لا أعرف هل هو البرد النافذ حولنا، أم هو الصيف الذي لم يأتِ بعد جعلا محمود بقشش الفنان التشكيلي يقفز أمامي. ثمانية عشر عاما مضت الآن منذ وفاة محمود بقشيش، لكنه لا يغيب عني وتأخرت كثيرا جدا في الكتابة عنه. لم أصدق أبدا أنه رحل عن عالمنا، رغم مضي هذه السنين على رحيله في الثالث عشر من مارس/آذار عام ألفين وواحد. عرفته مبكرا بدون أن أراه وأنا في الإسكندرية وهو في كفر الشيخ يعمل مصمما ورساما في مجلة «سنابل» التي أصدرتها محافظة كفر الشيخ ذلك الوقت، ورأس تحريرها الشاعر محمد عفيفي مطر.
لم يكن غريبا أن أعرف عفيفي مطر بين المجددين في الشعر في الستينيات. كانت إطلالة بقشيش الفنية هي الجديدة عليّ ولم أكن أعرفه من قبل، أو رأيت له معرضا لأنني كنت أعيش في الإسكندرية أوائل السبعينيات، حيث كانت المجلة تصدر. كان عفيفي مطر قد جعلها نهرا للتجديد في القصة والشعر والنقد والترجمة، وأذكر أنني نشرت فيها مقالا عن كاتب القصة القصيرة محمد حافظ رجب، صاحب مجموعة «الكرة ورأس الرجل» التي حين صدرت أثارت الرعب في الحياة الأدبية، بمعنى الدهشة الفائقة من هذه القدرة على الكتابة التي تتقطع فيها الجمل بسرعة الريح، ويختلط فيها الواقع بالخيال.
فتح حافظ رجب الباب للتجديد في الستينيات بشكل واسع، وأطلق الجملة الشهيرة ذلك الوقت «نحن جيل بلا أساتذة» الجملة التي أمسك بها المجددون الحقيقيون وأنصاف الموهوبين أيضا للأسف، وبدون ذكر أسماء أنصاف الموهوبين، فشعاري علمه لي المرحوم علي الراعي، وهو لا تكتب ولا تتحدث عمن لا يستحق، لكن رُدّ الجميل للكاتب الجميل.
كان محمود بقشيش يقف معي ويشرح لي ببساطة تكوين اللوحة ونوع المادة المستخدمة وكيفية الاستفادة من مساحة اللوحة وما تفرضه طبيعة المادة التي يستخدمها الفنان.
وشاءت الظروف أن انتقل إلى القاهرة وفيها كنت أقابل عفيفي مطر حين يأتي لزيارتها، لكن محمود بقشيش كان قد استقر فيها. في أول لقاء سألني هل أتابع معارض الفن التشكيلي فقلت إلى حد ما. وبابتسامته الجميلة قال لي كيف تكتب؟ ضحكت وقلت أكتفي أكثر بالسينما والشعر والمسرح، فقال لي أذن نذهب إلى السينما معا وتأتي معي لنطوف على المعارض. حدثته عن كتابين أو ثلاثة كتب قرأتها في الفن التشكيلي، فقال إذن أنت على الطريق فلنكمل معا.
وهكذا صرنا كل أسبوع أو أسبوعين نجد حجة لنا في الصيف إن الجو حار وفي الشتاء إن الجو بارد، فهيا بنا إلى التكييف في السينما. رأينا أفلاما رائعة لكنه لم يتوقف عن اصطحابي إلى المعارض. ولم تكن منتشرة كما هي اليوم فكان أتيلييه القاهرة هو مكاننا الأكثر اهتماما منا. ومعرض آخر كان يقام في مبنى الغرفة التجارية في منطقة باب اللوق. كان محمود بقشيش يقف معي ويشرح لي ببساطة تكوين اللوحة ونوع المادة المستخدمة وكيفية الاستفادة من مساحة اللوحة وما تفرضه طبيعة المادة التي يستخدمها الفنان، وكان هو من هواة الرسم الفقير، كما سماه، بمعنى إنه كان يميل إلى استخدام القلم الرصاص، رغم أنه استخدم أيضا الألوان المائية والزيتية. ثم فاجأنا بأجمل مفاجاة أدبية وقتها، وهي إصدار كراسة ماستر في سنوات السادات الأخيرة لا تزيد على عشر صفحات يقوم هو بتحريرها ونشرها وينشر فيها قصصا قصيرة لكتاب جدد. كنا نقاطع النشر في صحف السادات، خاصة بعد أن أغلق مجلة «الطليعة» عام 1977 ولولا وجود شخصيات مثل رجاء النقاش وأبو المعاطي أبو النجا ما نشرنا وقتها في مجلة «الهلال».
كانت كراسة الماستر التي يحررها بقشيش يطوف بها على المقهى يوزعها علينا فلم يكن يطبع منها أكثر من خمسين نسخة، وأذكر أن الصديقة سلوى بكر نشرت فيها أولى قصصها.
كان مثيرا جدا أن تجد فنانا تشكيليا يكرس وقت للنشر الأدبي على حسابه، وكان هذا يعكس رؤية محمود بقشيش لوحدة الفنون التي كان سؤاله لي وراءها.
لم أنشر أنا فيها لسبب بسيط جدا، وهو أنني كنت في حاجة إلى المكافأة وكنت أجد المراسلين الذين ينشرون لي في الصحف أو المجلات العربية بعيدا عن مصر. كانت هذه الكراسة الجميلة التي كانت محل اهتمامنا جميعا كأدباء تسمى» آفاق» وبدأ صدورها عام 1979 ولم تكن أعدادنا كما هي اليوم. كنا نُعد على الأصابع في القاهرة. كان مثيرا جدا أن تجد فنانا تشكيليا يكرس وقت للنشر الأدبي على حسابه، وكان هذا يعكس رؤية محمود بقشيش لوحدة الفنون التي كان سؤاله لي وراءها، حين سألني كيف تكتب إذا كنت لا تتابع جيدا حركة الفن التشكيلي؟ صار ذلك فتنتي الجديدة، خاصة وقد أتت الفرص للسفر إلى العالم بعد ذلك، فكانت زياراتي الأولى هي للمعارض والمتاحف الفنية وأمام كل لوحة أقف أتذكر ما قاله لي بقشيش يوما من وحدة الفنون والعالم في صورة. وهكذا اقتربت من فنانين تشكيليين مثل عز الدين نجيب، الذي أيضا أبدع في القصة القصيرة وكان من مجدديها في الستينيات، وكتب منذ عامين رواية، ومثل صلاح عناني من جيل تال، أنفقنا معا أعواما في الليل نمشي في شوارع القاهرة القديمة، ندرس العمارة الإسلامية، ومعنا فنان شاب هو عادل جيلاني، ومحبتي لفنانين كبار لم ألحق بهم وصداقتي لفنانين كبار بين القاهرة والإسكندرية يطول ذكر أسمائهم . صار الحر صيفا والبرد شتاء هو حجتنا أنا ومحمود بقشيش لدخول السينما ننعم بالتكييف، ولأن السينما والشعر والمسرح وحدها لا تكفي الأديب فنذهب إلى المعارض الفنية. أما القراءات الفكرية فهي طبيعية وعادة تبدأ مبكرا. ربما تقل مع الزمن حين يشيخ الكاتب وينتابه شعور بأنه لا جديد سيراه، أو لأن حنينه للماضي يكون أكثر مثل كل البشر، أو لازدحام الدنيا بالكتاب، فقد انتقلنا من زمن كان فيه عشرون كاتبا يجدون طريقهم للنشر من كل الأجيال وكل البلاد، إلى زمن فيه عشرون كاتبا في كل مقهى والتمييز بينهم أمر صعب، خاصة أن النقد مهما فعل لن يستطيع الملاحقة. هناك الآن تقريبا أكثر من ندوة أسبوعية حول رواية أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر أو كتاب فكري في مكان ما، لكنها لا تحرك الحياة الأدبية مثلما كانت تفعل ندوة واحدة في الستينيات أو السبعينيات تتناولها كل الصحف ويقرأها القراء بشغف، وأحيانا تثير الشجار. لقد شغل بقشيش مراكز ثقافية عدة وكتب مقالات ودراسات كثيرة في مجال النقد الفني نشرت في العديد من المجلات والصحف المصرية والعربية، وكتب كتبا رائعة منها «النحت المصري الحديث» و«أطلال النور ومدائنه» و«الروحانية في الفن» وكتب عنه فنانون ونقاد كبار مثل عز الدين نجيب، وقد ولد في ديسمبر/كانون الأول عام 1938 ورحل في مارس/آذار عام 2001 ولم أشأ أن أكتب عنه في يوم مولده أو رحيله. وقفت بينهما لأكتب في هذا الشهر فبراير/شباط ليظل في روحي دائما ناسيا إنه مولود مثل كل الناس وناسيا وغير معترف برحيله. ففي كل معرض فني أراه جواري يشرح لي.
٭ روائي مصري