الخروج إلى التقاعد، يعيش لحظات دهشة، كيف مر عليه كل هذا، وحيداً، في حاجة إلى الإفضاء، البوح، إلى صديق يستمع إليه. فلتكن الورقة البيضاء إذن، هي ما سيصغي إليه. إنها المستقر الأول للكلمات.
يتذكر مَشاهِد الطفولة، أمه وهي ترضع شقيقه الأصغر. ثم يمر على مواقف كثيرة تجمعهما، الأشياء التي كان يتحرج في طلبها من أبيه، طالباً منها التدخل، لأنه يعلم رفضه، وعدم استجابته. يوم أن قال لها: «قولي له في حالة روقان كده و..»، متمثلاً حوارات الفنان عادل إمام في أفلام السبعينيات. فرأى تحولاً كبيراً في رد فعلها إزاء هذا الأسلوب، زأرت في وجهه، هددته مباشرة، من دون أن تستخدم اسم أبيه، أو أنها تنوي إبلاغه. كانت المرة الأولى والأخيرة التي يراها غاضبة على هذا النحو. الأم هي الملاذ الآمن الذي نأوي إليه، تمثل التأثير الكلي في حياتنا، الطمأنينة، كل الأمور معها تجري في يسر، ورِقَّة، تفانٍ بلا حدود، عنصر الستر الموثوق به. لذا كانت علاقتهما عميقة، فهي لا تتركه لنفسه، تلح عليه دائماً بالزواج، كي تطمئن على حياته وشؤونه، وأن يكون هناك من يعمل على رعايته. يتذكر جيداً، عامها الأخير، عندما استشعر اقتراب النهاية، لحظة وفاتها، فراح يسجل صوتها عبر المكالمات التي تجريها معه، ليمسك بقايا منها، ونس الصوت، استعادة وجودها عندما تزعجه الأيام.
ثمة حياة عادية، تجري فوق السطور، لا يتخذ فيها الراوي سمتاً زائفاً، ليخدع به القارئ. لم يخترع أحداثاً مثيرة، فهو لا يميل إلى ادعاء البطولة، أو رسم خط ملحمي لشخصية تتمتع بصفات خارقة. إنه إنسان عادي، واقعي، أنا، أو أنت، حياة بلا ميلودراما، شخص مثقف، متوازن، محب للقراءة والكتابة، بدون طموحات أدبية. لا شيء يعنيه، هاوٍ، ميال إلى رفقة الكتب، وزيارة معارض الفن التشكيلي. حتى نزواته، مغامراته النسائية، يحكيها بشيء من عدم الاستعراض، نافياً «الدون جوانية» عن تلك الغراميات، غير مفتون بالتوقف عندها طويلاً. إنه يميل أحياناً إلى وصف لحظات الضعف الإنساني، والجسدي، عابراً هذه المسافات برفق. لا فخار في سردها، رغم اعترافه بحاجته إلى امرأة بجانبه.
عادية الراوي/ البطل، واقعية الحكايات، مطالعة المألوف، وجريان تيار الحياة، بسيطاً، في غير تعثر، ربما كانت هذه العناصر وراء السر في انسيابية الرواية. إن معظم الأحداث تجري كما تجري في الحياة، وكما هي الآن. نوع من الكتابة شبيه بالعلاج، كتابة تطهير، لكنها وجدت في النهاية من يطالعها. فهو راوٍ وحيد، ربما أراد أن يخلد اسمه في التاريخ، بديلاً عن إنجاب ذرية تحمل هذا الاسم. فقط، يحتاج إلى الإنصات، رغم الزخم الذي يحيط به نفسه، سهر مع الأصدقاء، اللجوء إلى الشرب. وفقاً لطقوس معينة، أنواع معينة. فهو لا ينسى حظه من الدنيا.
يتنقل الحكي بين عدة أمكنة، إسكندرية حيث المولد والنشأة والعائلة. ثم القاهرة حيث التعيين في وظيفة بعد التخرج. ثم شراء بيت في إحدى القرى كمنتجع ريفي للراحة من أعباء الحياة، إنها رحلة موزعة بين هذه الأماكن، تدور معظم الأحداث بين ربوعها، عوالم مزدحمة، لا تكف عن إمدادنا بمزيد من الحكايات. إنه يقول: «ليست هذه رواية لأخذ منها ما يُحتاح إلى ذلك، هذه راحتي النفسية التي أكتب من أجلها، والتي تماثل، بل تفضُل في بعض الجوانب الطبيب النفسي، لأنني هنا أستطيع الرجوع إلى ما كتبت».
غالباً ما كان الاكتئاب يهاجمه، بينما كان يحاول الحد من انتشاره، بكثرة الخروج من البيت، بالتبذير، التجديد المستمر للأثاث، والإسراف في الشراب، أو اختلاق رحلات لكسر إيقاع الحياة، الهروب من الملل والرتابة، صحبة بعض الرفاق، لا يهمه المال أو الوقت. ضغوط الوظيفة أيضاً، دائماً ما ترهقه. متاعب العمل، المرتبطة تحديداً بالأشخاص، الرؤساء، والمرؤوسين، علاقات لا يحكمها الصالح العام، معظمها اختلافات شخصية، كل موظف يأوي بداخله حيوانه الخاص: فهذا ضبع وضيع لا يتورع عن التهام زملائه وهم أحياء. وهذا أسد لا يستطيع أن يتوقف عن القتل. وتلك غزالة تعيش في سلام، هاربة من المشاكل والمواجهات. ثم يأتي دور العصافير، الفئة الأكثر انحطاطاً في المنظومة الروتينية، إنهم الوشاة، الخبثاء، الذين ينتشرون في جنبات كل المصالح الحكومية، نوعية رديئة من البشر لا تبحث إلا عن مصالحها على حساب الصالح العام، نوعية لم تأخذ حقها في الأعمال الأدبية حتى الآن، لتوضيح دورها المخرب، المعوق للعمل، حسب ثقافة «المؤسسة».
أما هو، بشخصيته الانعزالية، فيميل إلى التشبه بدور حيوان الكسلان. الذي يراقب الأمور بلا اهتمام. ويعترف بأنه عندما اقترب من بلوغ سن التقاعد، انطفأ وظيفياً، وراح يعد الأيام المتبقية، يقضيها كما اتفق، شاعراً بالسعادة كلما مر يوم، لأن ذلك سيخلصه من معاشرة هذه النماذج الإنسانية الشائهة. يجعله حراً طليقاً، بلا قيود. فهذه غايته المنشودة في نهاية المطاف.
قد يكون مصدر ثراء هذه الرواية هو ذاتية الراوي، وسرده غير المتحرج للمنعطفات المهمة في حياته، جاعلاً من نفسه خير تمثيل لهذه الحياة، يحكي قصته وهو ما زال عالقاً بالزمن الوظيفي، مضيئاً اللحظات الثمينة، حسب التقاليد الرومانسية. لكنه لم يعرج على مواقف تراجيدية عنيفة، كنغمة ملازمة لهذا التيار بوجه خاص، ودونما اهتمام بصمود، أو سقوط العمل. فهو يخاطب المجهول في المقام الأول، متخلصاً من ثقل الوحدة، وعدم وجود الزوجة، الحبيبة، البنين، البنات. إنها العزوبية القاسية، التي تسحب المرء إلى مياهها العميقة، سالبة منه العمر، من دون أن يدري، تخدره حتى لا يلتفت إلى مكر الزمن، والعمر المسروق، وحتى لا يعرف أن هناك حياة مختلفة كان يجب أن تُعاش.
نحن بصدد رواية تراوح بين الواقع الصريح والخيال المطلق، لكن الخيال هنا يمتح من العادي والمألوف، ولا يستعين بالفانتازيا، أو أيٍّ من العناصر الأخرى لتغذية السرد ودفعه إلى الأمام. فالتضفير والتداخل بين التيارين الرئيسيين بدا متوازناً، وواضحاً للعيان. فالسرد وقص القصص والروايات لا يحتاجان سوى العثور على النبرة الأسلوبية السليمة، التي تقود العمل، وتبتعد به عن الإطناب، الذي يضرب مهارة الإبداع، ويجنح به إلى الخفة، والتهافت.
إن النص الجيد يضفي مغزى على خبرتنا بالحياة، ويقود إلى فهم عواطفنا بدقة على ضوء ملاحظات الكاتب، ومضمون عمله، الذي يستدعي عوالم أخرى، تجعلنا نعبأ بها، ونتفاعل معها. السارد، أحياناً، يتحول عن الخط الذي يمضي فيه، يعرض علينا إحدى المشكلات التي تواجه المواطن المصري تحديداً، والتي تجعله يشعر شعوراً قاتلاً بالغربة، وافتقاد الأمان. كأن يصير متهماً، ومعرَّضاً للسجن، من دون أن يدري، وبلا جرم ارتكبه، سوى تشابه اسمه مع أحد الأشخاص. إنه يدخل في متاهة كابوسية، كذبابة وقعت بين خيوط العنكبوت، يحتاج إلى معجزة حقيقية للتخلص من هذا الخناق. يرى أياماً قاتمة، صريعاً، ومُستغَلاً من بعض الموظفين الفاسدين، الذين يعلمون الحقيقة، ولكنهم يضيقون عليه الخناق، يجعلونه مرتعباً، يبتزونه طمعاً في الرشوة: «لا أصدق حتى الآن الهزة النفسية التي تعرضت لها، من بعد موضوع ضرائب التصرفات العقارية، حقاً لقد انتهى الموضوع، لكنه ترك ندوباً لا تزول».
كان درساً قاسياً، فأن يكون في مقدرة موظف مرتشٍ أن يمنح بائع شقة إعفاء من الضريبة، بإلقائها على عاتق مواطن آخر، لا يربطه بالأول إلا تشابه الأسماء، فذلك أمر مريع. تأتي مشكلة أخرى، تبين تواطؤ شرطي فاسد مع بعض «البلطجية» عندما تلقي فتاة صغيرة بنفسها على أحد جوانب سيارة الراوي وتدعي الإصابة، فيشعر بالرعب والارتباك، فيأتي بعض الشباب للتدخل. يقترح الراوي أخذها إلى مستشفى القصر العيني لعلاجها، ولكن الشباب يقترحون اسم مستشفى آخر، فيمتثل لهم. هناك يكتشف الخديعة. دفع مبلغاً مالياً إلى الفتاة حتى تنصرف، وإلى أمين الشرطة المنوط به عمل المحضر الخاص بالإصابة الزائفة، حتى لا يقيد اتهامات تدفع به إلى المحاكمة. إنها الأشياء العادية التي قد تثير الرعب والثورة في أماكن أخرى.
يختتم البطل روايته، بعدد من المفاجآت. بأنه يائس، ومحبط، ويفكر في الانتحار: «وصلت إلى حد أن سُدت الطرق أمامي في الوصول إلى حل لحياتي، ماذا أفعل؟ وإلامَ أعيش؟ وقد فقدت كل شيء، فقدت أسرتي».
يبدأ بعدها في مونولوغ موضوعه الحيرة، القلق من المستقبل، انسداد الأفق تماماً وهو على عتبات الستين. تلك السن المفزعة في مصر، التي تعني لموظفي الدولة أنه قد حان وقت الانصراف، حان وقت تدبير الحياة بربع الراتب الذي كان يتقاضاه الموظف من قبل، وهو أيضاً لا يكاد يكفي.

محمود عبد الوهاب: «متقاعد»
دار ميريت، القاهرة 2021
303 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية