هل يكفي أنصارَ النسوية تقديمُ الشاعر العراقي فاضل السلطاني لهم، اعتذارَ جدّه كلكامش لعشتار وهو يمرّ زائراً لها في متحفٍ في برلين، على رعونته في شتمها بالبغي، وهي الإلهة؟ وهل يكفي اعتذاره عن قتله ثورَها السماوي الذي يشكل هلالُ قرنيه تاجَها المقدس الذي يوحي بدورة خصبها القمرية، وهي سيدة القمر التي فرضت هلالَ خصبها تقويماً لقياس البشر، حتى في زمن وهمهم بتحجيمها لنصف عقلٍ، أمام العقل الكامل لإلههم التوحيدي الذّكَر؟ وهل يكفي دورانُ الشاعر السيزيفي اللامجدي في الأرض باحثاً عنها، وهي تمرّ أمامه في ذكرياته عن أمّه وأخواته فوق جسر الوطن على الفرات، كما في مرّ عطر امرأةٍ في ليل البار، أو على جسرٍ المنفى فوق نهار التيمز؟ وهل يكفي عشتارَ هذا الاعتذارُ، وهي:
“منذ خمسة آلاف سنة
تنام عشتار في سريرها
بانتظار أن يأتي
منذ خمسة آلاف سنة
عشتار تنتظر
في متحف ضائع في الأرض تنتظر
يمرّ الزائرون
يمرّ كلكامش وهو يحمل فوق كتفيه
تمثاله الزجاجيّ، عدته الوحيدة من الخلود،
معتذراً عن كل بذاءاته
منذ خمسة آلاف سنة.
يمرّ أوزيريس
وهو يجرّ خلفه قطعَه الأربع عشرة
متوسّلاً أن تعيدَ له الجسد.
يمرّ الشعراء الموتى،
يمرّ العاشقون بلا عشق
وعشتار تنتظر
في سريرها الخشبي،
في متحفٍ ضائعٍ في الأرض تنتظر
تعبتْ من الحياة وهي تنتظر
أن يأتي الزائر المنتظَر..
كي تموت”.
ومرةً أخرى، هل يرضى الشاعر نفسُه بكفايةِ هذا الاعتذار إن قبِلَه قراؤه من أنصار النسويّة أصلاً؟ هل تكفي طريقته في إعادة المساواة لها في توحده المتوازن بها كما “اليانغ والين”، من خلال إعادةُ صياغة خلقه لسيدته الجميلة التي بدأها بيجماليون، وأكملها برنارد شو، ليعلّمَها أبجدية أن تكون، يعلّمَها: “الإشاراتِ، لغةَ الملوك الأوائل، أعلّمك كيف تلبسين الجمالَ/ وترتدين الحزن/ لتستريحي في ظلال الإله”. وهل يكفي وضعُه لها في منتصف الطريق إلى نفسها، بهذا التعليم، لكي يعيد لها قدرة أن تجعله يكون، وأن تكون هي بحياتها: “حرّة أنتِ/ تلعبين النرد مع الله/ تفتحين الظل عليه أو تغلقيه/ تعلّمين الملوكَ الإشاراتِ/ ثم تأخذين البهاء/ تعلّمينني الكتب/ ثم تعطينني النسيان/ مثقلةٌ أنت/ كأنك تلبسينني/ كأنك تنزعين الحزن عن كتفيكِ/ وترتدين الجمال”.
ومرة ثالثة، هل يكفي وضع الشاعر قارئه على صراط معاناة ومتعة التغيّر، وفي منتصف ذاكرته للَمْس معنى الخلود، وهل ينتظر من قارئه، وهو جدير بذلك، أن يقول له، شكراً على هذا الجديد؟
في مجموعته الجديدة: “عند منتصف الذاكرة”، لا تغادر “حالةُ المنتصف” التي تغلب على هذه المجموعةِ، الشاعرَ السلطاني؛ بدفع من لا وعيه الشاعري من جهة، ثم بقصديةٍ من إدراكه بعمق اكتشافه لمعنى المنتصف بعد ذلك كما يبدو؛ في محتواها، كما في الشكل الذي تجسّدت به قصائدُها. ويبدو الإصرار على المنتصف واضحاً في القصائد كما في استخداماته وشروحاته، مثل استخدام بيت شعر مرثية ابن الرومي لأوسط أبنائه، بصياغة أخته المتوفاة، واسطةَ عقد العائلة، وفي صياغة شرحه للممثل والمغني البلجيكي جاك بريل، الذي: “قضى نصف حياته في باريس”. ويتجلى هذا الإصرار كذلك في إعادة تضمين مجموعته، قصائدَ تمثل معاني المنتصف بقوة، كانت قد نُشرت في مجموعات سابقة مثل قصيدة “ألوان السيدة المتغيرة”، في المجموعة التي تحمل هذا العنوان، مع الشاعر في المنتصف، وهي ترتدي “فوق الحجر المتراقص الأرضَ والسماء”، وقصيدة “صورة” التي كانت قد نشرت في المجموعة نفسها، وافتتح بها الشاعر هذه المجموعة لطبيعتها التي تكادُ أن تلمّ المجموعة في وحدةٍ حول محور المنتصف، الذي يعني الخلود، من خلال الفن، وإنْ في الذاكرة:
“هل تذكرين
كنت في وسط الصورة
وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف
كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض،
وكنت أحار
كيف أميّز العازف من العزفِ؟ والراقص من الرقصِ؟
كنت تجلسين وسط الصورة
لاهيةً عن الموسيقى،
عن لحظةٍ ثبّتتكِ إلى الأبد”.

“عند منتصف الذاكرة”، وبقصديةِ أنْ لا تكون الجملة في منتصف الذاكرة كما يبدو، حيث تتجاوز كلمة “عند” المكان إلى الزمن الذي يجري “في تلك اللحظة، في سوهو، حيث تعبّ الأرضُ الضوء/ من كلّ زوايا الكون”. وحيث الزمن يجري بلا بداية ولا نهاية، كما الموت الذي لا تكاد أن تفلت من ذكره قصيدة في المجموعة، وكما الإله الأبديّ الذي قال عنه بعض العلماء إنه “الزمكان”، الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم.. “عند منتصف الذاكرة”، يأتي الوطن في المنفى ذاكرةً، بالأختُ المتوفاة المناضلة ضد الديكتاتورية سهام، بأسى نومها الذي لا يستطيع الشاعر إفاقتها منه؛ وتأتي صبرية، الأخت الثانية برمادها الذي تشابك مع رماد قصائده التي أنقذتها بيديها من الحريق؛ وتأتي الأم إليه في غرفته الصغيرة الأقرب في الكون من الحياة، وتأتي الشاعرة، ولعلّها دعد حداد أو غيرها، التي تنهمرُ منها القصائد وهي تمرّ أمامه في منفاه الدمشقي، ويتابعها إلى قبر محيي الدين ابن عربي؛ وتأتي حاملةً كل صور الأموات بحياتها، إلهة العراق الأمّ عشتار التي تدور القصائد في فلك حضورها البهيّ الحافل بالأسى والتمنّي والتوق لعالم ينتفي فيه الموت الكامن في كل لحظة على الطرقات، الموت الذي يحاول الشاعر الهرب وتهريب أحبائه والبشر منه إلى المنتصف حيث الحيرة من المضي أو الرجوع، وحيث يتجسّد الخلود.
وفي كل هذا الاستحضار يستعين الشاعر بأساطير خصب بلده التي منحت العالم عزاءه ومسالك الخلاص من أنياب قضمه، كما يستعين بثقافته المحلية التي منحها إياه تراثه، بمبدعيها مثل: محيي الدين ابن عربي، ابن الرومي، طرفة ابن العبد، امرؤ القيس، والبياتي؛ مع ثقافته التي منحتها إياه بلدان العالم بمبدعيها مثل: لوركا، ت. س. إليوت، وليم بتلر ييتس، ألكسندرا بياستيرا، آر.أس. توماس، ومسز بيل مؤسسة المتحف العراقي، والمكتبة الوطنية العراقية، والتي يقدّرها المثقفون العراقيون، إلى درجة إلباسها ثياب آلهتهم عشتار.
وفي كل هذا الاستحضار في الجوهر، يأتي عبث محاولة الشاعر في إعادة الحياة التي تمضي إلى مصيرها في الموت، ولكن أيضاً إلى مصيرها في الولادة من قلب الموت.
“عند منتصف الذاكرة”، ببنية ظاهرةٍ بسيطةٍ تتضمن ستّاً وعشرين قصيدةً، تتراوح أطوالها بين صفحةٍ وست عشرة صفحة، وبعناوين تغلب عليها الكلمة الواحدة؛ تجري بنيةٌ عميقة، يطيب الاستمتاع بكشف دواخلها المثقفة، ومعالجتها الشعرية الجريئة في خوضها أراضي التجريب المليئة بالفخاخ، لمعاني الوجود والعدم، وحياة البشر، وصراعاتهم للبقاء، وأساطيرهم لتغليف رغباتهم في الحياة والخلود.
ويحاول الشاعر في بنيته العميقة هذه، بما امتلك من معرفةٍ بمفاهيم الديالكتيك، تجسيدَ وحدة الشكل والمحتوى، في المنتصف الذي يقي قصيدته من المشابهة التي تعني الفناء، ويمنحها التفرد الذي يعني الخلود. ويفعل ذلك على صراط هذا المنتصف أولاً: بالتفعيلة البسيطة المسترسلة، التي توحي بقصيدة النثر، وثانياً: بقصائد نثر تنبض فيها إيقاعات التفعيلة، وثالثاً: بمزاوجة الشعر والنثر في سرير الآلهة التي تنتظر، حيةً وإن في المتاحف التي تعتز باحتضانها، قدومَ زائر الظلّ منها، ابنِها تموز، الذي يخرج متوحداً فيها، من كهوف الاستبداد إلى خصب الحرية والحياة.
وختاماً، في المنتصف الذي لا يمكن المضيّ إلى نهايته، أو الرجوع إلى بدايته، حيث يدور الزمن على نفسه، يمكن القول إن مجموعة “عند منتصف الذاكرة” مجموعة شعرية مميزة بالعمق والجرأة وإثارة متعة القراءة.
فاضل السلطاني: “عند منتصف الذاكرة”
دار المؤلف، بيروت 2018
111 صفحة.