لا يكتمل الانقلاب شكلاً إلا بمداهمة مكتب قناة «الجزيرة» واغلاقه، في العاصمة التي وقع فيها الانقلاب!
فلما كانت الساعات الأولى لما جرى في تونس، انصبت تصريحات وبيانات قادة النهضة على التعريف بأن ما جرى انقلاباً. يعيدون في ذلك ويزيدون، حتى ضج المرء من هذا التكرار الممل، وقد علمنا بأنه انقلاب فماذا أنتم فاعلون؟
لكن ربما كان «التوصيف» مهماً لدى القوم، فأردوا تثبيته بالإلحاح عليه، وكأنهم نشطاء أو يعملون في التحليل السياسي، وليسوا من تتعلق بهم الأنظار وتشرئب الأعناق في انتظار الوقوف على ردة فعلتهم!
بيد أن الرئيس قيس سعيد، أراد أن يكفيهم مشقة «التنظير السياسي»، فكان الدفع بالجنود لاقتحام مكتب «الجزيرة» في العاصمة التونسية، فلا اجتهاد مع النص، الذي جاء واضحاً وصريحاً، لتقديم التفسير اللازم لما جرى، وليرد على السؤال الأثير: ثورة أم انقلاب؟!
في مصر حدث الشيء نفسه عشية الانقلاب العسكري، في هذا الشهر نفسه، وكأن شهر يوليو/تموز صار معتمداً لدى العرب كشهر للانقلابات، منذ الانقلاب العسكري الأول في سنة 1952، بعد أن كان شهراً يُحتفى به لأنه الشهر الذي شهد مولدي (كما تقول شهادة الميلاد) وشهد كذلك مولد شبيهي الزعيم الفنزويلي تشافيز، وهو أمر كنت اعتبره في السابق طبيعياً، فالثوار – كما قال مظفر النواب – لهم وجه واحد، لكن الآن – والحال كذلك – أعترف بأنني لست من مواليد هذا الشهر، لكن أهل القرى كانوا يؤجلون قيد مواليدهم، حتى تتأكد حياتهم، وذلك لأنهم كانوا يتشاءمون من فكرة كتابة المولود في يوم مولده أو في الأيام الأولى لذلك، قيل لي إنني ولدت في غرة يونيو/حزيران الفضيل، ولست متأكداً من ذلك، وإن كان لا أسوأ من هذا إلا ذاك، فأحدهما شهر الانقلابات والثاني شهر الهزائم (يونيو/حزيران 1967)!
قلق الضباط:
وفي الليلة الليلاء التي وقع فيها الانقلاب المصري، كانت قوات الأمن تقتحم مكتب قناة «الجزيرة» في القاهرة، وكذلك مقر « «الجزيرة »مباشر» مصر، ضمن حملتها على عدد من الفضائيات الأخرى، واقتادت العاملين في هذه القنوات إلى أقسام الشرطة، وكان المدهش في هذه الليلة أن الضباط كانوا في قلق بالغ، لأنه على الرغم من الاستجابة لأوامرهم بقطع الإرسال، إلا أن «الجزيرة» ظلت تبث من القاهرة، وصاحوا في وجه الشاشة: كيف يحدث هذا؟!
وعبثاً تم لفت انتباههم أن البث يتم عبر استوديوهات القناة في الدوحة، وكانوا لفرط ذكائهم يعتقدون أنهم قادرون على قطع الإرسال تماماً و»تسويد الشاشة»، الأمر نفسه الذي حدث في تونس، وقال شهود عيان إن القوة التي اقتحمت مقر «الجزيرة» كانت – أيضاً – في دهشة لاستمرار البث، بشكل يفيد أنه وعلى مدى ثماني سنوات لم يحدث أي تطور للعقلية البوليسية الفذة!
وفي الحالة المصرية، وإذ انشغلنا لفترة طويلة بالتأكيد على أن ما جرى هو انقلاب كامل الأوصاف، فقد اعتبرت هذا المشهد المروع يكفي للرد على سؤال: ثورة أم انقلاب؟ واحتفظ «فيسبوك»، قبل أن يغلق مارك ابن أبيه صفحتي تماماً، بمنشور لي كتبته بأن اعتقال زميلنا أيمن جاب، مدير قناة «الجزيرة »مباشر مصر، يؤكد أنه انقلاب، فالثورة هي التي منحت «الجزيرة »وأخواتها شرعية الوجود في القاهرة، وعندما تلغى هذه الشرعية، فإن إعلاناً – مدفوع الأجر- بأن انقلاباً قد وقع، ورداً على سؤال أثير آنذاك، وتمت الإجابة عليه عبر أغنية كانت تذاع في اعتصام رابعة عنوانها: «ثورة دي ولا انقلاب؟».
لقد قطع الرئيس التونسي قول كل خطيب، باقتحام مكتب الجزيرة، وطرد العاملين فيه، وإغلاقه، وإن جاء هذا الإجراء متأخراً نسبياً لما حدث في مصر، ومن ثم صار لا معنى لتصريحات قائمة المحللين السياسيين في حزب النهضة، وعلى رأسها الشيخ راشد الغنوشي، بتوصيف ما جرى بأنه انقلاب!
وإذا اعتمدنا التقييم المهني، فإن تغطية مكتب «الجزيرة »في العاصمة التونسية، لم يخرج عن الاعتبارات المهنية، وهناك حرص على عرض الآراء المختلفة، لكن أي كلام يقال وأي رأي يُعرض من شأنه أن يجعل مما فعله قيس سعيد قول شاعر ولا يفلح الشاعر حيث أتى، ويجعل من محاولته دسترة الإجراءات التي أقدم عليها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف!
كل صيحة:
والمتابع لأداء مكتب «الجزيرة »في تونس، في كل الأزمات التي يمر بها المشهد السياسي التونسي، سيجد نفسه أمام أداء موضوعي، لا ينحاز لطرف في مواجهة طرف، ويحرص على عرض كل الآراء منذ أن فتحت «الجزيرة» مكتبها بعد الثورة التونسية، وتولي لطفي حاجي موقع المدير فيه، وإذا كانت السلطات الأمنية اعترضت قبل الثورة على توليه المنصب، فعمل في مقرها في الدوحة، فقد كنت أعتقد أن هذا الجو من الحرية سيغريه في ممارسة دور سياسي، إلا أنه لم يفعل، ولم يشأ أن يلعب بعيداً عن مهنته، مع أن المناخ يغري من بداخله جينات السياسة، وشاهدنا كيف أنه حدث فرار جماعي للعمل السياسي بعد الربيع العربي، وسعى إعلاميون لأن يكونوا من خطباء الثورة في بلدانهم!
وتكمن المشكلة في أن الموقف المحايد نفسه قد يضر بطرف في المعارك الكبرى، عندما يشعر المستبدون أن كل صيحة عليهم، ومن هنا فان الموقف من قناة «الجزيرة » ليس لأنها انحازت لحركة «النهضة» مثلاً، ليبرر هذا الإجراء الخش، ولكن لأن أحد طرفي الصراع، كان يريد من «الجزيرة» أن تكون «العربية» أو «سكاي نيوز» لأنه لا يُنصر سوى بالتضليل وعدم الموضوعية.
فهذه معركة لن ينتصر فيها قيس سعيد، إلا بالتخلي كلية عن قيم مهنة الصحافة، فيكفي عرض الآراء والمواقف، بدون تعليق أو تحليل، حتى يُهزم قائد الانقلاب والرعاة الرسميون له بالضربة القاضية!
ومن عجب أن لطفي حاجي قال في براءة، إنه لم يتلق إخطاراً من جانب السلطات بإغلاق المكتب قبل مداهمته، فاته أن الانقلابات لا ترسل الإخطارات القانونية، فقراراتها تنفذها بحضورها العنيف، فلم يعد الأمر بحاجة إلى الحديث المسهب لقادة حركة النهضة لتوصيف ما جرى بأنه انقلاب. نعم هو انقلاب وقد أسفر عن نفسه، فماذا أنتم فاعلون.
لقد كفاهم قيس سعيد مهمة التوصيف، فقد وصف فعله بإغلاق مكتب الجزيرة!
أرض – جو:
فلما مضت ليلة الانقلاب، وفي صباح اليوم التالي، بدأ خبر تعيين رئيس للحكومة اللبنانية يزاحم خبر الانقلاب المهم، بشكل ضقت به ذرعاً، وتذكرت أنني كتبت في هذه الزاوية عن موقف مشابه، وهو كيف أن الخبر اللبناني كان هو الأول في نشرة أخبار «الجزيرة» في اليوم الأول للثورة المصرية!
ولعل هذا يدفعنا لطرح سؤال يحتاج للتأني في الإجابة عليه: هل يهتم المشاهد فعلاً بالأزمات اللبنانية المتتابعة؟ ومنذ أن وعينا على ظهر الدنيا، ولبنان يدخل في أزمة ويخرج من أزمة.
السؤال بطريقة أكثر تحديداً، ومع خالص احترام لكل العالم، ومن هم فوق الأرض ومن تحت الأرض: هل يهتم المشاهد غير اللبناني فعلاً، بأن «نجيب ميقاتي» أختير الرئيس المكلف للحكومة اللبنانية؟ وأن سعد الحريري عين أو استقال، نام أم قام؟!
فهل هي محاولة من القائم على الرسالة الإعلامية لفرض اهتماماته على المشاهد، أم أنه الاعتياد الذي يحدث بدون تفكير غالباً؟ وإذا كان هذا جائزاً في وقت الأحداث فيه شحيحة، فهل هذا وقته والحدث التونسي يشغل المشاهدين حد النوم أمام التلفزيون؟!
اللافت أن القنوات الإخبارية جميعها اشتركت في فرض الخبر اللبناني، وهو أمر يحتاج إلى دراسة من الدراسات الخاصة بالأجندة الإعلامية، أو تلك التي تهتم بالقائم بالاتصال!
في انتظار خبر تقديم نجيب ميقاتي لاستقالته!
صحافي من مصر