تونس ـ «القدس العربي»: تلقي الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها تونس منذ تاريخ 25 تموز/يوليو بثقلها على المشهد الإعلامي برمته، فهذا القطاع كان ولا يزال جزءا لا يتجزأ من عملية مخاض كاملة تمرّ بها البلاد. وقد توقع عديد التونسيين ان يتحسن وضع حرية الصحافة مع هذه المنظومة الاستثنائية، لكن هؤلاء أصيبوا بخيبة أمل كبرى بعد أن تبين بالكاشف، وبعد مضي أربعة أشهر أن دار لقمان بقيت على حالها. فقد تواصلت التجاوزات والانتهاكات ذاتها التي تستهدف الإعلام والإعلاميين ولم يحصل التغيير المنشود الذي طمح وتاق إليه كثير من أولئك المتحمسين.
ويبدو أن الأمر لا علاقة له بهذا النظام أو ذاك ولا بهذا الفريق السياسي أو ذاك، بل بمؤسسات دولة لم يقع إصلاحها، على غرار المؤسسة الأمنية، وعقليات متحجرة لا تقبل بالرأي المخالف لم يقع العمل على تغييرها طيلة السنوات الماضية. ولعل فشل مسار العدالة الانتقالية الذي كان من المفروض أن ينتهي بإصلاح مؤسسات الدولة قد ساهم بقسط وافر في ما يعانيه الإعلام اليوم من قمع من قبل بعض المنتمين إلى مؤسسات وأفراد ممن لم يواكبوا التطورات السياسية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
مشاكل بالجملة
ويرى البعض أن استهداف حرية الصحافة زاد بعد 25 تموز/يوليو خاصة مع تعهد القضاء العسكري بقضايا تتعلق بحرية التعبير، وهو أمر أزعج عديد الجهات الحقوقية والإعلامية التي عبّرت صراحة عن خشيتها من تدهور الوضع الحقوقي في البلاد وخسارة عديد المكاسب. كما أن إغلاق بعض القنوات التلفزيونية، وخاصة قناة «نسمة» من قبل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري وهي الهيئة التعديلية التي تمارس الرقابة على وسائل الإعلام التونسية، زاد من قناعة البعض بأن حرية الصحافة باتت مستهدفة في تونس أكثر من أي وقت مضى.
وفي هذا الإطار ترى الصحافية التونسية والناشطة الحقوقية منية العرفاوي في حديثها لـ «القدس العربي» أن الإعلام التونسي اليوم ليس في أفضل حالاته، فهو مهدد بفقدان المكسب أو المنجز الوحيد الذي تحقق بعد عشر سنوات من الثورة وهو حرية الرأي والتعبير. فهناك، حسب محدثتنا، محاكمات أمام القضاء العسكري على خلفية قضايا رأي وتعبير، وهناك أيضا صعوبات اقتصادية عميقة تواجه المؤسسات الإعلامية في وجودها.
كما يحصل اليوم، وبحسب الإعلامية التونسية، اصطفاف سياسي مخجل من وسائل إعلام تموّل من جيوب دافعي الضرائب، وهذا لا يجوز لأنه من المفروض أن تلتزم هذه المؤسسات الإعلامية الحكومية الحياد في أي صراع سياسي بين مختلف الفرقاء. كما تم إغلاق ثلاث مؤسسات تلفزيونية بسبب مخالفتها للقانون، وفي اعتقاد محدثتنا انه كان يمكن تسوية الأمر والوضعية القانونية لهذه المؤسسات بعيدا عن الغلق الذي أجبر عشرات الصحافيين والتقنين والعاملين بهذه المؤسسات على البطالة القسرية وذلك في وضع اقتصادي سيء.
وتضيف محدثتنا قائلة: «لعل فقدان مواطن الشغل بالنسبة للصحافيين هو اليوم الكابوس الذي يلاحق المئات منهم باعتبار أن سوق الإعلام في تونس صغير جدا بما يجعل فرصة الحصول على عمل ضئيلة جدا بالنسبة للصحافيين المتخرجين أو حتى من طالت بطالتهم. كما أن هناك وضعا هجينا يعيشه الإعلام الخاص وهو الهجمة غير المسبوقة لصناع المحتوى على المنابر الإعلامية حيث بات وجود الصحافيين على هذه المنابر يكاد يكون نادرا وبات القطاع مختطفا من قبل أشخاص لا علاقة لهم بالأساس بالصحافة والإعلام وهو ما أثر على جودة المضامين وجعل من هذا الإعلام قابلا للتوظيف وللتطويع السياسي».
وزادت هذه الوضعية في تأزيم المتأزم في قطاع إعلامي محكوم بمراسيم تشريعية سنت في ظروف استثنائية وليس بقوانين شرعها البرلمان وهو ما يجعل هذا القطاع خاضعا إلى المزاج السياسي ولكل متغيرات المشهد السياسي. وهذا ما نلاحظه بمرارة أيضا في مرحلة التدابير الاستثنائية الراهنة التي أقرها ساكن قرطاج منذ الخامس والعشرين من شهر تموز/يوليو.
مخاوف رغم التطمينات
وعن واقع الإعلام والحريات في تونس خاصة خلال الفترة الأخيرة، أوضحت ريم سوودي عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحغفيين التونسيين لـ«القدس العربي» بالقول: «انه بعد صدور المرسوم 117 الذي وضعنا جميعا في إطار استثنائي، نحن كنقابة وطنية للصحافيين عبّرنا منذ البداية عن تخوفاتنا من إمكانية التراجع عن مكتسبات حرية التعبير وحرية الإعلام، وهذا الشعور والتخوف ما يزال هو نفسه إلى حد الآن، رغم التطمينات التي يقدمها في كل مرة رئيس الجمهورية فيما يتعلق بالحريات والحفاظ على مكتسبات الشعب التونسي بعد الثورة وعدم التراجع عنها.
هذا كله لم يساهم في جعلنا نطمئن خاصة ان الفترة ما بين 25 تموز/يوليو إلى غاية الآن سجلت عديد الانتهاكات والتجاوزات فيما يتعلق بالحريات والتي كان من أبرزها متابعة صحافيين على غير المرسوم 117 المتعلق بحرية الصحافة والنشر. في نفس الوقت سجلت تلك الفترة متابعات لعدد من الصحافيين على المحتوى وتم إيقاف أكثر من شخص ومتابعته خاصة في المحاكم العسكرية. وقد أعلنا عن رفضا قطعيا لهذا الإجراء وقمنا بالتنديد به والمطالبة باعتماد المحاكم المدنية وفي نفس الوقت اعتماد المرسوم 117 للمتابعات على المحتوى أو المتابعات المتعلقة بالصحافيين».
عوائق أمام حق النفاذ إلى المعلومة
وتضيف محدثتنا: «نحن نعتبر دائما ان الأطر الاستثنائية والتي تبقينا في حالة من تجميع للسلط كافة لدى رئيس الجمهورية هو مؤشر غير مطمئن وغير مريح فيما يتعلق بالحريات. اضيف أنه منذ 25 تموز/يوليو لدينا مشكلة حقيقية في النفاذ إلى المعلومة، ورغم كل الدعوات التي صدرت عن النقابة الوطنية للصحافيين ومن عدد من الصحافيين من أجل انفتاح مؤسسة رئاسة الجمهورية على الإعلام والإعلاميين إلا أنه إلى غاية اليوم لم نلمس فتح أي قناة للتواصل بيننا وبين رئاسة الجمهورية. كما أنه فيما يتعلق برئاسة الحكومة والوزراء، ولغاية اليوم، يواجه الصحافيون مشاكل كبيرة في الوصول الى المعلومة، وإلى حد الآن ليس هناك مكلفون بالإعلام للوزراء أو رئاسة الحكومة».
وعن رؤيتها ومقاربتها لإصلاح الإعلام تقول محدثتنا «إصلاح الإعلام مسألة شاسعة ونحن كنقابة وطنية كنا قد اقترحنا الانطلاق في مؤتمر وطني لإصلاح الإعلام يتم من خلاله وضع رؤية شاملة لكل التحديات والصعاب والإشكاليات التي يواجهها». وعن المتغيرات التي حصلت قبل وبعد تاريخ 25 تموز/يوليو توضح سوودي: «طوال السنوات العشر الماضية كانت هناك محاولات للسيطرة على الإعلام لإعادته إلى بيت الطاعة ومحاولات للتدخل في المادة الإعلامية تقريبا من مختلف الحكومات التي تلت الثورة. صحيح ان حرية التعبير هي المكسب الأساسي والأهم الذي تسجّل بعد الثورة لكن هذا لا يمنع انه خلال كامل الفترة السابقة كانت هناك تهديدات واضحة لهذه الحرية ولهذا المكسب».
وتتابع :» ان تاريخ 25 تموز/يوليو صحيح انه محطة تاريخية سياسية واضحة ومحددة في تاريخ تونس يمكن ان تُبنى عليها تركيبة وتفصيلات جديدة لما هو سياسي وإعلامي واقتصادي واجتماعي. ولكن ذلك لا يمنع حقيقة انه قد تواصلت معها محاولات السيطرة على الإعلام وتركيعه والتدخل في المحتوى، والدليل هو ان التلفزة الوطنية الحكومية إلى غاية اليوم تقدم مادة إعلامية ليست في مستوى انتظارات التونسيين».
وعن غلق عدد من القوات التلفزيونية تجيب بالقول: «نحن كنقابة موقفنا واضح، فقد تم غلقها استنادا إلى قرار صادر عن هيئة الاتصال السمعي البصري وهي الهيئة التعديلية للإعلام مند 2015. وقناتا نسمة وحنبعل مطالبتان بتقديم تقاريرهما المالية لتسوية الوضعية مع هيئة الاتصال ونحن لاحظنا انه بمجرد ان عبرت إدارة قناة حنبعل عن رغبتها وانطلقت في تسوية وضعيتها قدمت لها الهايكا ترخيصا وقتيا إلى غاية تسوية وضعيتها، ونحن نأمل بان تسير قناة نسمة في نفس الطريق التي اعتمدته حنبعل لتسوية وضعيتها».
وبالنسبة لوضعية الصحافيين في هذه القنوات قالت ريم سوودي: «نحن نعلم جيدا ان الإشكالات التي تطرح فيما يتعلق بوضعية القنوات المغلقة هو وضع الصحافيين في هذه القنوات، حيث كان الثمن دائما اجتماعيا باعتبار تعرض الصحافيين دائما للبطالة عند الإغلاق، ونحن كنقابة وطنية ندعم التوجه نحو تسوية وضعية هذه القنوات».
المجتمع المدني: صمام الأمان
وقالت عضو النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين إن محاولات تركيع الإعلام تواصلت مع اختلاف المؤثرين وطبيعة من يحكم. وأكدت ان التقارير الصادرة عن النقابة الوطنية للصحافيين أو عن منظمات تعنى بالحريات دائما كانت تحذر من ان الحريات مهددة ولكن كان المجتمع المدني صمام أمان وحال دون ان يتم التراجع عن مكسب الحرية والحق في التعبير. وأضافت: «نعتبر ان الإعلام رغم كل الإشكاليات المطروحة فيه ورغم انه لم يقم بالقفزة النوعية المنتظرة منه خلال العشر سنوات الماضية- لكن ذلك لا يمنع من القول ان الإعلاميين والصحافيين والعمل الصحافي الجاد- كان من ضمن الآليات التي حافظنا بها على مكاسب الحقوق والحريات التي ما زلنا نعيش في كنفها حتى الآن». وحذرت من أن الإحصائيات الموثقة في التقارير الشهرية والتقرير السنوي لوحدة الرصد بمركز السلامة المهنية، كشفت أن الصحافيات أصبحن يتعرضن لأشكال عنف مختلفة في أماكن العمل، مبنية على أساس النوع الاجتماعي. ووضعت ريم سوودي، أشكال الاعتداءات التي تطال الصحافيات من منظور النوع الاجتماعي، مشددة على أن الخلفية الاجتماعية والثقافية لهذا العنف تستوجب مقاربة عامة تتقاطع فيها الأطراف المعنية .
أطراف عديدة
ويعتبر الناشط الحقوقي والسياسي صبري الثابتي في حديثه لـ«القدس العربي» أن ماهو أكيد أن الصحافي لا يمكنه العمل في وضعية اجتماعية شبيهة بالتي يعيشها اليوم، والتي تحول دونه والإبداع في مجاله، وذلك باعتبارها وضعية هشة من حيث الأجر المتدني ومن حيث إمكانية الاستغناء عنه في أي وقت. ولولا القوانين الشغلية التونسية التي ما زالت قادرة على حماية المتضررين، برأي محدثنا، لحصلت كارثة بكل ما للكلمة من معنى نتيجة الاستهتار بحقوق الصحافيين من قبل المؤسسات التي يعملون بها. فالاضطهاد يبدأ، حسب الحقوقي، من المؤسسة الصحافية ويتواصل خارجها، والصحافي في تونس هو الضحية رغم أنه ناقل الحدث ولولاه لما عرف العالم شيئا عن ما يحصل في هذا المكان من العالم وذاك. ويضيف محدثنا قائلا: «إن العنف على الصحافيين يتسلط بداية من أرباب العمل أي أصحاب المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها، ثم من قبل الشارع العادي، فالشارع المسيس أي جماهير الأحزاب السياسية، وأخيرا الأجهزة الأمنية وغيرها من سلطات الضبط الخاضعة للفريق السياسي الحاكم. فالكثير من أصحاب المؤسسات الإعلامية يشغلون الصحافيين لساعات طويلة بدون ترسيم وبدون تغطية اجتماعية مقابل أجر لا يسمن ولا يغني من جوع، والشارع العادي فيه أشخاص يعتقدون أن الصحافيين هم مجرد ناقلين لأخبار خاطئة ومزيفة وذلك بعد أن وظفت عليهم حملة خلال فترة حكم الترويكا نعتتهم بإعلام العار بقيت مؤثرة إلى اليوم. أما الشارع التونسي المُسيس والذي يعتدي في مظاهراته على الصحافيين لفظيا وجسديا، فهو يعادي كل مؤسسة إعلامية لا تتبنى رؤيته ولا تساند حزبه السياسي في تعصب لا يبدو وأن له مثيلا في باقي دول العالم. والحقيقة أن هذه الأحزاب هي التي عطلت إصلاح مؤسسات الدولة ومنها المؤسسة الأمنية لتبقى أداة بيدها لقمع الصحافيين والإعتداء عليهم أثناء تغطيتهم للأحداث. فكم من صحافي تونسي ضرب وكم من مصور هشموا آلة تصويره أو الكاميرا التي ينقل من خلالها الأحداث إلى التونسيين والعالم أو تمت مصادرتها وفسخ التسجيلات منها في اعتداء صارخ على الصحافة والصحافيين».