القاهرة ـ «القدس العربي»: بدا المشهد مختلفا في مصر خلال الأيام الماضية، فبعد سنوات من التضييق على حرية التجمع والاحتجاج في الشوارع، فوجئ المصريون بالمحامين يكسرون حاجز الصمت وينظمون وقفات احتجاجية في القاهرة وعدد من المحافظات، رفضا لقرار تطبيق الفاتورة الإلكترونية للضرائب عليهم.
لم يكن هذا هو الاحتجاج الوحيد الذي شهدته مصر الأيام الماضية، فخرج أهالي حي الزمالك الراقي في القاهرة ليعلنوا احتجاجهم على إقامة كراج على النيل، وقطع الأشجار التاريخية في الجزيرة.
الاحتجاجات التي شهدتها شوارع مصر، تعد الأولى التي يسمح بها نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ وصوله للسلطة عام 2014. وكانت آخر تظاهرات شعبية شهدتها مصر عام 2017 التي خرج فيها مصريون يرفضون التفريط في جزيرتي «تيران وصنافير» التي انتقلت ملكيتهما إلى السعودية بموجب اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وهي المظاهرات التي واجهتها الحكومة بعنف وألقت القبض على العشرات من المشاركين فيها.
وتتزامن الاحتجاجات الحالية، مع عقد جلسات التمهيد للحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس المصري في أبريل/ نيسان الماضي، وهي الدعوة التي أعلنت الحركة المدنية الديمقراطية قبولها من حيث المبدأ والمشاركة في الإعداد وطرح أسماء لمنسقي اللجان، لكنها ربطت موقفها النهائي بملف سجناء الرأي.
لم تمر أسابيع على انتهاء فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ الذي استضافته مصر الشهر الماضي، حتى شهدت القاهرة وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الشخصيات العامة، وعدد من الأهالي رفضا لإقامة كراج على النيل وإزالة أشجار في حي الزمالك.
والزمالك أحد الأحياء الراقية في القاهرة، ويقع على جزيرة وسط نهر النيل، وتسمى جزيرة الزمالك.
مشاركة مسؤولين سابقين
وشارك في الوقفة عدد من المسؤولين المصريين السابقين، بينهم عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق، والأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق، وليلى إسكندر وزيرة التطوير الحضاري السابقة، والسفير نبيل فهمي وزير الخارجية الأسبق، ومنير فخري عبد النور وزير التجارة والصناعة الأسبق، وزياد بهاء الدين رئيس الهيئة العامة للاستثمار الأسبق.
وطالب المشاركون الحكومة بالتوقف عن إقامة المشروع وإزالة الأشجار في الحي، مؤكدين أن المنطقة لا تعاني من الازدحام وليست في حاجة لإقامة كراج في الوقت الحالي.
ورفع المشاركون لافتات تعبر عن استيائهم من الإقدام على تلك الخطوة بعد أسابيع من إقامة قمة المناخ في مصر، منتقدين اتخاذ تلك الخطوة دون استطلاع رأي سكان المنطقة.
وجاء احتجاج أهالي الحي الراقي بعد انتفاضة المحامين ضد الفاتورة الإلكترونية، يوم الخميس الماضي، عندما شهد القاهرة وعدد من المحافظات وقفات احتجاجية أعلنوا فيها رفضهم تطبيق قرار مصلحة الضرائب المصرية.
«المحاماة مش تجارة»
ولم تتوقف احتجاجات المحامين منذ ذلك اليوم، حيث نظم محامون في 3 محافظات أسيوط والدقهلية وكفر الشيخ أمس الأول السبت وقفات صامتة.
وتجمع عدد من المحامين في محافظة أسيوط، أمام مبنى المحكمة الابتدائية، ورفعوا لافتات كتب عليها: «لا للفاتورة الإلكترونية – أنا محامي حر أرفض الفاتورة الإلكترونية – المحاماة رسالة مش تجارة».
وقفات احتجاجية في عدة محافظات… ونائب يتهم الحكومة بـ«التفنن في صنع الأزمات»
وقالت نقابة شمال أسيوط في بيان لها «في إطار ما تمر به مهنة المحاماة من أزمة طاحنة تمثل عدوانا على المحاماة كمهنة، وعلى المحامين المشتغلين، اجتمع مجلس نقابة محامين شمال أسيوط، لمناقشة الأحداث الراهنة والمتعلقة بمحاولة فرض الفاتورة الإلكترونية على المحامين في تعاملاتهم المختلفة».
وحسب البيان «انتهى المجلس في اجتماعه إلى دعوة كافة محامي شمال أسيوط لمقاطعة التوريد في كافة خزائن المحاكم المختلفة بنقابة شمال أسيوط اليوم الإثنين وغدا الثلاثاء».
كذلك نظم عدد من المحامين في محافظة الدقهلية وقفة صامتة أمام مبنى محكمة المنصورة الابتدائية، ورفع المحامون المشاركون لافتات اعتراضية كتب عليها: «لا للفاتورة الإلكترونية.. ولا لفرض رسوم بلا قانون».
وبالتزامن نظم عدد من محامي كفر الشيخ، وقفة في ساحة مجمع محاكم كفر الشيخ.
ودعا أحمد سبوخ، أمين لجنة الشباب في نقابة محامي كفر الشيخ، أبناء مهنته بوقف التعامل مع خزينة جميع محاكم كفر الشيخ بداية من اليوم الإثنين وتنظيم وقفات احتجاجية في جميع جزئيات المحاكم.
وأعلنت مصلحة الضرائب في بيان أواخر الشهر الماضي، أن جميع الممولين ومنهم أصحاب المهن الحرة الذين كل تعاملاتهم مع مستهلك نهائي ملزمون بالتسجيل بمنظومة الفاتورة الإلكترونية في موعد أقصاه 15 ديسمبر/ كانون الأول الجاري.
تضامن نيابي
غضبة المحامين دفعت عددا كبيرا من أعضاء مجلس النواب للتضامن معهم، من خلال تقديم طلبات إحاطة وبيانات عاجلة ضد وزير المالية محمد معيط، وضد مصلحة الضرائب المصرية.
وتقدمت النائبة رقية الهلالي، أمس، بطلب إحاطة قالت فيه إن «مهنة المحاماة مهنة حرة وبمثابة الشريك الأساسي لتطبيق القانون والعدالة، وإنها مهنة تعتمد على الأداء الذهني والمجهود الذاتي وليست تجارة تباع وتشترى».
وتابعت: «القرار المفاجئ بالالتزام بتاريخ 15 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، للتسجيل دون إعطاء أي مهلة كافية لتوفيق الأوضاع، تسبب في إثارة حفيظة القطاع الأكبر من المحامين ومطالبتهم بإلغاء هذا القرار».
وطالبت بإلغاء القرار عن المحامين وتأجيل تطبيقه عن الموعد المحدد لحين البت في الإلغاء، وتشكيل لجنة لحل جميع مشكلات المهن الحرة مع مصلحة الضرائب المصرية من محامين وأطباء ومهندسين وغيرهم.
كما طالبت باستدعاء كل من وزير المالية ورئيس مصلحة الضرائب المصرية، لتوضيح الأسباب الدستورية والقانونية التي استند عليها لتطبيق القرار بشكل عام.
كذلك تقدم النائب هشام الجاهل ببيان عاجل بشأن عدم مشروعية قرارات وزير المالية ومصلحة الضرائب المصرية بإلزام المحامين بالتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية لمخالفته للدستور المصري.
وأوضح أن «المحاماة ليست عملاً تجارياً، وإنما هي جهد ذهني إبداعي أقره الدستور والقانون لتحقيق العدالة، فجعل الدستور من المحاماة شريكا مع السلطة القضائية في تحقيق العدالة، يمارسها المحامون في استقلال، فمن ينال منها إنما ينال من العدالة ذاتها ومن يضع عليها أعباء فإنما يضع العراقيل نحو تحقيق العدل في هذه البلاد».
النائب إيهاب رمزي، تقدم هو الآخر بطلب إحاطة، طالب فيه وزير المالية بمراجعة تعليمات مصلحة الضرائب المتعلقة، بإلزم أصحاب المهن الحرة وبينهم المحامون بالتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية، في موعد أقصاه 15 ديسمبر/ كانون الأول الجاري.
وقال في طلبه إن «هذه التعليمات من مصلحة الضرائب أدت إلى استياء كبير لدى المحامين» لافتا إلى أن «هناك عدداً كبيراً من أعضاء مجالس النقابات الفرعية للمحامين أعلنوا رفضهم لتطبيق الفاتورة الإلكترونية» معتبرين أنه قرار مخالف للدستور.
حلّ المشكلات
واعتبر النائب أحمد الشرقاوي، تعليقا على قرارات وزارة المالية وهيئة الضرائب، أن «الحكومة دائما تصدر لنا الأزمات، مثل قانون التصالح في مخالفات البناء الذي لم يتم تطبيقه بسبب نموذج 10، وغيره من القوانين، التي نضطر لإجراء تعديلات بشأنها».
وأضاف خلال كلمته في الجلسة العامة، أمس الأحد: «للأسف الحكومة تتفنن في صنع الأزمات، مثل أزمة الفاتورة الإلكترونية ونقابة المحامين والمهن الحرة تعاني من قانون الإجراءات الضريبية، والمحامون يقومون بدور مهم، فليس كل المحامين من يتواجدون في منطقة وسط البلد أو المشهورين، بل هم منتشرون في القرى والنجوع والمراكز، ويقومون بدور مهم للوقوف إلى جوار المظلوم والدفاع عنه».
وتابع «لا نؤيد تصدير الأزمات إلى الشارع، بل نريد حل المشكلات داخل البرلمان، وبالفعل تقدمنا بطلبات إحاطة بشأن الأزمة ونتمنى سرعة مناقشتها».