على مدى السنوات الثلاثين الماضية حين كان الشعراء في العراق يتسابقون إلى المهرجانات الشعرية في المرابد المعروفة، وفي غيرها، وحين كان ضجيجهم وصخبهم يعلو في القاعات الباذخة وتحت الأضواء البرّاقة، طلباً لمجد كاذب، أو شهرة عارضة، كان هو في معتزله في أحد بيوتات البصرة منشغلاً مع نفسه عن تلك الاستعراضات بشيء آخر.. بهدف أسمى وأعز: إبداع أعمال شعرية حقيقية باقية، تعيد إلى الشعر العربي الحديث كرامته، وتأخذه عن جدارة وأصالة إلى العالمية، وكان يسرُّ إلى خاصته بأن ما يقدم في تلك المهرجانات باسم الشعر والثقافة لا يمت بصلة إلى الشعر الحقيقي أو الثقافة الحقة. وعبر سنوات من الكد الشعري الصامت الدؤوب، والولاء النادر لفنه الشعري نجح الشاعر في تحقيق طموحه أيما نجاح. وأنجز في الفترة الممتدة من عام 1969 وحتى عام 2000 أعمالاً شعرية فريدة لا تقدر بثمن..
عشرات القصائد المتميزة التي تذهب بعيداً في مديات الإبداع الشعري غير المسبوق، التي ستظل على مدار الزمن حية متوهجة في فردوس الشعر الإنساني، وأعرف بحكم صلتي بالراحل، وما كنت أدونه عنه في أوراقي الخاصة أن أعمال الفترة المذكورة ضمّها ديوانه «عوالم متداخلة»، وهو الديوان الأحدث والأكبر للشاعر، حيث سجل فيه أخطر وأهم تجاربه الشعرية. والقصيدة التي اخترناها هنا للنشر مستلة من هذا الديوان، وهي تقدم مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة على قدرة الخلق الشعري عند هذا الشاعر الكوني، فهذه القطعة الشعرية الصغيرة، البالغة الدلالة في بعدها الإنساني، مثلما هي صالحة للقراءة الآن، فإنها تصلح كذلك للقراءة بعد ألف عام من زمن كتابتها، دون أن تفقد شيئاً من جمالها أو عمقها. كما أنها تتوجه في خطابها إلى الأجيال الشابة الصاعدة في هذا العالم، وإلى الأجيال الآتية عبر امتداد المستقبل على حد سواء. وهذا هو سر الإبداع الشعري الذي يبقى مستعصياً على أي تصنيف أو تعريف.
ولعل أجمل ما تطالعنا به (الوصية) هذا النداء المخلص الذي يطلقه الشاعر بحرارة من أجل أن ننفتح مجدداً على الأمل العريض معانقة الحياة، والإيمان بها، رغم ما قد يعتريها أحياناً من آلام وخيبات. وهذه الدعوة إلى تعزيز أواصر الصداقة البشرية بين بني الإنسان من أجل أن يتوجه الجميع في هذا الكوكب المضطرب صوب معجزة حلمهم المشترك (المستقبل) هذا المستقبل الذي يأمل الشاعر بأن يكون أكثر عدلاً وإشراقاً، وأوفر أمناً وحرية لعموم بني البشر.
محمود البريكان
البريكان شاعر استثنائي في الحركة الشعرية العراقية. وقد اكتسب هذا الاستثناء من مصادر عديدة، لعل أبرزها طبيعة حياته التي تميّزت بالتفرد، بحيث نُسجت عليها الحكايات، وأسطرت الأخبار والأحداث صغيرها وكبيرها. وكان لوقعها بين الجماعات المقرّبة منه والبعيدة بمثابة الصورة ذات المحمولات المتجددة والمقتصرة على مركز واحد تُنبئ عنه حالة العزلة التي أحاط نفسه بها. وهي عزلة لم تكن لدواع فيها مفارقة متعمدة. وإنما جاءت عفوية خاضعة لجدلية وجوده (اللاوجود في الخارج، الوجود في الداخل) الإنساني والشعري، ما أسبغ عليه نوعاً من الغرابة التي تحوّلت من فرط التداول إلى أسطورة إنسان، وبالتالي انسحبت على أسطورية شعره. ليس من باب اقتراب شعره من متن الأساطير، بقدر ما كان شعره يجانب تلك الغرابة الوجودية من خلال طرحه للأسئلة وإثارة حراكها. أي أنه حوّل باقتدار؛ الهم الشخصي السايكولوجي إلى همٍ شعري، يستحسنه الجميع، ويعمل على تداوله ابتداء من متن العزلة، إلى متن الأسئلة الشعرية. بمعنى لم تبق الظاهرة (البريكانية)، إن جاز التعبير، سجينة ذات البريكان، بل وضعها موضع الشيوع، سواء في المناسبات أو دونها ضمن المجالس الخاصة، حيت تُثار حوارات الشعر فالشاعر امتلك قدرة البث، على الرغم من محدودية وجوده المكاني وندرة حركته، بما أدى إلى استثناء علاقاته الاجتماعية. فهو لا يلتقي إلا بالمحدود من الأصدقاء، ولا يلتقي إلا بموعد محدد. السؤال هل فرض عليه الشعر مثل هذه الممارسة؟ أم أن ثمة ظاهرة خفية انطوت عليها حياته لم يبح بها؟ أو أن صدمة اجتماعية أو سياسية آلت به إلى التوقف عن الاستمرار وفق علاقات اعتيادية، يحس أنها نمطية قاتلة؟ أرى أنها جميعاً اجتمعت في صياغة الظاهرة، فالوضع السياسي والاجتماعي المضطرب والمهول، وانعكاسات ذلك على ذات الإنسان، حرص الشاعر على أن يكون ضمن ماكنة التجديد والحفاظ على هوية الشعر. كل هذا دفعه ـ كما أرى ـ باتجاه خلق مناخ خاص ينتج من خلاله الشعر. السؤال هنا ما نوع الشعر الذي طرحه؟ وهل تميّز عن أقرانه ومجايليه سابقاً ومعاصريه؟ وهل استطاع أن يبلوّر شخصيته الشعرية وكيف؟ الجواب: نعم استطاع، ولعل اختيار العزلة، واحدا من الأسباب التي أسبغت على تاريخه الشعري مثل هذا التداول والاهتمام النقدي على الرغم من محدودية الكم. لكنه أظهر اهتماماً مركزاً، ساهمت فيه نخبة طيبة من النقّاد من أمثال (عبد الرحمن طهمازي، حسن ناظم، علي حاكم صالح، ناظم عودة، سعيد الغانمي، حيدر سعيد) وغيرهم. وقد اجتمع الاهتمام على دراسة علاقة شعره بنمط حياته أولاً، ثم تأثير العزلة على حراكه الشعري. وقد آثروا على أن تكون الندرة في شعره مقياساً لطبيعة هذا الشعر. وهم بذلك لم يجانبوا مركز الاهتمام، لاسيّما الاستثنائي في حياته وبالتالي في شعره.
فلسفة الوجود
البريكان؛ أنموذج خاص لصياغة شاعر عاش من أجل الشعر، والشعر فقط. والذي يؤكد لنا هذا؛ أنه آثر العزلة وأمامه مباهج الحياة وقدرته على توفير نمط حياة تمنحه نوعا من الاستقرار النسبي، كما هي حياة الشعراء، لكن الشاعر كما هم (السياب، رشدي العامل، سركَون بولص، الأب يوسف سعيد، جان دمو، كاظم جهاد، عقيل علي) على سبيل المثال لا الحصر؛ كانت لهم اختيارات، تبلورت خصائصها في عطائهم الشعري مع اختلاف بعضهم عن البعض الآخر. ما نريد قوله هنا إن حياتهم المختارة أسبغت على شعرهم خصائص ذاتية. والبريكان كان أكثر استقراراً في عزلته لمداولة فلسفة الوجود في شعره. لقد وفّرت له عزلته مناخاً استطاع من خلاله تداول الأسئلة الفلسفية الملّحة على صعيد وجوده كإنسان له مستلزمات الوجود، وشاعر يتطلب وجوده صوّرا متجددة في هذه الحياة. ولعله لحظة ضاقت من حوله الزوايا، وتحدد المكان حسّياً، وقوّضت حالات الحركة دون رقيب، كانت العزلة من نتائجها. سبقتها حالة الابتعاد الجزئي، الرامي لخلق عالم كلي الوجود، عالم خالق لمناخ الشعر، الداخل إلى عالم الشعر من أوسع الزوايا، المتشبث بالاتساع الحاكم لمنافذ هيمنة الضيّق والمحدود في حياته الشعرية. فكان له ما أراد، فهيمن الشعر على وجوده المحدود مكاناً، والمتسع حسّاً بما أسبغ على وجوده الشخصي والشعري استثناء كما ذكرنا. وكانت لشعره نكهة الأدب الوجودي، المكبل بالأسئلة الفلسفية دونما تعقيد نظري جدلي، بل طرح فلسفة الوجود في شعره بتلقائية واضحة. يستجيب لحسّه الذي راكم الصوّر لوجود خارج مداهم لعزلته كما ذكر:
الذئاب ستهجم لكن متى؟
أول الليل؟
منتصف الليل؟
عند الهزيع الأخير؟
أوان احمرار الشفق؟
أفق من ذئاب
أفق من حشود ظلامية غامضة
يتحرك، يدنو، يضيق قليلاً.. قليلا ً
وثانية يختفي
في وضوح النهار
هذا الغموض في ما يواجه الشاعر، سحب الشعر عنده إلى مناطق أكثر حراجة، عاكساً غربته في الوجود، مؤكداً غموض معالمه، وإن اتضحت، فهي كما هي هجمة الذئاب. ولعله لم يجانب الحقيقة المرّة التي عاشها ويعيشها في عزلته، بل لخّصها في بضع أبيات، كانت أكثر بلاغة في بلوّرة الرؤى:
{أنا بانتظار الزائر الآتي
أنا بانتظار الغامض الموعود
أنا بانتظار اللحظة الزرقاء كالأبد الأبيد
أنا بانتظار اللحظة العظمى}
ولا ندري هل كان يدرك النهاية؟ لحظة نُفذت الجريمة بحقه، وكان السبب أنه نسي، ألا يفتح لأي طارق دون موعد محدد، فقد أخذته تلقائيته الشعرية وقادته إلى الغموض الذي انتظره، فرحل قسراً، بوحشية بالغة الدقة!
الأسئلة الموجبة
الشاعر محمود البريكان تشكيلة معرفية وشعرية تتفرد في ذاتها، لتوفر شخصيته الشعرية والاجتماعية، مستندة إلى خصائص ذاتية. وهذا ما تؤشر له عزلته، سواء ضمن مسيرته الحياتية، أو في أخرياتها. والدافع إلى مثل هذه الممارسة الوجودية، كوّنه وفّر لنفسه ثقافة ومعرفة مختلفة، ومارس حياة اجتماعية لا تنفصل عن تاريخ البلد، سوى في استقبالها بفرط الحساسية الشعرية التي يمتلكها. ثم واجه ما خلقته كل هذه المكوّنات من مجموع الأسئلة الوجودية، التي لخصتها وكررتها قصائده ذات البُعد والرؤى الفلسفية، عبر طرح أسئلة المعرفة عن الكوّن والعلاقات الإنسانية، والحرية خارج منظومتها السياسية المواجَهة بالإحباط، والنكسات الدائمة لمشروع الإنسان، ثم الشعور بالاغتراب. ولعل الشعور بالفقدان واحد من أهم المؤثرات في شخصه وبالتالي في شعره. فهو يعتبر قصائده، أو ممارسته لكتابة الشعر، نوعا من التعويض عن هذا الفقدان، الذي يسحب معه كل مستلزمات الوجود الإنساني التي يراها الشاعر من منظور يختلف عن أقرانه. فمثلاً السياب كإنسان وشاعر عانى من الفقدان والغربة الكثير، لكن شعره ترجم هذه الظاهرة من خلال حسّ يختلف عما عكسه شعر البريكان، كوّنه ترجم ذلك برؤى فلسفية تتعلق بأسئلة الوجود. لقد انعكست مفردات حياته المحدودة مكاناً والواسعة حسّاً عبر توالي الأسئلة الوجودية. فهو يصف العالم بالعورة، لأنه ـ سادر في الظلمة ـ على حد ما ذكر (علي حاكم صالح في الشعرية المفقودة) ـ لذا فشعره ينصّب في نوع من الإيمان بجبرية الصورة العقيمة التي تلّف العالم كما يذكر (الأجنة الصغيرة/ الأجنة الشاحبة الصفر/ التي ترفض أن تشاهد النور، ولا تريد أن تولد)، هذه النظرة الموصولة بعقم الحياة، لم تكن عفوية في حياة الشاعر، بقدر ما صاغتها مجموعة الرؤى المصاغة من الحياة.
إن نظرته تتعمق جرّاء تعمق عزلته المختارة، التي خلقت له عوالم من التأمل عبر ممارسة صعبة لمثقف مثله، ولنموذج اجتماعي، كانت له علاقات عريضة، سواء مع جيله أو مع المثقفين والشعراء والسياسيين، لاسيّما داخل بيئة تميّزت بخصائص ذاتية في صياغة مثقفها وأديبها هي بيئة مدينة البصرة، من هذا كانت رؤاه أكثر غموضاً حد عكس ما يشبه الرفض حين يقول:
وما من ملاذ أخير
نفتني المنافي، أحاول أن أقهر الموت عبر القصائد
أدحر بالشعر هذا الظلام الذي يتمدد داخل روحي
أحاول أن أجعل الفقد أجمل حين أصوغ المراثي.
أحاول أن أتثبت من درجات الوضوح. وأن أتثبت
بالزائرات. أحاول أن أتعرّف ما لا يباح وأن
أتقصى حدود العوالم
هذه الدعوة هي الأكثر انفتاحاً وانغلاقاً في الوقت ذاته. لأنها تكشف عن النوايا، وتغلق التعبير الواضح من الاقتراب من الآخر. إن سلاح الشاعر هنا كلامه المُصاغ شعراً، وكل ما هو خارج هذه المنظومة المعرفية الإنتاجية لا تعنيه. يُريد للشعر أن يأخذ بزمام الحياة، حتى في عزلته عن الوجود المادي الجمعي. فالشعر عنده أكثر قدرة على المواجهة (أدحر الموت بالقصائد) شريط أن يكون لساناً صادقاً. إن الدعوة في أن يكون الشعر رائد للموقف من الوجود، يتشبث به الشاعر، محاولاً أن لا ينفكّ عنه، بسبب تداخله مع عمق وجوده المادي، الذي آثر العزلة، معوّضاً بذلك عن الغربة في الحياة مع الجميع. إن العزلة كما ذكرنا ليست مستخلصة من العلل والأمراض الاجتماعية والسياسية، بقدر ما هي عزلة معرفية صاغتها دربة البناء الذاتي معرفياً، واستقام عودها على يد الشعر. لذا فموقفه في ما توصل إليه من صياغة لحياته، يُعد قيمة وجودية واعية ذات محمولات رؤيويه تتأبط الفلسفة كنمط يُصاغ فيه الشعر كما يذكر في إحدى قصائده:
هذا هو العالم المتأرجح بين الحقيقة
والوهم. بين سطوع الوجود وظِل العدم.
أهذا إذن عالمي؟
هذا المقطع الشعري، ملغوم بالإشارات التي ما أن يتوسع فيها المرء، حتى تنفتح على مجال أوسع، وهكذا. فوصف العالم بـ(هذا هو العالم) يعني إدراك ما لم يدركه الغير. وتوصيفه بـ(المتأرجح) ينطوي على كشف وموقف. لأن هذا التأرجح يراوح بين (الحقيقة والوهم) فالحقيقة التي يفهمها الشاعر، ويحاول التثبت منها وتطويرها وفق منظوره، والوهم ما يواجهه به الآخرون. الوهم هنا نوع من الخديعة، ولكي يُزيد من قوة وصفه، يضعه موضع السطوع والظِل. والفرق واضح، فهو لم يذكر الضوء والظلام مثلاً، وإنما اتخذ من صفتين مطلقتين جامعتين للحالة وهما (السطوع/ الظِل ) لأنهما أكثر قدرة على تأكيد قوة الضوء (السطوع) إزاء تفتت الظِل الذي هو مكوّن بحكم التراكم للظلام. وبهذا يمكننا القول إن الشاعر محدد ببصيرة تشكّل الأشياء والظواهر الكوّنية، لأنه يؤمن بأن الظاهرة (س) تقابلها الظاهرة (ص) بكل عناصرها، من هذا فإن الأسود كان أبيض على حد قول الباحث ناجح المعموري في كتابه بهذا العنوان. وهو خلاصة لما آلت إليه عناصر الظواهر المادية والبشرية. فالهم الوجودي في ذات الشاعر ولدته المِحَن بكل قوة تأثيراتها وقسوتها. من هذا نجده يجنح إلى حافّات الأشياء، لا هروباً منها فحسب، وإنما ليوضح لنفسه سبل القناعة لما آلت إليه حياته. فهو بحث من أجل الحقيقة المولّدة للقناعة بالسلوك اليومي إزاء مجريات الوجود. وهو ما يعكسه شعره المؤشر لسُبل المحاولات للإئتلاف مع العالم، لكن يُقابل بـاللاجدوى:
أحاول أن أعرف ما لا يباح، وأن أتقصى حدود العالم
وأحفر في صخرة الدهر رمز انتصاري.
ولكن نبض الليالي بطيء
ولي لغة لا تشابهني
وكنوز أساطير ضاعت مفاتيحها
أشكّل هذا السديم الذي لا يشكَّل.
أكتب حتى تجفَّ العروق. وأبصر هاوية الصفحات
الأخيرة فاغرة. وأماميَّ
يمتد تيه البياض السحيق
والقصيدة هنا تتصل بأخرى سابقة، تنطوي على رؤى أسئلة مستترة، يُحددها الكلام الذي يتشبث بأفعال التقصيّ في (لا يباح وأتقصى) وهاتان المفردتان محفوفتان بالمحذور الذي يراه الشاعر ممنوعا عنه اعتبارياً. لكنه يُجهد نفسه عبر الشعر في البحث عن هذا المحذور. ولكن تبدو اللاجدوى ماثلة في صياغة الجملة الشعرية التي تلي هذا متمثلة في (أحفر في صخرة) وهي استحالة الوصول إلى ما يريد من نحته هذا. غير أنه يؤكد صيرورة البحث (رمز انتصاري) ويبدو أن رمز الانتصار موصوف من علاقته بالنوع المتحقق وهو الشعر، رغم أن (الليالي بطيئة) مقابل (لغة لا تشابهني) في هذا لا يُشير إلى القطيعة، بقدر ما يؤكد عدم المشابهة بين لغتين. ثم يعرّج على ضياع الأساطير باعتبارها تمتلك مفاتيح المعرفة. وبمثل ما ضيّع البياتي مفتاحه الذي أهداه له الساحر الهندي، ضيّع البريكان مفتاح أساطيره. فما تشفع له سوى الكتابة، ووجه الصفحات البيض التي يراها نقية، مشبهاً إياها بـ(تيه البياض) الذي هو اتساعه. وهي أطراس الشاعر التي يدوّن عليها شعره.
يبدو لي أن الشاعر البريكان ملاحق بلعنة الأزمنة وأثر وقعها. وهي واحدة من مكوّنات الإنسان الوجودي، الباحث عن المصير الذي كبدته المآسي حملاً ثقيلاً، ناء به الشاعر ـ الواعي ـ قبل غيره من بني الإنسان. اللوعة تعني لديه أنك محاط بجملة مصدّات وكوابح، وعوامل مصادرة للوجود. ولفرط حساسية البريكان الشعرية نجده يتعامل مع الزمن على أنه سالب للإرادة، حد أن يصل إلى محو هوية الذات. ففي إحدى قصائده يؤكد على ذلك كما يُشير إليه هذا المقطع:
الزمان.. الزمان.. الزمان
ستصوّح أسنى الحدائق. تُسلّم أوراقها لهواء الخريف
المسافر. تهرم كل الشوارع والدور. تذبل كل
العواطف وتتحوّل بغضاً وحقداً. وينمو الصغار رجالاً
أصحاء أو صوّراً من مسوخ. جميع الأغاني ستنسى
وكل المسرات تثوي محنطة في الظلام
إلى يوم أن تهدم أعمدة الذاكرة
ونرى أن الامتلاء والتراصّ في الرؤى، قد حقق نموذج الصورة التي يراها الشاعر، وهو يراقب مجرى الواقع ويعيشه. وإزاء ما يمتلكه من حساسية شعرية، نجده يتعامل بيقينية ما سوف يحصل. وكأنه حاصل تحصيل لخطأ أكبر. إن رؤى البريكان تنبؤية، من خلال ما ذكر. فصرخته بتكرار الزمان ثلاث مرّات، تعني نوعا من نفاد الصبر. ثم تتوالى الصوّر مثل (تسلّم أوراقها، هواء الخريف، تهرم، تذبل) وهذه مفردات دالّة على السلب بمعنى الاستلاب. وهو بعد ذلك لا يربط رؤيته بالولادات الجديدة (ينمو الصغار رجالاً) لأن ما يراه متحققاً يتجسّد في (صوّراً من مسوخ، الأغاني تنسى، تتهدم أعمدة الذاكرة) هذه المواجهة اليائسة، هي التي منحت الشاعر نتائج اضطراب الأزمنة. وحرقة وقد الأحداث، ووصول الإنسان إلى مرحلة أن يكون سؤالاً يبحث عن جواب. ولا جواب هناك. ذلك لأن المفتاح الذي ذكره أعلاه قد ضاع، فضاعت أساطيره جرّاء هذا التيه، الذي صاغ صورة الإنسان وهو مكبّل باللاجدوى، يبحث عن مكان يأمن فيه. والعزلة التي اختارها الشاعر هي الملاذ الذي ينشده الشعراء المعذبون في الأرض. وجرّاءها غدا وجود الشاعر نوع من الأسطورة المضيّعة. وما أن يعثر عليها أحدهم، حتى تزوغ عنه مبتعدة، أو نائية إلى الأبد. هذه الأسطورة التي عنونت حياة البريكان شاعراً وإنساناً اتسعت رقعتها وتعددت صفحات أطراسها، لأن بحث الآخر فيها كان جادّاً، لكنه يبحث عن جدّية أكثر. فقد كان، كما ذكر مرّة أمضي (إلى سبر الأبعد المجهول للوجود، وإلى استشراف المصائر الكبرى).
ولعل أثره الشعري ما يدعو إلى تحقيق مثل البحث في المضمر من شخصيته الشعرية.
كاتب عراقي