تونس –”القدس العربي”: لم يستطع من تداولوا على تسيير شؤون الاقتصاد التونسي بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011 من رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء ومسؤولين وغيرهم المحافظة على التوازنات الاقتصادية التي كانت قائمة والإقلاع نحو الأفضل مثلما كان منتظرا. فالبلاد تغرق يوما بعد يوم والاقتصاد يتدهور والقدرة الشرائية للمواطن التونسي إلى الأسوأ ولا توجد إرادة حقيقية على ما يبدو للإصلاح والكل يبدو عاجزا ومستسلما للحال.
فالنجاحات السياسية المحققة منذ 2011 لم يقابلها نجاح اقتصادي، بل تدهور لم تعرفه البلاد على مدى تاريخها جعل الساسة يجنحون إما إلى الديون الخارجية أو إلى رفع الضرائب إلى درجة التضييق على معيشة المواطن التونسي المتضرر الأول والأخير مما يحصل من سوء تصرف اقتصادي من حكومات الثورة. ولعل الرفع مؤخرا في سعر الفائدة الذي جاء بعد استجابة الحكومة لمطالب الاتحاد العام التونسي للشغل في رفع أجور ورواتب موظفي القطاع العام، يدخل في هذا الإطار، أي تحميل المواطن ضريبة العجز الحكومي الذي فاق كل التوقعات.
وعن انعكاسات وتداعيات ارتفاع سعر الفائدة أكد وزير المالية التونسي الأسبق والخبير المالي حكيم بن حمودة في حديثه لـ”القدس العربي” ان القرار المتعلق برفع سعر الفائدة لم يكن مفاجئا، فقد تداولت بعض الأخبار والصحف منذ مدة استعداد البنك المركزي لأخذ هذا القرار. كما أشارت بعض المصادر، إلى أن هذا كان نتيجة لبعض الضغوطات وخاصة المتأتية من صندوق النقد الدولي. وأضاف بالقول: “طبعا ستكون لهذا القرار تداعيات كبيرة على مستويين على الأقل. المستوى الأول على المقدرة الشرائية، وبصفة خاصة للطبقات الوسطى التي أخذت قروضا من البنوك، مما سينتج عنه ارتفاع كبير في سعر الفائدة. المعادلة الثانية تخص انعكاسات هذه القرارات على المؤسسات الخاصة والتي ستراجع استثماراتها وتقلص منها نظرا لتكلفتها الباهظة”.
ويوضح بن حمودة أنه يجب الاشارة إلى التناقض وعدم التجانس بين السياسة المالية والنقدية. فالسياسة المالية حافظت على منحاها التوسعي بينما أخذت السياسة النقدية منحى تقشفيا للاقتصاد التونسي. وبين أن الحلول القصيرة المدى فتهم تعبئة موارد كبيرة من العملة الصعبة كفتح مكاتب الصرف التي تعتزم الحكومة فتحها وكذلك التوجه إلى قروض من العملة الصعبة لدعم مخزون البلاد من العملة الصعبة والحد من تدهور الدينار.
مسؤولية المواطن
وتعتبر الناشطة السياسية والحقوقية آمنة الشابي في حديثها لـ”القدس العربي” أن الزيادة في سعر الفائدة الذي جنح إليه البنك المركزي هو مواصلة في سياسة تحميل المواطن التونسي المسؤولية عن عجز حكامه عن إيجاد الحلول لإنقاذ اقتصاد البلاد. ويبدو في رأيها أن هذه الزيادة لم تكن مدروسة وستضرب معيشة التونسي في الصميم، فهي تستهدف قدرته على نيل القروض البنكية لاقتناء مسكن يحقق من خلاله كرامته أو للقيام بمشروع يحرك الدورة الاقتصادية ويساهم في التشغيل.
وتضيف قائلة: “وينتظر خلال الأيام أو الأشهر المقبلة أن تذهب الحكومة نحو رفع أسعار المحروقات للمرة الألف والبحث عن أتاوات جديدة لم تكن موجودة في السابق إلى أن تصل إلى درجة إحصاء أنفاس التونسيين وتوظيف ضريبة عليها. فالأمر بات لا يطاق مع حكومة المجبى هذه ومع سابقاتها في ظل عجزها جميعا عن ابتكار حلول جديدة توفر مداخيل جديدة للاقتصاد التونسي وتنهض به.
ولعل ما يثير الاستغراب لدى هؤلاء هو أنهم يدعون من جهة أنهم يشجعون الاستثمار ويتخذون قرارات تنفر المستثمرين والراغبين في ولوج الدورة الاقتصادية التونسية من جهة أخرى على غرار هذا الرفع في سعر الفائدة. فالتسيير للبلاد بات عشوائيا إلى أبعد الحدود وبتنا نعيش في دولة هواة فتحت فيها المناصب العليا في الدولة لمن هب ودب، لمن لا شهائد عليا له ولم يشتغل طيلة حياته ولم يتدرج في سلم الوظيفة العمومية ليجد نفسه مباشرة وزيرا مشرفا على قطاعات هامة أو كاتب دولة يتمتع بسلطة على أصحاب الخبرة المهنية والزاد العلمي والمعرفي الهام”.