لا تكتفي الشاعرة ناتالي حنظل، الأمريكية من أصل فلسطيني، في مجموعتها الشعرية “شاعرة في الأندلس”، بإطلاق سبعة وثلاثين جدولاً مترقرقاً بعذوبة وألم الحنين حيناً، وجارياً بجنون الرغبة في محو الأزمنة أحياناً، داخل قارئها الذي سيوقن خلال هذا الجريان، وقبل انتهائه أنّه لن ينتهي. إذ سيكتشف خلال رحلة قراءته أنّ الجداول الرقراقة قد توحّدت بداخله نهراً يجري، ولا حول ولا قوة له بإيقافه نحو محيط فردوسه المفقود.
ولا تكتفي حنظل بذلك، حيث لا تستطيع كما يبدو في هَبوب حنين الشعر أن تقول أبداً هذا يكفي، فترفعُ من قلب المحيط الذي تحيط به قارئَها جُزُرَ الملاحظات والذكريات والإضافات التي اكتنفت رحلتَها المعاكسة في تكوين كتاب فريد في الشعر. لا تستعيد به شاعر الإنسانية الإسباني الفقيد فيدريكو غارثيا لوركا توازياً مع كتابه “شاعر في نيويورك” فحسب، ولا تفاعلاً مع حياته وقصائده كشاعرةٍ في الأندلس فقط، بل تذهب في استعادتها إلى أبعد من أبعاد المكان الذي يحضر بتفاصيله الطبيعية والإنسانية والإبداعية. تسحب قارئها معها إلى ما كان ذات زمنٍ مكان تعايش البشر والديانات والنتاجات، وما كان بهذا التعايش فردوس الإنسانية المفقود الذي تكوّن في “الأندلس”، ودمّره الإنسان نفسه بعقائده الدينية الضيّقة بطموحاتها وأطماعها وحماقاتها، ليعيش ألمَ الحنين إليه. وأبعد من ذلك تستعيد حنظل، باستعادتها لوركا، ذاتَها الموزّعة بأقدارٍ لم تخترها، ولا شيء يأتي صدفة كما تقول، بين أصلها الفلسطيني الشامي الذي كان منبع تكوين الأندلس، وولادتِها في أحد جزر الكاريبي التي أثّر فيها التكوين الإسباني، وتعايشها في الدراسة والسكن والعمل في الولايات المتحدة الأمريكية وفي مانهاتن بالذات التي عاش فيها لوركا زائراً تسعة أشهر، وأعادتْ رحلته بعد ثمانين عاماً برحلتها المعاكسة إلى إسبانيا، من أجل تكوين كتابها بتسعة أشهر كذلك.

وفي استعادتها لذات فردوس التعايش المفقود، واستعادتها لذاتها، لا تنسى ناتالي حنظل المستقبل، وإمكانية أن يحقق الإنسان جنّة التعايش مع الآخر، بإضافة منحنا متعةَ ما يخلق الشعر من أساطير الارتباطات والولادات التي تأتي ولا تأتي صدفةً، ومتعةَ إقامة جسورنا مع ذواتنا، بما أقامت من جسور خلال رحلتها إلى ذاتها. في ملاحظاتها وذكرياتها تقول حنظل:
“كتب لوركا: “نحن اللاتينيون تنقصنا الملامح الحادةُ والغموض المرئي. الشكلُ والشهوانيةُ”. تلك بعض الأشياء التي حاول أن يحقّقها حين كتب “شاعر في نيويورك”. وهذا ما آمل أن أحقّقه في ديواني “شاعرة في الأندلس”. ما زلت أحتفظُ أمامي بصورة للوركا، بالأبيض والأسود، وهو يرتدي عباءةً بيضاء وقلنسوةً بيضاء، يجلس وينظر مباشرةً إلى كلّ من يقرّر النظر إليه. يقول لوركا: “أهم الأشياء هي أن نحيا”. في هذه الرحلة، اكتشفت بأنّ السلام موجودٌ هناك، إذا أردنا أن نجده، وكما هو الحال مع لوركا، فإنّ أكثر ما يريده الناس هو أن يحيوا”.
رحلة “شاعرة في الأندلس” تنتظم في بنيتها الظاهرة بعشرة فصول مرقّمة مع عناوين لكل فصل، واستشهاد من شاعر عربي أو إسباني أو عالمي قديم أو حديث يعكس عالم الفصل، ويجسّد الفصل بدوره فصلاً من الرحلة وفق التالي: “قصائد عزلة مع مزهرية ياسمين في مَلَقَة”، “مكتوب، قال المسلم الأندلسي”، “أزقّة ورغبات”، “كوكبة في الإتينيو إشبيليا”، “في قرطبة”، “على الباب، أهو الموت”، “غرناطة”، “تعايش”، “الطيران إلى كاتالونيا، وظهيرات في غاليسيا”، “تصل الشاعرة إلى “طنجة وما بعدها”.
ويضم كل فصل عدداً من القصائد تتراوح بين الستة والقصيدة الواحدة الطويلة. وتتمتّع الفصول التي تحتلّ 116 صفحة وتمثل الشعر في الطبعتين العربية والإنكليزية، بتقديمها من قبل شاعرتها بأبيات من شاعرين رخاميين، الأول لوركا عن وولت وايتمان: “أما أنت، يا وولت ويتمان، البهي،/ ابق غافياً على ضفافِ هدسون،/ لحيتك مشرعةٌ باتجاه القصي البعيد”. والثاني ابن زيدون في تذكره لولّادة بمدينة الزهراء: “كلّ يَهِيْجُ لنا ذكرى تشوِّقِنا/ إليكِ، لم يَعْدُ عنها الصدر أن ضاقا”.
ويبدو أنه لم يكن عبثاً اختيار الشاعرة لأبيات الشاعرين عن قرينيهما في إقامة جسورها الضوئيّة المرئيّة وغير المرئيّة بينها وبين ذاتها والآخر في ملحمة الحنين إلى فردوسنا المفقود.
كما تتمتع الفصول باستهلالٍ من الشاعرة حول كتاب لوركا “شاعر في نيويورك” الذي يتحدث كما تقول “عن الظلم الاجتماعي والحب القاتم وطبيعة مفهوم الآخر”، وحول رحلتها المعاكسة، التي “تغوص في المأساة المستمرة للآخر، وتقرّ برفض البقاء في ذاك الظلام الدامس، وتحاول البحث عن إمكانية التعايش الإنساني”.
وتتمتع الفصول إضافة إلى ذلك، بملاحظاتٍ وذكرياتٍ، وإشاراتِ امتنانٍ لكل من ساعدها في إنجاز الكتاب. وتزيد الطبعة العربية التي ترجمها الشاعر والمترجم الدكتور عابد إسماعيل باقتدار، عن الطبعة الأولى الإنكليزية الصادرة عن منشورات جامعة بيتسبرغ عام 2012، بمدخل نقديّ وخاتمةٍ نقديّة له، تضيف معلوماتٍ عن الشاعرة ورحلتها المعاكسة، وتحليلاً للقصائد وتفاعلاتِها مع لوركا ومن تفاعل وتفاعلت معهم ناتالي ولوركا من شعراء.
وفي بنيتها العميقة المتضمّنة في قصائدها، تجري جداول الشعر الصافي الثريّ أولاً بطبيعته الملوّنة بين الإيقاعات المموسقة والشعر المنثور كما تويجات أزهار الأندلس، حيث يستوحي هذا الشعر طبيعته من الموشّح الأندلسي وفلسفة الطلل العربي الذي يتبدّى واضحاً بالتفاعل مع أحجار وأزهار وكائنات المكان التي التقطتها عين الشاعرة النفّاذة: تفاعلها المدهش مع حصان بيكاسو الذي يعصره الألم في لوحة غورنيكا، وكذلك في خارطة العظام التي خلفتها ديكتاتورية وفاشية فرانكو للأجيال التي تحفر باحثةً عن بقايا الجثث الممتنة لهذا البحث، ومنها جثّة لوركا التي أصبحت أسطورة في اختفائها.
ويستوحي هذا الشعر طبيعته كذلك من خيالات وإيقاعات وروح لوركا وشعراء الإنسانية على امتداد تاريخ الأندلس، وتاريخ إسبانياً مروراً بعصر الباروك، وإبداعات نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وبالأخص مجموعة الـ 27 التي أثّرت مع شعراء حركات الدادائية والسوريالية وما زالت تؤثّر في موجات شعر الحداثة وما بعد الحداثة الذي يطبع قصائد ناتالي حنظل كذلك، بتوشيحات الكتابة الآلية والحكاية مع إشراقاتها المتصوفة المتفاعلة مع ظلال سريان روح المكان وأرواح من أبقوا هذه الروح حيّة في المكان.
كما تجري جداول الشعر الصافي الثريّ ثانياً بالتفاعل الإبداعي العميق مع أعمال لوركا والشعراء الذين تم ّذكرهم، فيما يخصّ التفاعل مع الآخر ومحاولات الشعراء محو الضغائن وإشاعة السلام، وتوحيد الإنسان في الإنسانية.
وتجري جداول هذا الشعر الصافي، ثالثاً وليس أخيراً حيث لن نقول أبداً هذا يكفي، داخل ذات القارئ الذي لن تستطيع عيناه الهرب بالتأكيد من جَرحهما بسيف الاسم في “الحنظل وأسوار قرطبة”، وسيلان دمعهما نهراً يطهّر الذات ويعيدها إلى منابعها في الوقت الذي يصبّها في محيط البحث عن فردوسها المفقود:
“المحيطُ معلّق
بمحاذاةِ حديقة لا ميزكويتا،
والسقف مكسوّ بالعصافير –
بيضاء اللّون، وبعضها بنيّ –
ريشُها الأبيض والأحمر
يكشف مغزى أن يصلّي المرءُ هنا.
سيشيد الناس معاً مرةً أخرى،
تقولُ لي بهدوء،
كأنما لا يجب أن يسمعك أحد.
ثمّ تسألُ، أين هي
مدنُ طفولاتِنا،
ومدنُ ميتاتِنا –
من ستكونين أنتِ؟
أقولُ لك –
سأكونُ
قمةَ الهضبة،
والأرضَ التي تنشطر
لكي تتفتّح زهور الياسمين”.
وفي الختام، المؤسف حيث لا تكتفي النفس بما تفاعلت من عوالم، فإن حنظل شاعرة تعيش في نيويورك، وتعمل أستاذة في جامعة كولومبيا، وهي إحدى أبرز الأسماء الشعرية الأمريكية من أصل عربي. ورغم أنها نشأت وعاشت بين الكاريبي وأوروبا وأمريكا إلا أنها تعتبر نفسها ببساطة جريان جداول شعرها، فلسطينية من بيت لحم.
أصدرت حنظل قبل هذا الديوان ثلاث مجموعات شعرية، وساهمت في موسوعة شعرية بعنوان “لغة من أجل قرن جديد”، صدرت عام 2008 عن “نورتون” وضمّت 400 شاعر وشاعرة من 59 بلداً، بما فيها العالم العربي، كما أصدرت أنطولوجيا بعنوان “شعر نساء عربيات”، عن دار “إيست إنترلنك”، سنة 2000.
أما مترجم الكتاب الدكتور عابد إسماعيل، فهو شاعر وناقد ومترجم سوري أصدر ست مجموعات شعرية، وأربع كتب نقدية وعدداً كبيراً من الكتب المترجمة في شتّى صنوف الأدب والشعر والحياة.
ناتالي حنظل: “شاعرة في الأندلس“
ترجمة: د عابد إسماعيل
دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق 2019
210 صفحة.