إنقاذ العالم؛ مهمة ليست سهلةً على الإطلاق، وقد تكون خطرةً إلى درجة تدميرنا له ونحن نظن أننا ننقذه. فلم يعدَم العالم كما نعلم مجانين مثل هتلر في الواقع، حاولوا ذلك وكانوا رسامين وشعراء وكُتّاباً/ فاشلين على الأغلب؛ كما لم يعدَم موهوبين في خيال السينما، مثل أطفال «أمبريللا أكاديمي» المساكين الذين هيأهم الكبار جنوداً خارقين، لإنقاذ العالم، وكانوا سبب دماره في كل محاولةٍ لإنقاذه.
الشاعرة المصرية جيهان عمر، لحسن حظنا، ليست كذلك في مجموعتها الشعرية العابثة وغير العابثة، الحالمة وغير الحالمة، الساعية وغير الساعية إلى ذلك: «حين أردت أن أنقذ العالم». بل هي ربما أقرب إلى طفل الروائي الألماني «ميخائيل إنده» في «القصة التي لا تنتهي»، بمحاولة إنقاذه عالم الخيال من هوة فم الزوال الزاحف، ليجدّد فينا الخيال؛ وإن سارتْ ببساطتها المعقّدة وتعقيداتها البسيطة، مغمورةً بـ: «طمأنينة مفاجئة» في خطوط وألوان لوحاتٍ شعريةٍ متداخلةٍ، أقرب إلى عوالم الفنان السوريالي المدهش رينيه ماغريت، لتقدم لنا ما يفتح عوالم الذات على الذات وعلى الآخر الذي هو كذلك قرين الذات؛ وتدَعَنا محتارين وغير محتارين في رسمها لصورة الشعراء وصورة الخوف منهم، وللتساؤل عن وظيفة الشاعرة والشاعر، ليس في رغبة إنقاذ العالم الملتبسة فحسب، وإنما في فقدان نقطة الغين في «وظيفة شاغرة»:
«لا أتوقف عن الوقوع في فخاخ الكلمات
ولا أعرف أية مهمات سأتولى
تنقية الورود من الحقيقة
ورود الشك الصغيرة
التي يمكنها أن تطفوا فوق البحيرة
تلك التي صنعتْها الدموع
خلف باحة المنزل
ماذا ستفعل الشاعرة في العمل؟
تصنع طريقاً طويلاً
لغزلان شاردة
كي تحرّرها من خيالها..
تنحني قليلاً
على وجه العالم
لتطفئ الحروب
كما لو أنه
كعكةُ عيد ميلادٍ صغيرة».
في حينها الذي أرادت به أن تنقذ العالم، تُقدّم جيهان عمر كتاباً صغيراً مصمَّماً كما يبدو مع غلافه الجميل الموحي بعمليةٍ وأناقةٍ، للمرافَقَة في رحلة قطارٍ تحتاج بعض العزلة عن رائحة الزحام، لكنه، كما كُتُبِ المرافَقة النفيسة، يخدعُ قارئه المرافق، إذ لا يكتفي بإغلاق دفتيه في نهاية الرحلة، بل يمشي معه في الطريق إلى المقهى، ويجلس متأملاً ومُغيظاً له بين أصدقائه، وحبيبته ربما، وربما دخل معه قاعة الفصل ليستبدل فصلاً دراسياً بفصل منه.
ومن دون بنيةٍ تتضمّن فصولاً وتعقيدات، تُجري عمر ببساطةٍ في كتابها، نهرَ شعر يتدفّق بثلاثين قصيدة نثر، يستطيع القارئ عزل الثمانية الأولى منها: (لا تُعِد السمكات إلى البحر، قنديل البحر، قبلة خفيفة، نهر يتدفق من خلف رأسي، نائمة هناك، في فمك، سيرة ذاتية للبحر، وأقدام مترددة)، في باقةِ ما يمكن أن يطلق عليه: قصائد الماء، إذ يتخلل الماء هذه القصائد، مثلها، ومثل شاعرتها التي تبدأ كتابها به: أشبه الماء/ أتدفق دون أن أعلم إلى أين»، ليكشفَ بلا لونه ولا طعمه ولا رائحته عوالمَ طبيعة «الأنثى التي تشبه الريح والرجل الذي يشبه البحر»، والحريةَ التي تنسج أجنحة المرأة، والعمقَ الذي يشدّ ثبات الرجل، وإن بغير معادلةٍ حيث يكون الذكر رجلاً، والمرأة أنثى، «رغم أن/ من عاداته أن ينساب كامرأةٍ/ فإن البحر رجلٌ/ والريح أنثى/ الريح تقبّل البحر/ قبلة خفيفة/ وتهمس/ بكلمات حبّ/ ثم تهجره دون اكتراث/ تغيظه/ بالحرية/ لا مكان محدّداً يأسرها/هو/ المكبل بهذا العمق/ باقٍ كالأبد».
وكذلك، عوالم الطفل الذي يتأمل حياته المائية السابقة في قنديل بحر خلف زجاج الأكواريوم، وحياة تحول الكائنات عبر الزمن، واللعب مع فلسفة هيراقليطس، حيث: «الإنسان لا ينزل نفس النهر/ والفكرة لا تمرّ عبر نفس الذهن/ الدماء تتجدّد دون قصد.»، والنفاذ منها إلى لمس فلسفة الكوانتوم، مع الدخول الشعريّ في قفل القصيدة بما لا يُتوقع، والمماثلة الشعرية الحلوة الممثلة لمسرات ومنغصات الحياة، بين حلو الثمار ومرور مُرّها في الحياة السعيدة بين حبيبين يعيشان البساطة على شاطئ نهر. ومن ثم التعامل مع الموت، والذي يوحي بعنوان المجموعة للشاعرة في «سيرة ذاتية للبحر» القاتل الصامت، والتساؤل على شاطئه، عن لحظة مفارقة الحياة، وعن الذي يُفترض فيه أن يحيينا فيقتلنا، من خلال شفافية المعالجة الشعرية لغرق صديق ذهب قبل أوانه. وختام التفاعل مع الماء بالتفاعل الحساس مع مأساة الآخر، بالقفلات غير المتوقعة المتفاعلة مع القصيدة كحياة.
فيما يلي من قصائد الماء، تتعمّق عمر وتتألّق أكثر في عوالم التداخل، بما يمكن للقارئ أن يضعه في باقة ما يمكن أن يطلق عليه بصورة عامة: «قصائد التداخل»، التي تميز النتاجات الحديثة لشعر ما بعد الحداثة، وبما يقترب من التبلور كحركة تتناغم مع آخر مكتشفات ونظريات وأحلام العلم، وتمتّن قواعدَها، وتسند جدرانها بمكتشفات مدارس بدايات القرن العشرين مثل الدادائية والسوريالية والعبث، وبما يفتحه دوران روح الشاعر نفسه في أفلاك ما يفتح أفلاكه على عوالم موازيةٍ ومغايرة، تكشف للإنسان أكثر ذي قبل غوامضَ وجوده ومصيره.
في تداخلها لإنقاذ العالم وفق طريقتها الهاربة من تهيئة وتجهيزات الآخرين، إلى درجة التخلص حتى التحرّر والطمأنينة المفاجئة، من بقايا الاكتناز بما فيها الحبّ، حيث: « «أُفرغ كل شيء من محتواه/ أُلقي العبوات الفارغة/ فتنمو في قلبي/ سعادةُ التخلص كنباتات منزلية/ في الحبّ أيضاً/ تقترب المشاعر من نهايتها/ أزيح البقايا بيد مترددة..». وحيث تتبلور الطبيعة الشاعرة بمخالفتها في «ماراثون» المخالفة حدّ حبّ الخطأ المطبعي الذي «يوجّه القصيدة وجهة أخرى»، بحرصِ من «تتعلم المشي للمرة الأولى»؛ في تداخلها لترك العالم يسير دون إنقاذ سوى بشعر التجدّد «من تلقاء ذاتها»، تُبلور عمر قصيدةَ نثرها المتداخلة، بمزايا: التداخل مع الحياة اليومية البسيطة، في سكونها وحركتها، سلامها وصراعاتها، أفراحها وأحزانها، بأسلوب:
ـــ اللقطة الذكية التي تُدرك عمق الارتباطات من واقع ما يمرّ بحياتها، ونسج القصة حوله برؤيتها وفلسفتها للتداخل والتجدد، مثلما تفعل في قصيدة «شال حريري يسقط إلى أسفل» التي يتفاعل فيها الداخل والخارج، والمثال وموضوعه في تبادل مدهش للأدوار: «قد يحدث أن تنزلق حياتكِ ناعمةً/ في غفلة منكِ/ مثل شال حريري على كتفي امرأةٍ/ سقط أسفل قدميها/ لن يلمحه سوى هذا الرجل/ الذي يراقب منذ البداية/ الرجل الذي ينحني ليلتقط الحياة/ بين أصابعه/ وهو ينادي اسمكِ بلهفة».
وفي قصيدة «أقشّر غموضها»، التي تتداخل فيها الحياة اليومية والأفكار مع التبادل في دوريهما، والتشارك بين الشاعرة والقارئ، بعد متعة كتابتها وعيشها أو تذوقها داخل الشاعرة.
ـــ تركيب الجمل والقصيدة من دون ترابط منطقي ظاهر، كما يحدث في الحلم، وكما تُركِّب الكتابة الآلية السوريالية من لغةٍ، تتفاعل مع إحساس القارئ وتدفعه لتوليد الارتباطات، مثلما تفعل في قصيدة «ألف زهرة وقمر» عن المرأة العاشقة التي ذهب عقلها كما يبدو.
ـــ فتح انسدادات دروب الحياة عند انغلاقها، بقوة الشعر، كما في «فراشات جدّتي» عند انسداد الولادة.
ـــ تبديل مواضع الرؤية، وتركيب أعين جديدة لرؤية العالم الذي يقتله الاعتياد، كما في قصيدة: «سأرى أخيراً»، حيث تُبدّل الشاعرة مواضع أجزاء جسدها: «سأرى أخيراً موضع قدمي/ وأسير../ أسير طويلاً/ بمجرد النظر».
ـــ قفلات الإدهاش الذكية التي تدوّر القصيدة على الأغلب إلى فاتحتها، كما في قصيدة وظيفة شاغرة التي تلعب بنقطة غين كلمة شاغرة: «أعلم أنه لا كثافة لوجودي/ أقع أحياناً من ظهر الحرف/ أختفي من جسد الكلمات مثل نقطة».
ـــ والتركيب السوريالي المبهر، مع العبث بترتيب الأمكنة والأزمنة والكائنات، باقترابٍ مدهش كما ذكرنا من أسلوب «ماغريت» في تبديل أعضاء الأجساد بأقفاص وثمار وطيور وما يبعث الإحساس بخفاء وعمق الارتباطات بين الموجودات، كما في قصيدة «حافلات وثمار» التي يجري فيها تصوير سرقة العقل خلسةً من مجهولين لنا لكننا نستشعر من هم، في التأكيد على السرقة، واستبدال فراغ الرأس بثمرة، لشدّ انتباه الآخرين، ولكن دون جدوى، وبجدوى تصوير القصيدة.
ولا يمكن نسيان العمق السيكولوجي الشفّاف الذي يسري في دم القصائد دون جلبة، وبطمأنينة الغبطة من ولادة نصّ مغاير في الرؤية والتركيب والعمق.
وباعتبار ما تلاقى وتناغم من قصائد كباقةٍ عليها بطاقة رغبة إنقاذ العالم، يلمس القارئ بقوةٍ وجود من تدور حوله فكرة إنقاذ العالم/ الشعراء، وفي مقدّمتهم الشاعرة نفسها، التي تطرح تساؤلاتها حول الشعر والقصيدة، وحول الشعراء في قصائد تليق بعبثهم وهيامهم في وديانهم، من مثل: «وظيفة شاغرة، الخوف من الشعراء، وجرّة لحفظ البقايا».
ختاماً، الشاعرة جيهان 1971 لديها ثلاث مجموعات شعرية مميزة كتجارب ملفتة قبل هذه المجموعة هي: «أقدام خفيفة» 2004، «قبل أن نكره باولو كويلو» 2007، و«أن تسير خلف المرآة» 2015.
جيهان عمر: «حين أردت أن أنقذ العالم»
دار المرايا للإنتاج الثقافي، القاهرة، مصر 2021
112 صفحة.