مخاطر من تقييد حرية الإعلام والتعبير في لبنان تحت عنوان مواجهة الشائعات وهزّ مكانة الدولة المالية  

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: يبدو أن السلطة في لبنان بدأ يضيق صدرها بالإعلام بعدما ضاق صدرها بمواقع التواصل الاجتماعي، وجاءت التظاهرات الاحتجاجية يوم الأحد الفائت على رغم محدوديتها والتي نقل وقائعها بشكل مباشر على الهواء عدد من المحطات التلفزيونية لتؤجج غضب السلطة على الإعلام الذي لطالما تميّز وميّز لبنان عن سواه من البلدان في المنطقة العربية. ولاح في الأفق توجّه لتقييد الإعلام من خلال التلويح بإحالة إعلاميين وناشطين على النيابات العامة في حالة أي تعرّض بالتحقير أو الإساءة لرئاسة الجمهورية وللمقامات السياسية أو في حالة أي شائعة أو تضليل تؤذي المكانة المالية للدولة وتعرّض المصارف للاهتزاز والسوق المالية للانهيار كما حصل في حالة بنك إنترا قبل عقود.

وكثرت الاستدعاءات والتحقيقات مع الإعلاميين في الآونة الأخيرة بذريعة الإساءة إلى العهد أو النيل من هيبة الرئاسة أو بث الشائعات المغرضة أو التحقير والذم، وآخر مظاهر الملاحقة القانونية ما تعرّضت له صحيفة “نداء الوطن” التي عنونت على صورة لرئيس الجمهورية ميشال عون يتلقّى أوراق اعتماد سفراء في قصر بعبدا بالقول “أهلاً وسهلاً في جمهورية خامنئي”.

غير أن موجة الأخبار والتأويلات التي رافقت شح الدولار في الأسواق وتهافت اللبنانيين على محطات البنزين وما رافقها من أجواء بلبلة ومن وجود شبكة تهرّب الدولار إلى سوريا أو من سحب مبالغ مالية كبيرة بالدولار وإيداعها في المنازل كانت الحد الفاصل في إتخاذ السلطة قراراً بضبط الإعلام والتحذير من عقوبات.

وبدأت التدابير بتعميم مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية نص المادة 209 من قانون العقوبات التي تحدّد ماهية النشر، والمادتين 319 و320 من القانون نفسه والتي تحدّد العقوبات التي تنزل بمرتكبي جرائم النيل من مكانة الدولة المالية والتي تطال من أذاع وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة لأحداث التدني في أوراق النقد الوطنية أو لزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها وهي الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسمئة ألف ليرة إلى مليوني ليرة.

وتواصلت التدابير التحذيرية بموقف للرئيس عون في جلسة مجلس الوزراء الخميس الفائت يميّز فيه بين النقد والشتيمة وبين حرية التعبير والانحراف عنها ويقول “حق التظاهر لا يعني حق الشتيمة، وحرية الإعلام لا تعني حرية إطلاق الشائعات المغرضة والمؤذية للوطن”.

وحاول رئيس الحكومة سعد الحريري إبعاد شبح عقوبة السجن عن الصحافيين من خلال دعوته إلى تطوير قانون المطبوعات ورفع قيمة الغرامات على وسائل الإعلام التي يدينها القضاء كخيار أفضل من أي توجه للعودة إلى فرض عقوبة السجن على صحافيين بسبب كتاباتهم.

لكن يبدو أن وزير الدولة لشؤون الرئاسة سليم جريصاتي هو الأكثر تشدداً في موضوع الإعلام وهو الذي يبتكر طرق الملاحقة في حق الإعلاميين، من خلال دعوته الإعلام إلى مراعاة الأصول والتحذير من نشر أخبار كاذبة وترويج شائعات من شأنها أن تؤذي الاستقرار الأمني والسياسي والنقدي، على الرغم من إشارته إلى أن المساس بالحريات أو قمعها وليس وارداً في ذهن أحد.

وفي دلالة على جدية ملاحقة الإعلام، ما تسرّب عن تعميم داخلي صادر عن أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر يحذّر من إتجاه النيابات العامة للتشدد في ملاحقة الأشخاص الذين يتعرّضون لرئيس الجمهورية والمقامات السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي. وجاء في التعميم “مع تمسكّنا بالحق المشروع لكل مواطن في التعبير والانتقاد السياسيين ومع تأكيدنا أننا مستمرون في الدفاع عن الحرية السياسية، إلا أنه ومن باب الحرص ومنعاً لتعرّض أي رفيق أو مناصر أو ناشط لأي إجراء قانوني يُتخذ بحقه على خلفية أي كتابة أو رسم يقع تحت عنوان التشهير والذم والقدح والإساءة، نحيطكم بهذا التوجّه ونطلب أخذ الحيطة وإبقاء أي انتقاد ضمن القواعد والأصول تفادياً لأي إجراءات يُفضّل تجنّبها والإبلاغ عن أي حالة استدعاء للمتابعة وفق الأصول القانونية”.

أما حزب الكتائب فكان أكثر مواجهة للاتجاه نحو تقييد الإعلام من خلال دعوة رئيسه سامي الجميّل رئيس الجمهورية إلى إبعاد رموز 7 آب من حوله، رافضاً محاولات إسكات الإعلام والعودة إلى ممارسات النظام الامني ايام الاحتلال السوري.

وحيال التوجّه الجديد للسلطة كان دفاعا عن الإعلام من الإعلامية السابقة الوزيرة مي شدياق التي توجّهت إلى رئيس الجمهورية وأهل السياسة بالقول “ما في حبوس تساع كل الناس، كما قالت فيروز والرحابنة” مشددة على حماية الحريات الإعلامية ورفض تقييدها. وأضافت “نحن فخامة الرئيس نكنّ لك كل الاحترام لك ولموقعك ولكن هناك قوانين تحرّم المس ببعض المقامات ولكن حتى أنت لا تريد ان يسجّل انه في عهدك تم قمع الحريات”.

وكان لبنان شهد في زمن الوصاية السورية منتصف آذار/مارس 1994 وقف الأخبار والبرامج السياسية بهدف كمّ الأفواه ومنع أي اعتراض على حلّ حزب القوات اللبنانية واعتقال قائدها آنذاك سمير جعجع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية