مراجيح الناثر بدر شاكر السياب… بينَ خير الشِعر وشر السياسة

صدر حديثاً في بيروت للكاتب العراقي جاسم المطير كتاب «مراجيح الناثر بدر شاكر السياب» عن الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى يونيو/حزيران 2019.
يضم الكتاب الذي جاء في 224 صفحة أربعة عشر مقالاً، جاءت تحت العناوين الآتية: «عن الانقسام الشعري وبداياته»، «بعض الحقائق الغائبة أو المعلقة»، «السيّاب بين الوعي الشعري والضياع الواقعي»، «السياب والثورية اليسارية»، «بدر شاكر ومنهجه الفكري»، ومقالات أخرى. يقول المطير بِأَنَّ مقالاته في هذا الكتاب، لا علاقة لها بدراسة شعر السياب أو شاعريته، لأن هذا الأمر من اختصاص النقاد والباحثين.

بَيْنَ البَصرْةِ وبَغداد

حيث يستذكر المؤلف بعضاً من سيرة الشاعر السياب، ويؤكد الكاتب على أنَّ بدر شاكر السياب هو راعي التجديد في الشعر العربي، وأن مبادراته الرائدة، منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي جعلته وجعلتنا، نحن الأدباء العراقيين، نحس إحساساً متفوقاً بالسمو الشعري والرفعة الشعرية بهمةِ وإنجازاتِ أحد شعراء العراق، حيث لم يكتب أحد عن الإنتاج السيّابي الضخم، الذي ظل (يتيماً) في العراق، وفي طول الوطن العربي وعرضه. ويتساءل الكاتب، بنبرة نقدية من استثمر في منجز السياب الشعري الضخم بدون وجل من كتّاب صحافيين وشعراء انتهازيين. فهؤلاء حسب الكاتب يريدون العيش والثراء على حساب الإرث السيّابي اليتيم، الذي لا تدافع عنه دولة أو مؤسسة.
يرتكز الكاتب على معلومات شخصية ساعدته كما يقول على الكشف عما فعلهُ بالمراجيح وخيزرانها المشتق من معاناة الشاعر بدر شاكر السياب، المنتمي، رائداً، إلى شمس الشعر الحر، حاملاً أثقال تجربة مريرة ومرض مقطر بالآلام. ويرد في الكتاب بصيغة سؤال من هو رائد الحداثة في الشعر الحر السياب أم نازك الملائكة؟ حيث يأتي الجواب على هذا السؤال بصيغة الانقسام، بعضهم يقول، إنّ أول حركة في الشعر الحر كانت في بغداد عام 1947 على يد نازك الملائكة في ديوانها «عاشقة الليل» أو قصيدتها «الكوليرا» أو في ديوانها «شظايا ورماد» عام 1949. معارضو هذا الرأي يقولون إنّ الأول بدر شاكر السياب في «أزهار ذابلة» وهو ديوانه المنشور عام 1947… كما يشير الكاتب إلى أن الدافع الأساسي، الذي حفزه على جمع مقالاته في كتابه الوجيز هو محاولة كشف (البيئة المحيطة) بالشاعر بدر شاكر السياب، وتشخيص بعض عناصرها وتوضيحها، بجلاء، أمام القراء. ويقصد المؤلف (البيئة السياسية) التي أحاطت ببعض جوانب حياة الشاعر السياب جاعلة منها مراجيح غير متوازنة، ألحقت الأذى بوضعه الشخصي وأساءت كثيراً إلى وضعه السياسي. وقد كان لتلك المراجيح وآلياتها أثرٌ كبيرٌ على تاريخه، حيث تلك مراجيحه حرّكته بين خير الشعر وشر السياسة. كما يؤكد المؤلف على أنَّ (الانتهازية الشعرية) لا تفعل شيئاً بمجهوداتها غير تكرار بعض الحوادث عن الشاعر العراقي المجدد لأصول الشعر العربي. إنها حكايات مقتبسة من فولكلور شناشيل ابنة الجلبي أو من قصيدة أنشودة المطر، أو من أساطير متعددة عن ولادة الشاعر (1926) في قرية جيكور في البصرة أو دراسته اللغتين العربية والإنكليزية في كلية التربية في بغداد أو وفاته (ت 1964) في الكويت. يقول الكاتب يوم وفاة الشاعر السياب، كنت سجيناً في نقرة السلمان مع آلاف السجناء الآخرين. ظهرت سيماء الحزن على أكثرنا، لكن حدث نكوص عن مواكبة رحيله، لأن أغلب السجناء كانوا يعتقدون أنهم ضحايا أصحاب بدر شاكر السياب من البعثيين والقوميين. كان سجينٌ واحدٌ فقط (عبد القادر العزاوي) قد حاول اللحاق بالسياب، لأنه مولع بحبه وتقديره، انتحر بطريقة غريبة استطاع الأطباء السجناء من إنقاذ حياته.

يعود المطير إلى توجيه بعض الانتقادات للسياب ولشعراء عراقيين آخرين، حيث كانت مذكراته (السياب) الحزبية – السياسية، مقالات ذات صبغة عاطفية، غاضبة، سريعة، انتقامية، ثأرية، لا تحمل وضوح الفلاسفة والعلماء.

– الانعزالية

كان السياب كما يشير الكاتب قد بذل جهداً كبيراً في حياته من أجل أن ترتقي القصيدة الشعرية العربية إلى مستوى أكثر تطوراً، وأكثر تنظيماً، وأكثر مواكبة للقصيدة العالمية. صحيح أن بعضهم أحب السياب وبعضهم دفع عنه كل سوء، لكن ذلك لم يخلُ من حقيقة وجود مَنْ أوقع على السياب بلوى وأزمات واتهامات. على الرغم من سلوكية السياب الانعزالية، كان أدباء البصرة يراعون خصوصيته الثقافية والعملية والشخصية وحبه لهذه الخصوصية، بانزوائه في قريته الصغيرة (جيكور). ربما تلك الانعزالية تفسّر تزايد اهتمامه بالأساطير كعنصر من عناصر ذكائه الشعري، وتكامل قدراته وخططه في بناء قصائده بشكل إيجابي خلاّق، ورفع مستوى التفاعل بين الأسطورة والشعر، حيث شهدتْ مدينة البصرة في جنوب العراق أواخر الأربعينيات من القرن العشرين وأوائل الخمسينيات بصفة خاصة، كما يورد المؤلف، أنماطاً من الفعل الساخن، النابض بالحيوية على صعيد الأندية الكبيرة والصغيرة والتجمعات الثقافية، بين الموهوبين من جيلين أدبيين، تلك التجمعات ضمّتْ أعلاماً أكفاء أمثال، الشاعر كاظم حسن، الشاعر الباحث رزوق فرج رزوق، الكاتب المؤرخ فيصل السامر، الناقد كمال الجبوري، الروائي مرتضى الشيخ حسين. أسماء أخرى أمثال زكي الجابر، سعدي يوسف، محمد الجواهري، محمد سعيد الصكار، صالح الشايجي، مقبل الرماح، وغيرهم من الكتاب والنقاد والشعراء.
ويعود المطير إلى توجيه بعض الانتقادات للسياب ولشعراء عراقيين آخرين، حيث كانت مذكراته (السياب) الحزبية – السياسية، مقالات ذات صبغة عاطفية، غاضبة، سريعة، انتقامية، ثأرية، لا تحمل وضوح الفلاسفة والعلماء. كما يؤكد المطير بأن السياب كان قد هاجم الحزب الشيوعي العراقي، من أجل منحه الريادة في الشعر الحر وأسبقيته على نازك الملائكة وعلى عبد الوهاب البياتي، ربما ظن أن عدم منحه هذه الهوية كان بتوجيه من الحزب. على الرغم من أن الثلاثة السياب ونازك الملائكة والبياتي في ديوان «أباريق مهشمة» لهم دور مهم في ناحية التجديد الشعري. وينتقل الكاتب إلى الحديث عن ثلاثة شعراء مدّاحين، الجواهري والسيّاب وعبد الرزاق عبد الواحد، فالجواهري مدح الملك فيصل الثاني وخاله عبد الإله، ولكنه عاد في ما بعد وتراجع عن مديحه هذا وعدّه نقطة سوداء في ساحة شعره البيضاء. والثاني السيّاب مدح الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1963 بقصيدة «أغثني يا زعيمي»، وعندما جاء الانقلابيون إلى الحكم في بغداد وأعدموا عبد الكريم قاسم انقلب السيّاب على الزعيم وناصر البعثيين الذين سرعان ما تخلى عنهم، لأنهم لم يقدموا له الأموال.
أَمَّا الشاعر الثالث فهو عبد الرزاق عبد الواحد (شاعر صدّام حسين) حيث يؤكد المطير على أن شِعر عبد الواحد أوجد لشاعره فلسفة خاصة طالما لم يكن مفلساً مثل بدر شاكر السيّاب، أو محتاجاً للمال كالجواهري. ولم يغيّر عبد الرزاق عبد الواحد قناعاته تجاه صدّام حسين حتى وفاته. ويقول المطير: «بأن السياب برهن خلال عمره القصير (38) عاماً أنه ليس شخصية فكرية- نضالية إلاّ بحدود».
الواضح أيضاً أن الأحداث السياسية لما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي بداية خمسينيات القرن الماضي، كان لها أثر غير قليل على الشعر العراقي، وعلى شعر بدر شاكر السياب، حيث كانت من أفضل قصائد السياب، من حيث الموضوع، واللغة، والثقافة، في دواوينه «الأسلحة والأطفال» و»المومس العمياء» و»حفار القبور» حيث تجوّل السياب بوعي كامل في معاناة إنسانية في ميادين لم نكن نعرفها، ولم يستطع جيل الشعراء، آنذاك، أن يتخيلها، بينما هذا الشاعر تمكن من أن يصورها شعرياً أحسن وأصدق تصوير. فالشيء المهم والمثير هو أنّ بدر شاكر السياب جعل الأدب العربي، كله، متجهاً نحو التقويم للشعر الحر وعلاقته، مباشرةً أو غير مباشرةٍ، بالشعر العالمي واتجاهاته وحركاته.

٭ صحافي وكاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية