هذه مذكرات توماس راسل حكمدار القاهرة ما بين 1902-1946 ترجمها إلى العربية الكاتب المتفرد في كتاباته واختياراته، الأديب مصطفى عبيد صاحب الأعمال المهمة من روايات مثل «ليل المحروسة» و«جاسوس في الكعبة» ودواوين شعرية مثل «محمد الدرة يتكلم» و«بكاء على سلم المقصلة» وسيرة مثل «الفريق سعد الدين الشاذلي، يوضح فيه مصطفى عبيد كيف حاول لسنوات العثور على الكتاب بالإنكليزية وأخفق حتى نشر إعلانا لشراء الكتاب على أمازون، فوجد من يرد عليه من إنكلترا أن لديه نسخة من الكتاب، واتفق معه أن يرسلها لصديق له في ولاية نيوجيرسي في أمريكا حتى يستطيع الحصول عليها في زيارته، لأنه لا توجد طريقة لإرسال الكتاب إلى مصر مباشرة، وكان هذا من غرائب الأمور. المهم أنه نجح في الوصول إلى هذه النسخة النادرة بحق. المذكرات اثنان وعشرون فصلا وخاتمة، والأفضل أن أبدأ بخاتمتها حيث يقول توماس راسل «إن هذا الكتاب ليس مجرد تمثيل لحياة شرطي، لكنه تسجيل لجانب من تاريخ الناس. لقد كانت السنوات المبكرة في الأقاليم التي قضيتها في بيوت الأعيان، وتجولت خلالها في حدائق الفاكهة، وشاركت في ألعابهم الرياضية وأفراحهم الجميلة، رائعة بكل المقاييس.. إلى أن يقول: وفي النهاية فإن كرم مصر ولطفها لم يخذلاني أبدا، فقد قضيت سنوات كثيرة سعيدة في هذا البلد ذي الفتنة والجمال».
في البداية يأخذنا توماس راسل إلى كيف فكر أن يعمل في مصر. تربيته وطفولته بين عائلته في بيلدفور شاير في بريطانيا، وحديث ضاف عن العائلة ما بين الفروسية والصيد وغيره، وكيف كان ابنا مع ستة أبناء رأى والده الكاهن في إبراشية مليئة بكل الألعاب. تعليمه في المدرسة العسكرية ومهاراته في الملاكمة والصيد وغيرها حتى قابل عام 1901 ابن عمه بيرثي ماتشيل القادم من مصر، وكان يعمل مستشارا لوزارة الداخلية المصرية، بعد خدمة طويلة في الجيش المصري، فدعاه إلى زيارة مصر. كان هو قد قرر أن يترك إنكلترا فجاء وعمل منذ عام 1902 نائبا للمفتش. فترات من التدريب على العمل في المكس في الإسكندرية، وعمل روتيني في شرطة الإسكندرية في المنشية وقسم اللبان وغيرها، حتى صار مؤهلا تماما للعمل كنائب مفتش في محافظة البحيرة عام 1903. ينقسم عمله في مصر إلى مرحلتين، الأولى من عام 1903 إلى 1911 نائبا للمفتش ثم مفتشا، وفي الفترة من 1911 إلى 1913 مساعدا لحكمدار الإسكندرية ثم حكمدارا للقاهرة بعد ذلك. نمشي مع الكتاب فنجد أحاديث عن الأوضاع القانونية مع الاحتلال البريطاني في مصر.
هو غير معادٍ للمصريين أبدا، وكان حريصا على عمله بإتقان وإنسانية. يحلل لك الأمراض المستشرية بموضوعية، وترى عجائب في تفاصيل الكتاب. لا يتردد في أن يقف عند عيوب نظام الامتيازات الأجنبية، وكيف كان عائقا في عمليات القبض على المجرمين. تندهش حين تعرف أن بيوت الدعارة غير المرخصة في مناطق مثل الأزبكية، كانت يديرها دائما نساء أو رجال أجانب، وكان عليه للقبض على أصحابها، أن يصحب معه مندوبا من القنصلية التي يتبعها الأجنبي. حين ينجح مع القنصلية ويذهب بالمندوب، يخبرونه أن المكان لم يعد يديره الشخص السابق، بل شخص جديد تابع لقنصلية أخرى فيبدأ من جديد، ويصل الأمر إلى تغيير الشخص أحيانا لسبع مرات. تاريخ كل منطقة دعارة وجغرافيتها مثل وش البركة والوسعة، وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه من دعارة مقننة وغير مقننة.
جهود جبارة لتتبع هذه التجارة في كل الدول الأجنبية ومصدرها وعملائها. هكذا باتساع ودقة وصور فنية مؤثرة حتى نصل إلى جهوده أثناء ثورة 1919 وكيف كان حريصا على التعامل مع المظاهرات التي خرجت بعد نفي سعد زغلول ورفاقه كي تمر بسلام. يعطي أمثلة بمظاهرات نسائية.
كيف كان لكل مكان من هؤلاء ملك خاص لا يتوقف عند البغاء فقط، لكن بيع وشراء النساء، مثل إبراهيم الغربي النوبي الأصل، الذي كان يجلس مرتديا ملابس نسائية وفي يديه أثقال من المجوهرات، وكيف تم القبض على هذا الملك المخنث، وكيف حكم عليه بالسجن أكثر من مرة حتى مات في آخر حبسة. طوافه في الصحراء الغربية والشرقية وجنوب وشمال البلاد. أحاديث مفصلة عن حواة الأفاعي بين الحقيقة والخداع وخبرته معهم، وأنواع الأفاعي وأضرارها. تفاصيل مذهلة حول كل موضوع يكتب عنه، وتتابع بدهشة حديثه عن قصاصي الأثر من قبائل البيشارية من جنوب مصر، وطرق تتبعهم لأثر المجرمين في الصحراء، التي يصلون في اتقانها لمعرفة صاحب الأثر، وما إذا كان مثلا مصابا بالعرج أو سليم القدمين، يحمل شيئا أو لا يحمل شيئا، وتتبع الأثر في الرمال والصخور، وهكذا.
أما حديثه عن الكلاب البوليسية التي بدأت مع الكلب هول، فتعرف أن «هول» نسبة إلى الإنكليزي صاحب أول كلب تم تدريبه على ذلك، وكيف استفادوا من الكلاب إلى درجة أن الكلب كان يعرف صاحب البلاغ الكاذب، حين يشم مكان الجريمة والمُبلِّغ نفسه. لا يحكي فقط لكن يقدم لك وقائع بأسمائها وبما انتهت إليه، والأحكام التي صدرت فيها. حديث ضافٍ عن الغجر وأعمالهم ولهجاتهم وأماكنهم وجرائمهم وأصولهم التي ترجع إلى الهند، وكيف خرجوا منها إلى بلاد العالم. الحديث عن المخدرات يأخذ مساحة كبيرة. كانت ما بين الحشيش والهيروين. جهوده الكبرى لتتبع الأمر في البلاد المصدرة للهيروين بالتهريب مثل سويسرا وغيرها، وكيف وصل الأمر إلى اتفاقات مع الدول الأجنبية والامم المتحدة ذاتها، رغم أن مصر لم تكن عضوا فيها ذلك الوقت. كيف كان يتم التهريب في السفن بالدفن أو الإخفاء في بضائع مختلفة، وكيف نجحوا في اكتشافها. أما الحشيش المقبل من إسطنبول أو ليبيا، وكذلك من سوريا ولبنان، حيث كان يزرع فيهما بكثافة، فيشغل أيضا مساحة كبيرة. طرق التهريب بالبحر أو عبر الصحراء الشرقية في باطن الخِراف أو الجمال الحية، إذ يلقمونها المخدرات معبأة في أنابيب رفيعة. الجولة مع طرق التهريب وطرق اكتشافها كبيرة جدا، حافلة بالمعلومات والأسماء لكبار التجار أو البارونات، بل كيف تورط فيها بعض الأسماء الدبلوماسية الغربية، فكانت حقائبها تعبر الحدود بالبحر والبر دون تفتيش.
جهود جبارة لتتبع هذه التجارة في كل الدول الأجنبية ومصدرها وعملائها. هكذا باتساع ودقة وصور فنية مؤثرة حتى نصل إلى جهوده أثناء ثورة 1919 وكيف كان حريصا على التعامل مع المظاهرات التي خرجت بعد نفي سعد زغلول ورفاقه كي تمر بسلام. يعطي أمثلة بمظاهرات نسائية. لا يلوم الثورة ذاتها ولا زعماءها. وهنا يطل سؤال كيف كان للثورة كل أولئك الشهداء الذين سجل المؤرخون أسماءهم، خاصة عبد الرحمن الرافعي ما دامت المظاهرات تمر بسلام؟ نظل مع وقائع مهمة للاغتيالات السياسية وأشهرها اغتيال بطرس غالي رئيس الوزراء عام 1910، واغتيال اللواء الإنكليزي السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم السودان في القاهرة عام 1924 وكيف اقترح هو على سعد زغلول أن يعلن عن مكافأة عشرة آلاف جنيه لمعرفة قاتل السردار ووافق سعد زغلول، بل يقف بأدب أمام قطار امتلأ بالوزراء السابقين للذهاب إلى طنطا عام 1923، وكانت حكومة إسماعيل صدقي باشا قد حظرت تجوال مصطفى النحاس في البلاد، فأعلن النحاس اعتزامه السفر إلى طنطا متحديا، وامتلأ قطار بالوزراء السابقين للذهاب إلى طنطا. استطاعت الداخلية خداعهم وخرج القطار دون العربة الأخيرة التي كانوا فيها، وأخذها قطار آخر إلى حلوان، وذهب لمقابلتهم قائلا، إنه كان ينفذ أوامرهم وهم في الحكم فماذا يفعل الآن. انتهت الأزمة ولم يذهب الوزراء ولا من معهم من أعضاء مجلس الشيوخ. حكايات كثيرة مغرية بالقراءة والمعرفة تؤكد حسن اختيار المترجم مصطفى عبيد للكتاب وبراعة ترجمته ولغته. كتاب يعكس مصر وأحوالها في النصف الاول من القرن العشرين يستحق الحفاوة والتقدير. ولو كانت ظروف السينما والدراما في مصر بخير لتحول إلى عمل درامي عابر للزمان.
روائي مصري