تونس-»القدس العربي»: قفصة هي مدينة تونسية تقع جنوب غربي البلاد، وهي عاصمة ولاية تحمل إسمها تضم عددا من المدن الأخرى على غرار مدن الحوض المنجمي الرديف والمضيلة والمتلوي وأم العرائس. وتعتبر ولاية قفصة بوابة الصحراء التونسية التي هي جزء من الصحراء الكبرى الأفريقية التي تتشكل من صحارى تونس وليبيا والجزائر ومالي والنيجر وغيرها، بعد أن اقتسمها المستعمر دون عدل بين الدول المطلة عليها.
وينحدر سكان قفصة، وعلى غرار أغلب سكان البلاد التونسية، من العرب والأمازيغ، وخلال فترة الاحتلال العثماني لتونس استوطنت قفصة بعض العائلات التركية، فيما لم يذكر التاريخ استقرارا للأندلسيين فيها وهم الذين استوطنوا وأسسوا عدة مدن تونسية. وتعتبر قبيلة الهمامة أهم قبائل ولاية قفصة ومحيطها وهي متجذرة في التربة التونسية وأنجبت عديد المشاهير عبر التاريخ وفي مختلف المجالات وكان لها باع في مقاومة الاستعمار الفرنسي.
وتتميز قفصة بمناخ شبه جاف خصوصا في فصل الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة وتهب رياح «الشهيلي» الصحراوية الحارة الآتية من الجنوب، وتقل التساقطات حتى في فصل الشتاء مع هبوب الرياح الرطبة من أوروبا والبحر الأبيض المتوسط. ورغم ذلك فإن المياه والواحات متوفرة في ربوع ولاية قفصة التي تتنوع فيها التضاريس وتتداخل بشكل لافت حيث توجد الجبال والسهول والأودية والهضاب والكثبان الرملية وغيرها.
وقفصة هي تحريف لقبصة وهو الإسم القديم للمدينة التي عرفت واحدة من أقدم الحضارات في العالم. واختلف المؤرخون حول تاريخ التأسيس باعتبار قدمه وحول المؤسس أيضا. فالبعض ومنهم سالوست اللاتيني يرجعه إلى الإلاه آليي أو إلى هرقل، بينما ذهب بعض العرب إلى التأكيد على أن مؤسس المدينة هو أحد أولاد النمرود ملك الكلدانيين.
أولى الحضارات
عرفت قفصة أولى الحضارات في شمال أفريقيا وهي الحضارة القبصية أو القفصية والتي تعود إلى زمن العصور الحجرية، وأثرت وفق أغلب المؤرخين ليس فقط في شمال أفريقيا بل حتى في جنوب أوروبا وخصوصا جنوب فرنسا التي استقر بها قفصيون جلبوا معهم مكونات حضارتهم وذلك من خلال عدة موجات من الهجرات. ويطلق المؤرخون على هذه الفترة في أوروبا تسمية الطور الأورنياكي وهو طور من أطوار الحقبة الباليوتية التي بدأ فيها تشكل الحضارات في جنوب أوروبا والضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.
وتركت الحضارة القبصية أو القفصية رغم قدمها بعض الآثار لعل أهمها المعبد الذي شيده القبصيون منذ قرابة 40 ألف سنة قبل ميلاد المسيح وقد أقيم على ضفاف نبع مائي بالنظر إلى قداسة المياه في الحضارة التونسية القديمة التي توصف بأنها حضارة حياة ومياه وليست حضارة مدافن وطقوس جنائزية. كما توجد عديد المنحوتات والرسومات والأدوات المصقولة من حجر الصوان وغيرها من الآثار التي أعطت المؤرخين لمحة عن حياة الإنسان القفصي القديم في أولى حضارات البلاد التونسية وشمال أفريقيا وغرب المتوسط بوجه عام.
كما عرفت قفصة باقي الأطوار الحضارية التي عرفتها تونس وانخرطت في الحضارة القرطاجية أو البونيقية التي تعتبر بداية تشكل الكيان التونسي في إطار دولة قوية ومؤسسات حكم حقيقية كرسها دستور مكتوب وضع أسس نظام جمهوري يتكون من رأسين في السلطة التنفيذية منتخبين لسنة واحدة يراقبهما مجلس منتخب بدوره. وبعد سقوط قرطاج مع قرب نهاية المئة الثانية قبل ميلاد المسيح خضعت قفصة للاحتلال الروماني شأنها شأن كامل شمال أفريقيا وأثرت فيها الحضارة الجديدة التي بدأت وثنية ثم انتشرت فيها الديانة المسيحية انتشار النار في الهشيم.
وقدمت مقاطعة أفريكا الرومانية (تونس اليوم وشرق الجزائر وغرب ليبيا) التي أصبحت عاصمتها مدينة قرطاج عاصمة جمهورية قرطاج المتهاوية، شخصيات هامة لعبت دورا بارزا في الحضارة الرومانية. ومن بين هؤلاء المشاهير الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس، والبابا غلاسيوس الأول، والقديس المجدد في الديانة المسيحية أوغسطين، والشاعر الهزلي تيرنتيوس، والسياسي والمشرّع جوليانوس، والكاتب والفيلسوف والشاعر لوكيوس أبوليوس.
ومع سقوط روما ونهاية عهدها سيطر الوندال على شمال أفريقيا لقرابة المئة عام فأصبحت قفصة إحدى العواصم الهامة، ثم جاء البيزنطيون من القسطنطينية وأسسوا عاصمة جديدة قرب قفصة هي مدينة سفيطلة نسبة إلى سفيطلة إبنة جرجير والي البيزنطيين على قرطاج. ومع البيزنطيين ازدادت قفصة شأنا وعرفت ازدهارا حضاريا في تلك الفترة بقيت آثاره إلى اليوم، فقد شيد البيزنطيون الكثير في هذه المدينة العريقة على غرار السور والبرج.
ومع قدوم الإسلام إلى شمال أفريقيا وقضاء العرب على حكم البيزنطيين خضعت قفصة لوالي القيروان الممثل للإمبراطوريتين الأموية والعباسية ثم عاشت العصر الأغلبي والفاطمي ثم الصنهاجي أو الزيري. ومع غزو قبائل بني هلال وبني سليم العربية للبلاد التونسية وإنهائهم لحكم الصنهاجيين في القيروان استقلت أغلب المدن التونسية بذاتها وتشكلت في قفصة دولة بني الرند التي حكمت طيلة قرن إلى حين قدوم الموحدين.
ثم خضعت قفصة لحكم الحفصيين في مدينة تونس الذين أنهى حكمهم العثمانيون الذين خلفهم المماليك المراديون فالحسينيون الذين حل الاستعمار الفرنسي في زمن حكمهم. وشهدت قفصة مقاومة شرسة للاستعمار الفرنسي طيلة فترة تواجده وكان جبل عرباطة في قفصة أحد الأماكن التي شهدت الملاحم والبطولات للمقاومة التونسية.
وبعد استقلال تونس بعقود وتحديدا سنة 1980 شهدت قفصة عدوانا مسلحا قام به كوماندوس تسلل إلى المدينة في إطار مؤامرة من دول الجوار كان الهدف منها الإطاحة بنظام حكم الرئيس بورقيبة. لكن الجيش التونسي سرعان ما تدخل وأحبط هذا العدوان بعد أن سقط ضحايا في صفوف المدنيين والعسكريين، وما زالت إلى اليوم عملية قفصة تثير الكثير الأسئلة بعد أن قبرت أسرار كثيرة تخص إحدى الدول الشقيقة فيما تم التشهير بالدولة الأخرى.
معالم متعددة
إلى جانب الآثار القديمة جدا على غرار الرمادية أو الكدية السوداء، والتي تعود إلى مرحلة الحضارة القبصية في عصور ما قبل التاريخ، توجد في قفصة معالم عديدة تعود إلى حقب متنوعة على غرار الجامع الكبير أو جامع صاحب الوقف والذي تم تشييده في القرن التاسع للميلاد في عصر الدولة الأغلبية وهي الدولة التي استقلت بحكم أفريقيا الإسلامية (تونس وشرق الجزائر وغرب ليبيا) عن العباسيين في زمن الخليفة هارون الرشيد، واتخذت من مدينة القيروان التونسية عاصمة لها. والجامع هو تحفة معمارية وهو نموذج للعمارة السائدة في عصره ويشبه في بعض التفاصيل جامع عقبة بن نافع بالقيروان الذي أعيد ترميمه في العصر الأغلبي وهو الذي تم تشييده مع بدايات الدولة الأموية.
ويروى في كتب التاريخ أن قفصة كانت تضم قصورا أمازيغية كثيرة كانت تخزن فيها المؤن على غرار قصور ولاية تطاوين ذات الأشكال الغريبة التي صورت فيها أفلام عالمية كبرى وكانت قبلة كبار مخرجي السينما الأمريكية. والقصر الأمازيغي الصحراوي هو جملة من الغرف المتلاصقة المبنية بحجارة خاصة تحفظ المؤن من الحرارة المرتفعة، ويشيد القصر أحيانا من عدة طوابق تقود إليها جملة من المدارج، وأحيانا يتم تشييدها من طابق وحيد. وفي كلا الحالتين فإنها تتميز بشكل معماري خاص وفريد لا مثيل له في العالم.
ومن معالم قفصة أيضا، البرج الحفصي الذي تم تشييده سنة 1434 في عهد الدولة الحفصية على أنقاض معلم بيزنطي قديم، وقد تواصل الاعتناء به في عهد الاحتلال العثماني لتونس والذي أنهى حكم العائلة الحفصية. وقد تعرض هذا البرج للقصف زمن الحرب العالمية الثانية بعد أن اتخذت قوات المحور والحلفاء من تونس الفاقدة للسيادة والخاضعة لحكومة فيشي الفرنسية الخاضعة بدورها للألمان النازيين، مسرحا لحروبها، حيث دارت معارك حامية الوطيس بين الجنرال الألماني رومل والجنرال البريطاني مونتغمري الزاحف بجيشه من المغرب الأقصى إلى تونس عبر الجزائر.
وعلى الراغب في الإطلاع على الشكل المعماري العتيق للمنازل القفصية أن يزور دار لونقو التي شيدت في بدايات القرن التاسع عشر من قبل واحدة من أعرق العائلات القفصية وقد تم ترميمها لتبقى شاهدة على العمارة المميزة للبيوت في تلك الربوع. ولئن كانت البيوت القفصية القديمة شبيهة بنظيرتها في العاصمة وفي القيروان وغيرها من المدن التونسية العريقة، إلا أن فيها الكثير من المميزات الخاصة بالجهة وبربوع الجنوب الغربي.
وتبقى الأحواض الرومانية أهم معالم مدينة قفصة، وهما حوضان بحجمين متفاوتين وكلاهما عميقان وقد شيدا في بدايات القرن الثاني للميلاد للسباحة باعتبار بعد المدينة عن البحر، وكان يتم ملؤهما من منابع طبيعية للمياه. وقد تعرض الحوضان للقصف خلال الحرب العالمية الثانية لكن تم ترميمهما واستغلهما شباب قفصة للغطس والسباحة والارتماء فيهما من الأماكن المرتفعة.
اقتصاد متنوع
يتعاطى سكان مدينة قفصة وولايتها أنشطة متعددة من بينها استخراج الفوسفات في إطار شركة فوسفات قفصة، وهي الشركة الوطنية التونسية الكبرى المكلفة بنشاط استخراج الفوسفات. ففي قفصة يوجد الحوض المنجمي الشهير وتحديدا بمناطق الرديف والمتلوي والمظيلة وأم العرائس أين توجد المناجم الكبرى التي جعلت تونس تحتل المراتب الأولى عالميا في إنتاج وتصدير هذه المادة.
ونشأت مع الفوسفات صناعات تحويلية محلية يؤمنها المجمع الصناعي الكيميائي وارتبطت هذه الصناعات بهذه المادة حتى صعب الفصل بينهما. فحين يتوقف إنتاج الفوسفات يتوقف المجمع الصناعي الكيميائي عن العمل وهو ما جعل المجمع يلجأ السنة الماضية إلى استيراد الفوسفات من الخارج، بعد توقف إنتاجه في الداخل بسبب الاضرابات، حتى يوفي بالتزاماته التصديرية إزاء أطراف خارجية.
وينشط أهالي قفصة أيضا في القطاع الزراعي حيث تشكل الواحات حدائق غناء تتوفر بها غراسات وأشجار متنوعة وليس فقط النخيل كما هو معروف عن الواحات في العادة. ففي حدائق قفصة أشجار الرمان والمشمش والزياتين وأيضا الخضراوات بمختلف أنواعها والحبوب والبقول الجافة وغيرها وذلك رغم ندرة المياه مقارنة بمناطق أخرى في تونس، إذ يبدو أن الإنسان في قفصة تأقلم مع الطبيعة ومع شح مواردها واستغل ما هو متوفر أفضل استغلال.
وتتوفر قفصة على مناطق طبيعية جميلة لكن النشاط المنجمي حال دون تطورها سياحيا بالشكل المطلوب وذلك رغم توفرها على بنية تحتية مرضية مقارنة ببعض المناطق في البلاد. ومن بين ما يمكن أن يزوره سائح قفصة المطالب بالإقامة في فنادقها باعتبار بعدها عن العاصمة، جبل ميدة المطل على المدينة وعلى الواحات الجميلة التي تبدو بدورها بحاجة إلى زيارات متعددة وخصوصا واحة القطار.
كما توجد بقفصة حديقة عمومية جميلة هي حديقة عرباطة وتوجد بها حيوانات وطيور صحراوية تعيش في المنطقة كما يوجد بها مخزون نباتي هام من الأشجار إضافة إلى الغزلان والنعام. ويمكن لزائر قفصة أن يزور هذه الحديقة ليطلع على المخزون الطبيعي لهذه الجهة العريقة الضارب تاريخها في القدم.
كما لا يتصور أن لا يمتطي زائر قفصة «الجرذون الأحمر» وهو قطار سياحي قديم كان يمتطيه ملوك تونس أو البايات للتنقل بمختلف مناطق العاصمة وذلك فإنه يتضمن عربة ملكية وعربة لمساعدي الملك وعربة أخرى هي بمثابة المطعم والمقهى وعربات أخرى للأمتعة والمسافرين. وشيد القطار القديم الشبيه بعربات أفلام رعاة البقر الأمريكان من الخشب الأحمر والجلد مع العاج والنحاس الذي طليت به الأرضية، ويسير هذا القطار بين الجبال الضيقة والأودية والتضاريس الغريبة الشبيهة بمناظر أفلام الغرب الأمريكي القديمة ويمكنه التوقف من أجل التقاط السياح للصور وسط المناظر الطبيعية الخلابة والغريبة.
كما ينشط أهالي قفصة في الصناعات التقليدية وبرعوا في العديد من المنتوجات مثل السجاد الأمازيغي أو المرقوم كما يسمى في تونس. ويتميز هذا السجاد برسوم خاصة ورموز تبرز هوية تلك الربوع الخلابة التي استوطنها الإنسان قبل غيرها من المناطق.
قفصة اليوم
تعرف قفصة أيضا بازدهار النشاط المسرحي حيث قدمت فرقة قفصة ممثلين كبار أثروا الساحة المسرحية في تونس وهو ما دفع بالدولة إلى تحويل الفرقة المسرحية بقفصة إلى مركز للفنون الركحية والدرامية. كما أنجبت قفصة العديد من الأدباء والشعراء والموسيقيين والمغنين الذين كان لهم باع في الحياة الثقافية وهو ما جعل الدولة تبعث إذاعة جهوية بقفصة للاهتمام أكثر بهؤلاء المبدعين وبجهة الجنوب الغربي عموما، ليبعث القطاع الخاص إذاعة أخرى هي إذاعة «صوت المناجم».
كما يوجد في قفصة مطار هو مطار قفصة قصر الدولي، وتوجد بها جامعة تعليمية هي جامعة قفصة وتضم اختصاصات أدبية وعلمية متنوعة. كما وجد في وقت ما ناديان رياضيان نشطا في الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم وهما القوافل الرياضية بقفصة ونجم المتلوي.
وأنجبت قفصة مشاهير بالجملة في مختلف المجالات ويكفي التونسيين ذكر الأزهر الشرايطي الملقب بأسد جبل عرباطة الذي قاد المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي خلال السنوات التي سبقت الاستقلال وأيضا أحمد التليلي القيادي النقابي بالاتحاد العام التونسي للشغل والعضو بالحزب الحر الدستوري والذي كان همزة الوصل والمنسق بين المقاومة المسلحة ضد الاستعمار والقيادة السياسية للحزب ممثلة بالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه. كما أنجبت قفصة إبن منظور صاحب معجم لسان العرب الشهير والذي بات أحد أهم المراجع في اللغة العربية.
ومن أجمل ما قيل عن قفصة قصيدة بعنوان أهيم بحبك قفصة للشاعرة كوثر مصباح جاء فيها:
أيا قفصة
الأزمان فيك وإن طالت
فقولي فيك بعد لم يطل
ومهما فصحت براعتي
فمنك خصال بعد لم أقل
تجاهر عنك أسوارك
تاريخا في وجه حسادك يستل
كريم طبع عزيز نفس
كذا الإبن إذا منك نهل
وذا الأهل فيك أشراف قوم
رجولة العهد فينا أبدا لم تذل
وحسن الطباع كذا قد جبلنا
سخية ربوعنا للضيف إذا حل
أيا قفصة
في داخلي تعبقين
وكل الحكايا فيك لا تكتمل
أجمع خصالك عقدا فعقدا
أوشح به قصيدة تفوق الغزل
وطعمك للزائرين حلو المذاق
كطعم الشهد يقطر منه العسل.