الفنان محمد رمضان - فيسبوك
لم تأت الرياح بما تشتهي السُفن في ماراثون أفلام عيد الفطر، الذي تسابق فيه عدد قليل من الأفلام المصرية، وراهن فيه المُنتجون على البضاعة البائرة وبعض النجوم الشباب من هواة الأداء الكوميدي الباهت والمُستهلك، فجاءت النتيجة النهائية للسباق مُخيبة للآمال والأحلام والتوقعات، إذ أدى الاعتماد على الاستسهال في الكتابة والإخراج إلى فشل بعض التجارب التي انضوت تحت شعار السينما الخفيفة بغير دراسة حقيقية لطبيعة السوق وذوق الجمهور الجديد، الذي انفتح على الثقافات العالمية وامتلك خبرة التفرقة بين الغث والسمين.
الغريب أن تراجع الأرقام في إيرادات موسم العيد هذا العام بدأت منذ العام الماضي للأسباب نفسها والمُشكلات ذاتها تقريباً، ومع ذلك لم ينتبه صُناع السينما وخُبراؤها الاقتصاديون للمُتغيرات التي فرضت نفسها وطورت كثيراً من احتياج الجمهور ونوعية السلعة السينمائية المطلوبة، فلم تعد فواصل الرقص الشرقي أو مشاهد الإغراء عناصر جاذبة، كما كان الحال في الماضي، فمشاركة نجمة كبيرة ذات تأثير شعبي وجماهيري تشبه هند رستم، أو ناهد شريف أو نادية الجندي أو نبيلة عبيد، في زمن تألقهم ليس بالضرورة أن تكون سبباً من أسباب نجاح الفيلم، طالما افتقدت الأحداث للمنطق والموضوعية، وهذا ما حدث بالفعل وبرهن على انتهاء عصر نجمات الإغراء إلى الأبد، في غياب العناصر الفنية والإبداعية المُقنعة والأداء التمثيلي الجيد للنجوم والنجمات.
لقد احتل فيلم «رمسيس باريس» بطولة هيفاء وهبي وحمدي الميرغني ومحمد ثروت ومحمد سلام المركز الأخير في الترتيب الرقمي للإيرادات على عكس ما كان متوقعاً، فلم يصل إلى ربع ما حققه فيلم «هارلي» لمحمد رمضان الذي تجاوزت إيراداته الثلاثين مليون جنيهاً خلال أسبوع العيد، بما يؤكد تماماً تغير المعايير والحسابات واختلال المُعادلة التقليدية بُمركباتها المُتعارف عليها خلال السنوات العشرين الماضية، حيث كان ظهور النجمة الجميلة على الشاشة يُمثل قيمة ربحية كبيرة حتى وإن لم تكن ممثلة جيدة. ولو اعتبرنا سينما الأكشن هي الورقة الرابحة في سوق التوزيع السينمائي قياساً إلى النجاح المُذهل لفيلم «هارلي» ستكون الحسابات بالطبع خاطئة، لأن نموذجا واحدا من الأفلام لا يُمثل النوع كله، لاسيما أن هناك أفلاماً انتهجت النهج نفسه وحرص صُناعها على توفير الخلطة السحرية وخلق أجواء للإثارة ومساحات من الأكشن والمُطاردات، ومع ذلك لم تنجح ولم تُحقق الغرض المطلوب وهبطت أيضاً في بورصة الأرقام هبوطاً ملحوظاً كفيلم «يوم 13» على سبيل المثال للمؤلف والمخرج وائل عبدالله، رغم توليفة الرعب الجديدة واختلاف الأحداث والحبكة الدرامية عن المُتبع والمُستهلك إلى حد ما.
كذلك لم تفلح مُعظم الأنماط الكوميدية المُشكلة من النكات والإفيهات والمقالب، في تعويض الفاقد من نسبة المُشاهدين الذين انصرفوا بالجُملة عن شباك التذاكر في دور العرض التي حاولت المُتاجرة بأفلام صغار النجوم المحسوبين على الكوميديا، في إضراب شبه جماعي عن نوعيات الاستخفاف والسطحية لشلة المبتدئين، فمن بين الأعمال التي دخلت السباق وحققت نجاحاً محدوداً فيلم «بعد الشر» بطولة علي ربيع وميرنا نور الدين وأوس أوس ورنا رئيس، فقد بلغ إجمالي دخل الإيرادات خلال أسبوع العيد نحو مليون ونصف المليون جنيه ليحتل الفيلم المركز الثالث بين المجموعة المُتسابقة، مُحققاً بذلك تحسناً نسبياً وسط انهيار واضح لبورصة الأفلام والأرقام.
ويكاد يكون فيلم «ابن الحاج أحمد» بطولة شيكو ورحمة أحمد وفرح وسيد رجب هو النموذج الوحيد الذي نجا من الخسارة الفادحة، باعتباره أفضل العينات وأقوى المستويات المُمكنة للوجود السينمائي الكوميدي على الساحة، فقد وصل معدل الإيرادات إلى 2 مليون جنيه مصري على مدى أيام العيد، وربما ترجع أسباب النجاح إلى قيام الكاتب محمد المحمدي بدمج الكوميديا بالأكشن في قالب واحد للجمع بين الصنفين المُحببين لدى جمهور الشباب، وهو ما تم استغلاله إخراجياً من جانب المخرج مُعتز التوني الذي بذل جهداً كبيراً كي يصبح الشكل الفني والإبداعي مُستساغا ومقبولا إلى الحد الذي يسهل هضمه واستيعابه، وهو ما تحقق بالفعل وأسفر عن نتائج إيجابية مُرضية ومعقولة.
وهكذا انتهى ماراثون أفلام العيد تاركاً وراءه أسرارا وألغازا حول سر الصنعة السينمائية ومكونات النجاح والفشل، فضلاً عن سؤال آخر يخص محمد رمضان وفيلمه «هارلي» الذي حصد الملايين، رغم أنه لا يتضمن جديداً يُذكر سوى سر رمضان الباتع، وتعلق القاعدة الشعبية به كبطل خارق ينوب عنهم في ما يريدون تحقيقه ولو بشكل خيالي.
كاتب مصري