كمن يصطاد الأسماك، وهو ابن البحر، براحة يده المبسوطة، ويرميها سعيدة في فم الزرقة المغتبطة، يبرع الشاعر السعودي هاشم الجحدلي في إقامة جسر تواصل إبداعي ملهم بينه وبين قارئه. وتدخل، في لعبة التفاعل الشعرية هذه، صياغته الذهبية لكلمات وجمل وإيقاعات مجموعته الشعرية الوحيدة حتى الآن، “دم البينات”؛ من دون إراقة قطرة دم، وإن أوحى عنوان المجموعة بذلك، إنما:
“برهبة طفل يفر من الفصل كي يستعير
عصافيره من شجيرات بستان جارته”.
وبروح صوفية تمسح أجواء المجموعة، وتفتح فضاءاتها صراحة بكلمة النفري: “قلوب العارفين ترى الأبد/ وعيونهم ترى المواقيت”.
كما تتجلى صراحة في قصيدة المواقف التي ترتدي ثياب المتصوفة بموقف الخروج، موقف الوعد الحق، وموقف الليل.
في شباك بنية هذه المجموعة، وبعد فاتحتها، وإهدائها إلى: “أبي/ أبي فقط”؛ تموج عشرون قصيدة، في بحورها الخاصة، حرة لا تخضع لإيقاع نبض الآخرين، ولا لتسلسل الزمن، بعنوان واحد لكل منها، مع انفراد قصيدتين هما دم البينات، وقصيدة المواقف، بتضمنهما لأجزاء تحمل عناوين فرعية موحية.
في حريتها المقيدة بشعر التفعيلة، تتجلى البنية العميقة للقصائد، بسمات لا تخفي تميزها في:
ـــ الإصرار على الالتزام بإيقاع التفعيلة الواحدة، وإن تنوعت داخل بعض القصائد، كتجريب يثير الإشكال، كما أسماك تخرج من قيد بحرها لتتنفس السماء، بشرط بقائها داخل طيف الزرقة نفسها:
“وحده ودمه
ماله غير طقس يديه وامرأة مرة في
المسام الندية تنساب رقراقة من
سفوح الصبا وتخوم الطفولة..
والدم مبتهج به وهو اشتجار للتفاصيل الصغيرة حين يغوي خيلها
ويفض ــ من قلق ــ بكارة ليلها”.
ـــ إيقاع التفعيلة الباذخ الذي يختم نفسه في نهايات الأشطر بقافية عذبة مميزة بذات الرنين:
“في مساء قديم
بين جيمين من جنة وجحيم
مادت الأرض بي
فتهاويت في الماء
بعضي يرمم بعضي الرميم”.

ـــ غنى المفردات التي تنثال فاتحة عوالم الطفولة والصبا والشباب، وعوالم التأمل والحكمة والشطح الصوفي، وعوالم المرأة العاشقة المعشوقة الممتدة أرضا في “ذوبانها بأحضان عاشقها”، والمتسامقة سماء حتى “الحج إلى غيومها”، في تفاصيلها اليومية التي تضوع عطرا، وفي تساميها الحلمي الصاعد إلى عرش الآلهة. ثمة، إلى هذا، تخصيص مفردات تشكل الروابط الناسجة لعوالم الشاعر، مثل مفردات المرأة والشجرة والبحر، بتميز غنى المعاني والتخالفات لهذه المفردات: “في انحناءة غصن وحيد/تلعثم طفل يبوح بأسراره للقصيدة/ في وردة تسكن الريح/ كان اختبائي/… فكيف إذن، لا تكونين أنت سمائي”.
ويمكننا دون كبير جهد عيش متعة تحولات مفردة البحر الذي لا تنجو من ملحه قصيدة، من خلال تجليه في القصائد: كسرير للتكوين ومنبع للحقيقة، وملاذ، في “قصيدة الجفوة”، وتجلي النقاء الغامض في قصيدة “تهافت النهار”، والحياة المضرجة بالشعر والعشق والتحسر على مصيرها الآيل للذبول، وحقل الغدر والخذلان الذي لا يركن إليه، إضافة إلى تجليه كحاضن لذكريات الطفولة بأشجاره في قصيدة “ذاكرة لشجيرات البحر”، وتجليه طاقة ترميم للنفس، ورتقا للأحلام، وأسئلة عن المصير في قصيدة “دم البينات”:
“على البحر طفل يرتق أحلامه
طفلة من ثرى الحلم تجبل أفق المطر
على موجه نورس يشتهي خمش وجه الأفق
على النورس الغض بعض دم
/… وعلى البحر أيضا شواهد موتي”.
وإضافة إلى ذلك يمكننا عيش مفردة البحر بمعاني وردة تموج تويجاتها بالجمال، إذ يكون البحر هو المرأة/ نموذج الشاعر الحلمي الذي لا يعاد ولا يستعاد، في قصيدة “معلقة المرأة” المعروفة لهذا الشاعر: “الهبوب العصي مدى لجدائلها../ كي تطير../ والأزرق المستحيل يكون أطرافها../ ويكون سواحلها/ فطوبى لها../ وطوبى لها../ وطوبى لها../ امرأة لا شبيه لها”.
ـــ التداخل العميق والتناص المخالف مع منتجات التراث، مثل لامية الشنفرى في قصيدة “تداخلات مع الجوع والصمت والأسئلة”، ومثل توحد عروة الصعاليك في استباحة البراري، وكذلك التداخل مع منتجات الفلسفة والأدب مثل مسرحية “الذباب” لجان بول سارتر، حيث: “الآخرون هم الجحيم”. كذلك معجزات المسيح، في “أمنية الطفل العالقة مثل طحالب في ذهنه أن يسير على الماء”، والتناص الشطحي المبدع مع المتصوفة ومواقف النفري بشكل خاص في “قصيدة المواقف”: “سيأتي لكم/ وجهه نخلة للخلود/ وقامته نهر أسئلة/ ويداه مكللتان بوجد الصبايا المليحات/ يأتي لكم/ ثم يفتح قلب النهار المخضب بالحلم فتحا مبينا/ ويزرعنا وردة في يديه/ تروا عندها الأرض راضية/ والسماوات غارقة في الكتابة/ ثم تروا عندها كل شيء بحالته/ وتكون النهاية ما توعدون”.
ـــ انشداد القصيدة، وصياغتها راقصة على أسلاك التضاد المشدودة حتى الهلع أمام سطوع الشعر، والخوف البالغ حد التفكير بالتوقف عن كتابته، ويتجلى هذا أكثر في قصيدة “تهافت النهار”، التي كتبت شاعرها في الوقت الذي ظن فيه أنه يكتبها. ذلك يتضح من سلاسة إيقاعها، وكما عبر هو نفسه في مراجعته لحالة كتابتها عن تأثيرها فيه، بالقول الذي يلخص جانبا من طريقة كتابته: “عندما يعود الزمن بي للوراء، إلى أجواء كتابة أو تدوين (تهافت النهار)، أشعر برجفة حقيقية وحيرة بالغة، وتساؤل مربك، هل كتبت هذه القصيدة أم كتبتني؟ المفارقة هنا أن كل حرف من حروف القصيدة، وكل كلمة، وكل مقطع، من مقاطعها، أحسبه وألمسه، بل وأكاد أشم رائحته، بل أرى إيقاعها يتراقص أمام بصري وداخل جسدي في عرس بدوي مجنون ومحموم، وكأن هذه القصيدة قدت من لحمي، أو كتبت بدمي. لهذا كنت وما زلت حائرا إزاءها، هل هي أنا كما أرادت أبجدية الإيقاع أن أكون مسفوحا على الورق، أم أنا هو الذي استحال إلى لغة وإيقاع؟”.
وختاما، “دم البينات” مجموعة شعرية مميزة، عانت قصائدها الفريدة من التأخر في طباعتها، رغم أنها كتبت في نهايات ثمانينات وبدايات تسعينات القرن الماضي، وعرف بعضها من خلال تناول النقد لها، وذلك بسبب خوف شاعرها كما يبدو من مسؤولية الشعر، رغم تميزه بفضل كبير على انتشار الكتب، والكتب المحرمة بشكل خاص، سواء من خلال عمله الصحفي العام، أو تعريفه الخاص بالكتب على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهاشم الجحدلي كتعريف، شاعر سعودي مميز بالشعر وبقلة كتابته للشعر، ولد في مدينة ثول الصغيرة الواقعة شمال مدينة جدة على البحر الأحمر، واخترق الحياة الثقافية السعودية بقدومه إلى جدة، في بداية ثمانينات القرن الماضي، وفرض وجوده باحترام على النشر والنقد، كشاعر لامع صغير السن، وصحافي مثقف مليء بالشغف. نشر العديد من الحوارات الثقافية والتغطيات الأدبية والقراءات النقدية. وكتب مذكرات المفكر عبد الله القصيمي، وسيرة حياة الروائي عبد الرحمن منيف، كما سجل ذكريات الشيخ محمد علوي مالكي، ومذكرات الشاعر محمد العلي، ومذكرات المفكر والروائي تركي الحمد، ونشر سلسلة كاملة عن الكتب المحرمة في الثقافة العربية.
يشغل الآن منصب نائب رئيس تحرير صحيفة “عكاظ” السعودية التي تصدر في مدينة جدة.
هاشم الجحدلي: “دم البينات“
مؤسسة الانتشار العربي، بيروت 2017
بمشاركة النادي الأدبي بحائل
109 صفحة.