انشغلت دول المنطقة ودول حول العالم بعودة مواطنيهم من سوريا طيلة الفترة التي باتت هزيمة تنظيم “الدولة” مسألة أيام أو أسابيع في “الجيب الأخير” الذي لا يزال العشرات أو المئات من مقاتليه يتحصنون فيه.
وأشارت تقديرات للأمم المتحدة عام 2017 أن ما لا يقل عن 40 ألف مقاتل “أجنبي” من 100 دولة التحقوا بفصائل إسلامية تقاتل في سوريا والعراق، معظمهم في صفوف تنظيم “الدولة”.
تشكل الأعداد الكبيرة، أو على الأقل من تبقى منهم، مصدر قلق لحكومات بلدانهم الأصلية وطريقة التعامل مع العائدين منهم أو المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي ترفض الاحتفاظ بهم أو محاكمتهم.
ونقلت وسائل إعلام عن مصادر محلية في قوات “قسد” ان نحو 1000 مقاتل أجنبي محتجزون في مخيمات اعتقال تشرف عليها سلطة الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا؛ وأكثر من 500 امراة ونحو 1200 طفل من أكثر من 40 جنسية.
يؤكد مسؤولو الإدارة الذاتية وقادة قوات “قسد” على عدم استعدادهم تحمل مسؤولية الاحتفاظ بهذه الأعداد الكبيرة من المقاتلين وعوائلهم لفترات طويلة لأسباب أمنية ولافتقار هذه الإدارة إلى الإمكانيات اللازمة لرعاية شؤون هذه الأعداد الكبيرة.
تحاول الإدارة الأمريكية الضغط على دول العالم لاستلام مواطنيها من مخيمات الاعتقال التابعة لقوات “قسد” مع تحذيرات صريحة على لسان الرئيس الأمريكي باطلاق سراحهم بمجرد انسحاب القوات الأمريكية في حال واصلت تلك الدول رفض استلامهم.
أعداد
ليس ثمة معلومات أكيدة تحدد الأعداد الحقيقية للمقاتلين المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية، وتتفاوت الأرقام حسب الجهات التي تدلي بمثل هذه المعلومات، بما فيها قوات “قسد” المعنية الأولى بالأمر.
إلا ان ما لا يقل عن 800 مقاتل أجنبي قد يكونون فعلا محتجزون لديها إضافة إلى مئات آخرين من عوائلهم، معظمهم من النساء والأطفال؛ ويشكل هؤلاء أعدادا قليلة نسبيا قياسا إلى التي وصلت سوريا خلال سنوات الحرب والتي تشير أدنى التقديرات إلى ما بين 18 و21 ألف مقاتل.
أوائل شباط/فبراير 2018 أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي ان هناك ما بين 14 و18 ألف مقاتل في العراق وسوريا، من بينهم 3000 مقاتل أجنبي.
وفي بيانات أخرى لنفس المنظمة، أي الأمم المتحدة، قالت إن أكثر من 40 ألف مقاتل أجنبي من 110 دولة ربما التحقوا بالفصائل الإسلامية المتشددة في سوريا والعراق، معظمهم التحق بتنظيم “الدولة”.
وتوصلت دراسة أجراها المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، مقره لندن، في تموز/يوليو 2018، إلى ان 41.490 شخصا بينهم 32.809 من الرجال و4.761 من النساء و4.640 طفلا يتواجدون في مناطق سيطرة تنظيم “الدولة” يحملون جنسيات 80 دولة.
ووفقا لتصريحات متطابقة لقادة في التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة” فان الغالبية العظمى من مقاتلي التنظيم قتلوا أو اعتقلوا دون تحديد أرقام.
وذكرت إحدى الدراسات البريطانية عام 2016 أن ما بين 3.900 و4.300 من مواطني دول الاتحاد الأوروبي التحقوا بصفوف تنظيم “الدولة” أغلبهم من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكيا.
وفي دراسة نشرها مؤخرا مركز “صوفان” المهتم بالقضايا الأمنية أفادت بأن العدد الكلي للمقاتلين الذين التحقوا بتنظيم “الدولة” في العراق وسوريا يبلغ أكثر من 40 ألف شخص من أكثر من 110 دولة بعد إعلان أبو بكر البغدادي دولة “الخلافة” من الموصل عام 2014.
استند المركز على وثائق عثر عليها بعد سيطرة قوات “قسد” على مدينة الرقة، العاصمة الافتراضية ومركز الحكم للتنظيم، وثقت بيانات كاملة لأكثر من 19 ألف مقاتل.
التوزيع حسب الجنسيات
أشارت دراسة للمركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في لندن أصدرها في تموز/يوليو 2018 إلى ان هناك 18.852 مقاتلا من الشرق الأوسط وشمال افريقيا و244 من الدول الافريقية جنوب الصحراء، و7.252 مقاتلا من دول أوروبا الشرقية و5.904 مقاتلا من دول أوروبا الغربية، و1.010 مقاتل من دول شرق آسيا و1.063 مقاتلا من جنوب شرق آسيا و447 من جنوب آسيا، و753 من الأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلندا.
وتشير دراسات منشورة إلى ان نحو 850 شخصا يحملون الجنسية البريطانية التحقوا إلى تنظيم “الدولة” بينهم 145 امرأة و50 طفلا؛ قُتل منهم أكثر من 130 بريطانياً، وفقا لتصريحات رئيس جهاز الاستخبارات البريطانية في تشرين الأول/أكتوبر 2017.
وحسب وكالات، فان الجهات البريطانية أحصت وجود ما لا يقل عن 200 مقاتل بريطاني لا يزالون يقاتلون في العراق وسوريا بحلول نهاية العام 2018.
وتشير بعض التقديرات إلى ان ما لا يقل عن 400 مقاتل بلجيكي توجهوا للقتال في سوريا منذ عام 2012.
وبحلول نهاية عام 2018 فان ما يزيد عن 150 مقاتلا في صفوف تنظيم “الدولة” يحملون الجنسية البلجيكية، بالإضافة إلى 160 طفلا ولدوا لزوجين بلجيكيين أو ان أحدهما، على الأقل، يحمل الجنسية البلجيكية.
وهناك ما لا يقل عن ألف شخص ممن يحملون الجنسية الألمانية التحقوا فعلا إلى تنظيمات إسلامية في العراق وسوريا منذ عام 2013، معظمهم في صفوف تنظيم “الدولة”.
توجه حوالي 4.500 مواطن روسي للقتال في العراق وسوريا منذ عام 2012، معظمهم من الجمهوريات ذات الغالبية المسلمة، وفقا للاستخبارات الروسية مطلع عام 2018.
وتشير أرقام نشرتها وكالة “فرانس برس” إلى وجود ما لا يقل عن 150 مقاتلا يحملون الجنسية الفرنسية في ريف دير الزور الشرقي مع بداية معارك قوات سوريا الديمقراطية منتص العام الماضي.
وذكرت بعض الدراسات ان ما لا يقل عن 300 مقاتل فرنسي قتلوا في سوريا على مدى السنوات الماضية من أصل مئات التحقوا للقتال هناك دون وجود أرقام دقيقة عن أعدادهم الحقيقية.
وتوجه للقتال في سوريا نحو 300 شخص يحملون جنسية كوسفو، وذكرت تقارير أن هناك ما لا يقل عن 145 شخصا منهم كانوا في شرق سوريا نهاية عام 2018 نصفهم من الأطفال والنساء.
ومن البانيا التحق للقتال في سوريا أقل من 100 شخص من بينهم نساء رافقوا أزواجهن هن وأطفالهن بين عامي 2012 و2014 تأكدت وفاة 23 منهم.
وتوجه ما بين 3 إلى 5 آلاف مقاتل تونسي منذ عام 2012 إلى العراق وسوريا، وبعضهم إلى ليبيا للقتال في صفوف تنظيم “الدولة”.
ويقدر عدد من يحملون الجنسية المغربية في صفوف تنظيم “الدولة” في العراق وسوريا بنحو 1600 مقاتل، وفق تقديرات عام 2015.
وحتى بدايات عام 2018 فان ما لا يقل عن 590 اندونيسيا يقاتلون في صفوف تنظيم “الدولة” في سوريا حسب الحكومة الاندونيسية التي لم تذكر أي ارقام عن وجود لمواطنيها في العراق.
الهجرة المعاكسة
بعد بدايات انحسار مناطق سيطرة تنظيم “الدولة” في العراق وسوريا منذ أواسط عام 2015 وتراجعه، بات الكثير من مقاتلي التنظيم يفكرون بالعودة إلى بلدانهم الأصلية.
وأجرى المركز الدولي لأبحاث الفضاء دراسة حول فرص عودة المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية ذكرت ان ما لا يقل عن 7.366 من المقاتلين الأجانب في صفوف تنظيم “الدولة” عادوا إلى بلدانهم بحلول نهاية عام 2018، من بينهم 256 امرأة و1.180 طفلا.
بينما عاد 3.906 شخصا إلى بلدانهم الأصلية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، و756 إلى أوروبا الغربية و784 إلى أوروبا الشرقية و388 إلى دول آسيا الوسطى و308 إلى جنوب شرق آسيا و156 إلى جنوب آسيا و97 إلى الأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلندا و12 شخصا إلى دول افريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وفي دراسة نشرها مؤخرا مركز “صوفان” المهتم بالقضايا الأمنية أفادت أن 5.600 شخصا ممن التحقوا بتنظيم “الدولة” عادوا إلى بلدانهم الأصلية.
وفي تصريحات رسمية للحكومة الألمانية فان نحو ثلث مواطنيها الذين التحقوا في صفوف التنظيمات الإسلامية المسلحة في العراق وسوريا قد عادوا إلى بلدهم الأصلي والذي يبلغ عددهم الكلي أكثر من 1050 قتل منهم أكثر من 150 في حين هناك العشرات ممن تحتجزهم قوات “قسد”.
وعاد إلى بريطانيا أكثر من 400 مواطن بريطاني خلال سنوات، معظمهم من النساء والأطفال، من أصل حوالي 900 بريطاني سافروا إلى العراق وسوريا.
وتؤكد الحكومة الشيشانية عودة 200 طفل وامرأة، بينما لا يزال هناك أكثر من 1400 طفل وامرأة في سوريا والعراق.
مخاوف دولية
ترغب الدول الأوروبية ان تتولى قوات “قسد” أو الحكومتين العراقية والسورية ملف محاكمة المنتمين إلى تنظيم “الدولة” لاخلاء مسؤوليتها وتجنب تحمل تبعات عودتهم إلى تلك الدول التي هي على يقين بأن هؤلاء المقاتلين سيقضون ما تبقى من أعمارهم في السجون أو يقتلوا تحت التعذيب.
إلا ان الإدارة الذاتية الكردية ترفض الاستجابة للرغبات الأوروبية وتطالب بإرسالهم إلى بلدانهم الأصلية التي تبدي ترددا حتى الآن من مسألة استلامهم والتي جاءت على لسان الرئيس الأمريكي أيضا، وهو الذي رفض عودة إحدى النساء الأمريكيات المقاتلات في صفوف التنظيم.
وترى السلطات الألمانية ضرورة التعامل مع كل حالة على حدة والتحقيق المعمق في كل حالة قبل وصولهم إلى ألمانيا، مع رغبة في منع عودة مقاتلي التنظيم والتحرك بحرية في ألمانيا بما يشكله ذلك من خطر على الأمن والاستقرار.
قد تكون فرنسا التي عانت كثيرا من الهجمات والتفجيرات من بين أكثر الدول الأوروبية قلقا من عودة مقاتلي التنظيم ممن يحملون الجنسية الفرنسية.
وترفض الحكومة الفرنسية بشكل قاطع عودة مقاتلي التنظيم وزوجاتهم إلى فرنسا على ان يحاكموا في سوريا أو العراق؛ إلا انه قد لا تجد الحكومة الفرنسية ما يمنع من استقبال نحو 130 شخصا، بينهم نساء وأطفال يصل عددهم إلى 80 طفلا دون سن العاشرة.
كما ترفض بريطانيا عودة مقاتلي التنظيم مشددة على محاكمتهم في العراق أو سوريا حيث هو المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم، مؤكدة على أن الأولوية هي لضمان أمن وسلامة بريطانيا التي ستشكل عودة المقاتلين تهديدا لها.
وهناك ثمة اجماع في مواقف الدول الأوروبية على ضرورة محاكمة الجهاديين ممن يحملون جنسيات هذه الدول في محاكم سورية أو عراقية ومنع عودتهم بأي طريقة كانت على الرغم من مطالبة الولايات المتحدة لهذه الدول باستلام مقاتليها لدى قوات “قسد” الحليفة لها.
وتفتقر الإدارة الذاتية الكردية إلى ما يكفي من السجون لإيواء جميع المحتجزين لديها لفترات طويلة.
وتخشى الدول الأوروبية من السماح بعودة مقاتلي التنظيم نظرا لما قد تواجهه من ردود فعل شعبية غاضبة تؤثر على اتجاهات الرأي العام في أي انتخابات مقبلة، بالإضافة إلى مخاوف جدية من تهديدات أمنية محتملة.